مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

أديس ابابا وإقليم تيغراي: حرب دامية.. ومؤشرات انفصال

ابتسام الشامي

أديس ابابا وإقليم تيغراي: حرب دامية.. ومؤشرات انفصال

وضعت المعارك الدائرة بين الحكومة المركزية في أديس ابابا وبين "جبهة تحرير شعب تيغراي" أثيوبيا على مفترق طرق خطير يهدّد وحدتها الجغرافية وتعايش عرقياتها المتنوعة التي تربو على 100 جماعة عرقية وثقافية، تتكلم حزمة من اللغات السامية والكوشية.

وكما في كل الدول ذات الديمغرافيا المتنوعة، فإن التنوع سرعان ما يتحول من نعمة إلى نقمة، مع الصراع على السلطة حيث ترى كل عرقية أنها الأَوْلى بالحكم وما على الآخرين إلا الطاعة. هذا باختصار ما تشهده أثيوبيا اليوم، وتدفع "شعوبها" ثمنه قتلى وجرحى ومشردين ولاجئين في دول الجوار، ومستقبل غامض يلف البلاد سبق للمستشرق الإيطالي كارلو كونتي روسّيني أن أطلق عليها اسم "متحف الشعوب".

إقليم تيغراي في التاريخ والجغرافيا

على جبهة إقليم تيغراي تدور المعارك عنيفة بين الجيش الاثيوبي ومن تسميهم أديس ابابا بالمتمردين من جماعة "جبهة تحرير شعب تيغراي" التي كان لها حتى عام 2018، تاريخ تسلم أبي أحمد رئاسة الحكومة الفدرالية في أثيوبيا، التأثير الاكبر في صناعة سياسية البلاد ورجالاتها.

يقع إقليم تيغراي في شمال أثيوبيا، تحده من الشمال إريتريا، ومن الغرب السودان، ومن الشرق عفر، أما من الجنوب فيحده إقليم أمهرة. ويعتبر هذا الإقليم موطن جماعة عرقية "التغراي" التي تشكل حوالي 6% من سكان أثيوبيا، لكن تاريخها السياسي يفوق حجمها العددي بكثير لاسيما دورها في انهاء حكم "منغستو هيلا ميريام" الذي كلف اسقاطه الكثير من الاثمان الانسانية. واذ كان من الصحيح القول إن الجبهة لم تكن الوحيدة في المقاومة العسكرية التي انطلقت ضد من كان يسمى بالديكتاتور، إلا أنها كانت الأكثر تنظيماً على المستوى الداخلي، ولديها تحالفات خارجية أبرزها التحالف مع الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا. هذا الوضع أهل "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" لأن تتولى عام 1988 قيادة تحالف أقر إنشاؤه في مؤتمر عقد في السودان، ضم ممثلين عن 14 تنظيماً أثيوبيّاً مسلّحاً، اجتمعت على توحيد بندقيتها لإسقاط منغستو. وعلى مدى ثلاثة أعوام، قاتلت هذه الجبهة العريضة النظام القائم وتمكنت قوات "تحالف جبهة شعوب أثيوبيا"، عام 1990 من الاستيلاء على الحكم وتنصيب "تاميرات لاينه" من قومية التيغراي رئيساً للبلاد منتصف عام 1991، قبل أن يخلفه مليس زيناوي عام 1995 ويستمر في الحكم حتى وفاته عام 2012، الأمر الذي جعل التيغراي يحكمون أثيوبيا لعقدين متواصلين من الزمن.

الأسباب غير المباشرة للحرب

لكن امساك التيغراي بالسلطة سيضعف بعد وفاة زيناوي وانتخاب هايلي مريام ديسالين خلفا له، المنتمي لمجموعة تحالف شعوب جنوب أثيوبيا.   وخلال ولايته بدأت مجموعات عرقية، وعلى رأسها الأورومو - التي تمثل حوالي 40% من سكان البلاد - التململ من طريقة تقاسم السلطة في الإطار المركزي. لتنطلق بعد ذلك حركة احتجاجية بين عامي 2015-2017، تجبر ديسالين على تقديم استقالته، ليصل إلى الحكم بعده العقيد السابق في استخبارات الجيش آبي أحمد، وهو من قومية الاورومو، مدعوماً من قومية الأمهر، ومعارضة التيغراي.

الأسباب المباشرة للحرب

شكل وصول احمد إلى رئاسة الحكومة الفدرالية في أديس ابابا، محطة مهمة في التاريخ الاثيوبي لكونه أول رئيس من قومية الأورومو، وفي الوقت نفسه كان وصوله محطة مفصلية على طريق تراجع التأثير السياسي للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. واذ شرع رئيس الحكومة الجديد في تطبيق بعض الاصلاحات الداخلية، فإنه عمل ايضا على انهاء حالة العداء التاريخي لبلاده مع إرتريا، ليستعيد البلدان العلاقات الدبلوماسية عام 2018. وتقديرا لجهوده في المصالحة، منح في العام التالي جائزة نوبل للسلام.

على أن الصعود السياسي لآبي احمد داخلياً وعلى المستوى الخارجي- لاسيما الدور الذي أداه في الازمة السودانية بعد سقوط حكم عمر حسن البشير - لم يكن مريحا للتغراي الذين كانوا يتوقعون أن ينقض على إقليمهم. وهو ما حصل بالفعل في الرابع من تشرين الثاني الحالي، عندما أمر بتوجيه ضربات جوية للإقليم بالتزامن مع ارسال قوات عسكرية اليه بعد أن اتهم "جبهة تحرير شعب تيغراي" بشنّ هجوم على قاعدة عسكرية، لتنطلق في أعقاب ذلك موجة من الصراع العسكري ذكّر الاثيوبيين بالحرب الاهلية في سبعينيات القرن الماضي بكل آلامها وكلفتها الانسانية الباهظة.

على أن الحرب الدائرة حاليا، لم تكن مفاجئة اذ إن مؤشراتها، بدأت بالتراكم إثر قرار رئيس الحكومة الفدرالية تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في شهر آب الماضي، بسبب تفشي وباء كورونا، وإصرار "جبهة تحرير تيغراي" على إجراء الانتخابات في الشهر التالي برغم حكم أعضاء كبار في البرلمان بعدم دستوريتها.

وردا على ذلك، أمر البرلمان وزارة الخزانة بوقف تمويل الحكومة الإقليمية لتيغراي، الامر الذي رأت فيه الاخيرة اعلان حرب. وبالتزامن مع ذلك قرر أحمد بعد يومين على تمديد ولايته، تعيين رئيس جديد للإقليم، في اعقاب تجريد البرلمان رئيس تيغراي "دبرصيون جبراميكائيل" الذي انتخب في شهر ايلول الماضي، من الحصانة أمام الملاحقة القضائية.

خاتمة

على هذه الخلفية اندلع الصراع بين أديس ابابا وإقليم تيغراي، وهو صراع من شأنه أن يهدد وحدة البلاد الجغرافية، مع وجود نص دستوري ينص على حق الأمم والقوميات والشعوب في تقرير المصير وإدارة كل إثنية لشؤونها الداخلية، بما في ذلك اللغة والهوية الثقافية، مع ضمان حق الجماعات الإثنية في الانفصال عن الدولة، باعتباره "خياراً أخيراً" يُلجأ إليه حال فشل الدولة بمعالجة التمييز السياسي والاقتصادي، وأن يتحقق بشكل ديمقراطي بالتصويت في المجلس التشريعي القومي "البرلمان".

ابتسام الشامي

 

 

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد