مجلة البلاد الإلكترونية

الإمام الخامنئي (دام ظله): "النّظام الأمريكي لن يُعمّر طويلاً إنْ جاء أحدهم إلى السلطة، فسيُعجّل الانهيار، والآخر ربّما يؤخّره قليلاً لكن في جميع الأحوال هذه هي الحقيقة"

العدد رقم 268 التاريخ: 2021-01-22

ثقافتُنا.. ومسؤوليةُ المثقف المبدع

غسان عبد الله

هامش ثقافي

ثقافتُنا.. ومسؤوليةُ المثقف المبدع

عند تتبع "الحال" العربي الراهن، قطعاً سوف نصاب بأقصى خيبات الأمل، وذلك يعودُ لجملة أسباب متراكمة.

فالمثقف الذي كان داعيةً للتغيير هو ذاتُهُ اليوم يخشى المتغيرات التي تفاجئه وتصدمه، يهاجم الغزو الثقافي وما هو إلاّ ثمرةٌ من ثمارِ الثقافة الغربية، يمارس الوصايةَ على المجتمع والأمة فيما الناس لم تعد تكترث بدعواته وأطروحاته، يطالب بتغيير الواقع لكنه لا يُحسن سوى نفي الوقائع، شعاره الحداثة لكنه يتعامل معها بصورة جداً تقليدية وشكلانيّة.. وسطحية غالباً. يدعو لممارسة النقد ويمارسه على غيره بتجريح واغتيال، وعندما يُنتقد (بضم الياء) يعتبر أن ذاك ضد الوطنية والوطن والثوابت والثقافة بل قد يصل به إلى درجة التخوين والتكفير وتأليب الرأي العام. يتعامل مع العقلانية والديمقراطية كما لو أنها ما ورائيات فيما هي مراس ذاتي ويومي وصناعة دائمة، بل وصل به الحد إلى تكفيرها وتخوين من يطالب بها اليوم على اعتبار أنها جزء من الليبرالية المتوحشة وأطروحات المحافظين الجدد.. هكذا تبددت أحلام الحرية والديمقراطية بالصدام مع واقع سياسي معقد، يعتبر نفسه مناضلاً تنويرياً لكنه يتصرف بعقلية الضحية، يدعي عشق الحرية فيما هو يمارس انتهاكها على أرض الواقع، يعتبر أنّ مشكلته مع السلطات في حين أن المشكلة في أفكاره بالذات النخبوية والنرجسية وفي مشاريعه ومقولاته المُستهلَكة (بفتح اللام) وبعقليةٍ هشّةٍ وقوالبَ جامدةٍ ومناهجَ قاصرةٍ وقراراتٍ هشّة.. وبالتالي أليس مثل هذا المثقف ينطبق عليه ما جاء من تنبؤات تعلن موته أو نهايته..؟؟. أليست مراقبة الاحتضار فيها كثير من الحزن والألم والاكتئاب لا تقل عن مشاعر المُحتضِر ذاته.!؟؟؟.

ما بين توصيف محنة الفهم مروراً بمحنة الموقف ووصولاً لنتيجة المثقف الجديد الذي نريد ونحتاج اليوم، هناك الكثير من التوصيفات لا بدَّ من القبض على مفاصلها المهمة التي تحتاج تفكيك وإعادة بناء بقصدية استيعاب التغيير.

إن مصطلح "المثقف" الذي يؤرِّقُ الأوساطَ السياسيةَ والاجتماعيةَ والثقافيةَ أصلاً مصطلحٌ جديدٌ في الفكرِ العربيِّ، بل هو كذلك في الفكرِ الغربيّ. وبالتالي وُلِدَ مصطلحُ المثقفِ في لحظةِ ضميرٍ إنسانيةٍ أصرّ فيها الأدباءُ فتح التحقيقِ وإثبات براءة المتهم المغاير لهم في ثقافته ودينه.. إن أبرز ما نحتاجه اليوم هو: التوصيف الاجتماعي وليس السياسي كما هو شائع بين الأوساط لإجراء التغيير في المجتمع. ولكي ينجح المثقف بدوره فاعلاً محركاً لا بد له من فهم هذه القيم ونقدها واتخاذ موقف منها تحليلاً ودراسة وفعلاً واقعياً.

يُلاحَظ أن أكثر ما تتميزُ به القيمُ الاجتماعيةُ أنها تميلُ وتتمثّلُ في الصراع بين الاتجاهاتِ الفكريةِ والقوى الاجتماعيةِ والسياسيةِ والاقتصاديةِ الفاعلةِ في المجتمع. كما أنها متعددةُ المصادرِ والأبعاد. وقد اعتادتِ العلومُ الاجتماعيةُ التمييزَ بين ما يتعلق بمعنى الحريةِ والغايةِ التي يجب أن نصارع من أجلها" على الرغم من صعوبة الفصل بينهما بشكل كليّ.

الثقافة العربية نفسها تركيبٌ معقّدٌ كنتيجةٍ لتفاعلٍ عميقٍ ودائمٍ مع عددٍ كبيرٍ من الثقافاتِ والحضاراتِ داخلَ المنطقةِ العربيةِ وخارجَها ولزمنٍ طويل. لذلك من أبرزِ مسؤولياتِ المثقفِ المبدعِ اليومَ في المنطقةِ العربيةِ البحثُ في كيفيةِ تأمينِ التفاعل الخلاق، القدرةُ على المواجهةِ الحرةِ من منظورِ استعادةِ السيطرة على المصير. وهذا يقودنا إلى أهمية قِيَمِ الإنتاجِ لا الاستهلاكِ لنتغلّب على التبعيةِ التي تلحقنا بالغرب، حيث مكّنته هذه التبعيةُ من محاصرتِنا وعزلنا ومعاقبتنا وشنِّ الحربِ علينا حينما شاءَ ويشاءُ وبالطريقةِ والكيفيةِ والشكلِ الذي يريدُ أكانت آلةً وعتاداً حربياً أو تحريكاً لاتجاهات المال والأسهم والبورصات، وغيرها مما نراه وما لا نراه.

مسؤولية المثقف المبدع العمل على توعية الناس بحقوقهم في المشاركة بما في ذلك الموجودة اليوم وبحدّها الأدنى وتوظيف هذا الحد بإيجابية، بدلاً من هذا الزخم من النتاج السوداوي الإحباطي والهجومي وإلحاق كل الخطايا والإخفاقات بشمّاعة السياسي، التي باتت هي شكل من أشكال الترويج الثقافي لقيم الانصياع.

تعوز المثقفُ اليوم الأحلامُ لا الكوابيس، التحرك الواقعي لا التخيلي، تضمين القيم الإيجابية في النتاجات سواء الإبداعية أو الإعلامية، واستعادة السيطرة على حياته أولاً ومن ثم حيث المؤسسات والمنتوجات ليخرج من حالة الاغتراب والعزلة والعجز إلى حالة الإبداع والتغيير التجاوزي.

لذا لم تعد المهمة الآن رفع الشعارات بعدما استُهلكت، ولا كشف الحقائق الخاوية لأنها في متناول الجميع بلا استثناء في عصر وسائط الميديا الحديثة، ولا الاستسلام لأننا نمتلك الفعل النضالي عبر المراجعة والنقد والاعتراف بالمتغيرات.. المهمة الآن ابتكار الأفكار بالاستناد إلى الحقائق بغية فتح الآفاق المسدودة أمام العمل أو استخراج إمكانات جديدة للممارسات الاجتماعية والسياسية، بمعنى أن الفكرة الخصبة والخلاقة ذات أثر قوي ومفعول خارق أكثر بكثير من اللغة التعبوية والمواقف الشعاراتية.

ولكن الاعتراف بالموات والاكتئاب والهزيمة ليس عيباً بل العيب أو الخطورة في عدم الاعتراف بذلك والاستمرار في خداع الذات من تحقيق انتصارات وهمية خادعة للذات وللشعوب العربية.. الاعتراف بالهزيمة فيها من التراجيديا النبيلة الشيء الكثير الجدير بدفعنا لمراجعة الذات وإعادة إحياء خلايانا.

في ثقافتنا المعاصرة بعض التجارب المهمة في نقد الذات بطريقة تستحضر القيم الاجتماعية وإبراز اختلاط الأدوار والقيم.. ولعل نشوء وعي بهذه الأدوار يكون فاتحة عهد جديد في الوعي الاجتماعي الثقافي في العالم العربي والإسلامي قد تبشر بآفاق جديدة في المعرفة والاشتغال بالشأن العام للخروج من الغرف المقفلة والجلسات النخبوية للاعتراف بما كنَّاه وما نحن عليه وما نريد أن نكون.

غسان عبد الله

 

إخترنا لكم من العدد