مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

المصالحة الخليجية لتعميق الاحتماء بالمظلة الأمريكية - الصهيونية

توفيق المديني

المصالحة الخليجية لتعميق الاحتماء بالمظلة الأمريكية - الصهيونية

في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية هرولة مجنونة من قبل بعض الدول العربية والخليجية نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتصاعداً في حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران منذ وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، بإعلانه انسحاب بلاده من الاتفاق النووي لعام 2015، وإعادة فرض العقوبات كاملة بحق طهران..

فضلاً عن أنَّ الرئيس الأمريكي الخاسر ترامب الذي مارس استراتيجية "الضغوط القصوى" بعد انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018 لم تحقق أهدافها في إجبارها على اتفاق شامل، قد وضع خطة سرِّية لمواجهة إيران عسكرياً ما دفع الأخيرة إلى معاودة أنشطة تخصيب اليورانيوم، وسط تعالي التصريحات والتهديدات بشأن تخطيط إيران للانتقام، مع الذكرى الأولى، لمقتل رجلها العسكري الأول ورمز نفوذها الإقليمي، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، الشهيد قاسم سليماني، في مطار بغداد مطلع عام 2020،

في هذه الأجواء المتوترة عقدت القمة الخليجية الـ 41، يوم الثلاثاء 5 كانون الثاني/يناير2021 في مدينة العلا بالمملكة العربية السعودية، وشارك فيها قادة مجلس التعاون الخليجي بحضور وزير الخارجية المصري ومستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير، حيث أكَّد البيان الختامي للقمة، على وقوف دول مجلس التعاون الخليجي صفا واحدا في مواجهة أي تهديد تتعرض له أي من دول المجلس، مشدداً على عدم المساس بسيادة أي دولة أو استهداف أمنها.

وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال مؤتمر صحافي، أنَّ مخرجات القمة أكدت طيّاً كاملاً لنقاط الخلاف مع قطر، مضيفاً أنَّ ما تمَّ اليوم هو عودة كاملة للعلاقات الدبلوماسية بين الدول الأربع (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) وقطر. وشدَّدَ في الوقت عينه على أهمية وجود موقف موحّد واضح ضد التهديدات الإيرانية، مضيفاً أن قمة العلا أعلت المصالح العليا لمنظومة التعاون الخليجي، وأكد بيانها الختامي على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المجلس.

وأكَّدَ البيان الختامي للقمة، الذي تلاه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي نايف الحجرف، على أنَّ عنوان القمة هو المصارحة والمصالحة لطي صفحة الخلافات، مُشَدِّداً على أنَّ القادة المجتمعين ناقشوا تنسيق المواقف الجماعية بخصوص قضايا مختلفة. وأوضح أن مباحثات ثنائية جرت لتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة، متوجهاً بالشكر لدولة الكويت والولايات المتحدة لمساعيهما في دعم القمة. وقال الحجرف إن البيان الختامي لقمة العلا أكد على تحقيق التعاون والترابط، مؤكداً أن توقيع مصر على بيان القمة تأكيد للروابط التي تجمعها مع دول مجلس التعاون الخليجي.

كما أكَّدَ البيان أنَّه جرى الاتفاق على تعزيز أدوات الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد من خلال منظومة مجلس التعاون الخليجي، وكذا تعزيز التكامل العسكري لمواجهة التحديات المستجدّة في وجه التهديدات الخارجية. وشدد البيان كذلك على تعزيز الدور الإقليمي لمجلس التعاون من خلال توحيد المواقف بما يحقق المصالح المشتركة.

هل تشكل المصالحة الخليجية فرصة لضرب إيران عسكرياً؟

ليس من قبيل المصادفة التاريخية أن تعقد القمة الخليجية مع بقاءِ أقلِّ من ثلاثة أسابيع لولاية الرئيس الخاسر ترامب، فكل الدلائل تشير إلى الضغوطات التي مارستها إدارة ترامب لإنهاء الأزمة الخليجية التي تفجّرت في سنة 2017، حيث عمل مبعوثا الرئيس، جارد كوشنير وآفي باركوفيتش، على عقد هذه القمة الخليجية التي تمخّض عنها هذا الاتفاق مؤخراً، وهو الاتفاق الذي سينهي ثلاث سنوات من الخصومة العلنية والمقاطعة المتبادلة بين السعودية والإمارات وبين قطر.

المصالحة الخليجية هي أقرب في عرف السياسة إلى الصلح العشائري بين هذه الدول الخليجية التي أصبحت وظيفتها العمل على تشكيل جبهة الدول المهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي أصبح متغولاً في المنطقة، في ظل سقوط الأدوار الإقليمية العربية إلى قاع البئر، وغيابِ كلِّيٍّ لأيِّ سياسةٍ خارجيةٍ عربيةٍ أو خليجيةٍ قادرةٍ على الفعلِ و التأثيرِ في أحداثِ المنطقةِ، وتآكلٍ تاريخيٍّ في قدراتِ كلٍّ من مصر والعراق والمملكة السعودية على الفعل والحركة، لا سيما بعد بروز الأدوار الإقليمية الصاعدة للكيان الصهيوني وتركيا، اللذين يمثلان أذرع قادرة وفاعلة ومؤثرة في نظام الشرق الأوسط الجديد قيد التشكل، مقابل صعود للدور الإقليمي الإيراني الذي يدعم جبهة المقاومة لهذا المشروع الأمريكي- الصهيوني.

وتميز الجماهير العربية والقوى الوطنية والديمقراطية العربية، المتصادمة مع المشروع الإمبريالي الأمريكي والمشروع الصهيوني، والمناهضة للتطبيع، بين صعود الدور الإقليمي الإيراني، وتغول الدور الإقليمي الصهيوني وصعود الدور الإقليمي التركي الداعم لقطر والمختلف مع مصر والمملكة السعودية والإمارات بسبب تناقض المواقف من حركات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة في كل من تونس ومصر وليبيا والمغرب، والتي شنَّت حربًا بالوكالة لإسقاط الدولة الوطنية السورية، باختلاف هذه الأدوار الإقليمية  في طبيعتها ومنطلقاتها باختلاف أهدافها وقدراتها وارتباطاتها الخارجية وتفاوت مصادر قوتها ما بين امتداداتها الإقليمية أو احتلالها العسكري المدعوم أمريكياَ كما هو الشأن للكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين التاريخية والجولان السوري، وتركيا التي تحتل لواء الإسكندرون وشمال غربي سورية.

من الواضح أنَّ الدور الإقليمي الصهيوني والدور الإقليمي التركي يتنافسان على استثمار غياب الدور الإقليمي العربي الفاعل في المنطقة لزيادة نشاطهما وتعميق أهدافهما وتوسيع أجندتهما وتصعيد طموحاتهما، في خدمة أهداف الإمبريالية الأمريكية.

ولذلك فقد كان من المأمول أنْ تتحركَ الدول العربية والخليجية لطرح عقد قمة عربية تاريخية  متخطية كافة المصاعب والعقبات للقيام بنشاط جماعي مكثف والتعامل مع أزمات المنطقة العربية، وطرح بدائل عربية للمشاركة في توجيه أحداث المنطقة وتسوية قضاياها الاستراتيجية، وخاصة وقف سياسة التطبيع مع العدو الصهيوني، وعودة احتلال القضية الفلسطينية مركز الصدارة في السياسة الإقليمية والدولية للدول العربية دفاعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني، واتخاذ قرار سيادي شجاع بعودة سورية إلى موقعها الطبيعي في جامعة الدول العربية، والإسهام في حل الأزمة السورية من خلال المصالحة بين الدول العربية والدولة الوطنية السورية، لكسر الحصارات الإقليمية والدولية المفروضة على الشعب السوري، وإقامة شراكة استراتيجية مع الجارة إيران تقوم على توازن المصالح وحماية الأمن في كل الخليج من جانب الدول العربية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما مع تصاعد الشكوك في فعالية السياسة الأمريكية وتراجع مساحة حركتها في المنطقة وتضاؤل تأثير أدواتها على ساحتها بحيث أصبحت تمثل عِبْئًا على السياسات العربية لفشلها السياسي ومغامراتها العسكرية وانحيازها غير المحدود لإسرائيل.

على نقيض المصالحة العربية التاريخية بوصفها القضية المطروحة على جدول أعمال الأمة العربية، في حال توافر الإرادة السياسية لمواجهة التحدِّياتِ والمخاطرِ التي تتعرض لها المنطقة ولفرز مواقف وأدوار القوى الإقليمية غير العربية بمعايير المصالح العربية وحدها ولبناء موقف عربي فاعل وبلورة دور عربي إقليمي مؤثر وهو أمر لا تظهر له بوادر أو تتضح له مقدمات في الظروف العربية الراهنة، على نقيض كل ذلك، كانت نتيجة المصالحة الخليجية تشكيل جبهة معادية لإيران وسورية، وحليفة في الوقت عينه للكيان الصهيوني.

في ضوء التطبيع بين دول الإمارات، البحرين، السودان والمغرب، والكيان الصهيوني، لا يوجد أي سبب في العالم الآن يمنع التوقيع على تطبيع قطر أيضا، وهي الخطوة التي ستدفع لتطبيع دول أخرى في الخليج وعلى رأسها السعودية التي تنتظر تنصيب جو بايدن. أما قطر المستفيدة من هذه المصالحة الخليجية، فهي لاعبة مركزية.

 وكانت دول الحصار الأربع (السعودية، الإمارات، مصر، البحرين) فرضت 13 شرطًا على قطر من أجل رفع الحصار عنها، وشملت الشروط، الحد من العلاقات مع إيران، وإغلاق القاعدة العسكرية التركية على أراضيها، وغلق قناة الجزيرة، وقطع العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين، لكنَّها لم تتحقق لدول الحصا، وانتهت المقاطعة دون التطرق لها.

وهي بذلك ستكون قطر عامل تلطيف لحدِّة الخلافِ بين المملكة السعودية والإمارات ومصر مع تركيا، وعامل أكثر نشاطًا في مساعي الجسر والتهدئة مع حماس في غزة، وباقي حركات الإسلام السياسي في المنطقة. فلقطر غير قليل من الأسباب للرغبة في تحقيق المصالحة الخليجية، فإلى جانب فضائلها السياسية والاقتصادية، إذ تدفع إلى إيران ما قيمته 100مليون دولار لمرور طائراتها في الأجواء الإيرانية، وسيزيح عنها حجرا كبيرا قبل لحظة من دخولها في الحدث الأهم الذي ترتقبه، مونديال 2022، الذي سيجرى على أراضيها.

استهدافات التصعيد الإيراني

في ضوء التحرّكات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي، تمهيداً لما قيل إنَّه نيةٌ أمريكيةٌ لتوجيهِ ضربةٍ عسكريةٍ لإيران، ردّاً على القصف الأخير لسفارة واشنطن في بغداد، والذي ربما من المرّات القليلة التي يصيب فيها قصفٌ من هذا النوع مبنى السفارة إصابة مباشرة، كشف المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، لوكالة "مهر" الإيرانية شبه الرسمية، عن أن بلاده قد بدأت بالفعل، اليوم الإثنين 4 كانون الثاني / يناير2021، تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 20%، في منشأة "فوردو" النووية جنوبي العاصمة طهران.

وتظهر الخطوة محاولة إيران العودة بأنشطتها النووية إلى مرحلة ما قبل التوصل إلى الاتفاق النووي، حيث كانت تُخَصِّبُ اليورانيوم بهذه النسبة، وذلك بعد أنْ كَسَّرَتْ الحدَّ المسموحَ بتخصيبه وفق الاتفاق، أي 3.67%، خلال عام 2019، في المرحلة الثانية لإنهاء تعهدات نووية ضمن خمس مراحل، اتخذتها خلال العامين الماضيين. مع ذلك، لم تتجاوز إيران نسبة 4.5 في التخصيب، للحؤول دون إغضاب الأطراف الأوروبية الشريكة في الاتفاق، وحثهم على اتخاذ خطوات عملية ضد العقوبات الأمريكية الشاملة التي صفرت منافع طهران من الاتفاق النووي.

وبناءً على هذه المعطيات، بدا أنَّ إيران تحاول من خلال تدشين تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، ممارسة الضغط على ما يبدو، على بايدن لدفعه نحو اتخاذ مسار مغاير لمسار ترامب، وصرفه والدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، الشريكة في الاتفاق، عن المطالبة المتكررة بضرورة التفاوض بشأن برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية.

ويبقى السؤال الأبرز أنه هل ستتجاوب إدارة بايدن المقبلة مع متطلبات هذا التصعيد الإيراني، أو أنها والأطراف الأوروبية سيذهبون باتجاه تصعيد مماثل عبر الإصرار على طرح البرنامج الصاروخي الإيراني في أي مفاوضات محتملة، وتشكيل إجماع عالمي ضد إيران فشلت إدارة ترامب فيه.

خاتمة

إنَّ مفتاح الحديث عن دور إقليمي أكثر فاعلية للدول العربية عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً في المنطقة، يبدأ بتدعيم الأمن القومي العربي من خلال القطع مع سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني، ورفض الاحتماء بالمظلة العسكرية الأمريكية، وإقامة شراكة اقتصادية وسياسية استراتيجية في العلاقات بين الدول العربية فيما بينها، تقوم على المبادئ التالية:

1. المساهمة في محاربة الفكر الإرهابي، من خلال العمل على تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة العربية، عبر القيام بدور عربي بارز وفعال في سبيل حلِّ الأزمتين السورية والليبية، بعيدًا عن الأجندات الإقليمية والدولية المعادية لتطلعات الأمة العربية في التحرر من الهيمنة الأمريكية - الصهيونية.

2. تدشين آلية حوار استراتيجي عربي – إيراني، هدفها تأسيس مرحلة جديدة قائمة على شراكة حقيقية، قوامها المصالح الاستراتيجية المشتركة والقضايا ذات الحساسية لكل من الدول العربية وإيران في منطقة الخليج.

3. ومواجهة واقع التهميش والفقر الذي تعانيه منه الجماهير العربية، ووضع أساس للتنمية المستقلة المستدامة، مع التوسع في إقامة الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية المشتركة في البلدان العربية الفقيرة والمأزومة، ليحل محل أسلوب المنح والهبات المالية ذات الطابع التقليدي.

4. تقديم دول مجلس التعاون الخليجي الدعم اللازم لليمن من أجل الخروج من أزمته، بعيدًا عن ممارسة سياسة الإقصاء لأيٍّ من مكونات المجتمع اليمني، مع المحافظة على وحدته السيادية على كامل ترابه الوطني، من أجل إعادة بناء دولته الوطنية وفق مقتضيات دولة القانون والمواطنة.

توفيق المديني

 

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد