مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

فلندعِ القلق.. ولنبدأِ الحياة!

غسان عبد الله

أول الكلام

فلندعِ القلق.. ولنبدأِ الحياة!

أيها المريض المؤمن بخالقه! إن سبب التألم من الأمراض والخوف منها والفزع ينبع من كون المرض أحيانا وسيلة للموت والهلاك، ولكونِ الموت - بنظر الغفلة - مرعباً مخيفاً ظاهراً، فإن الأمراض والأوبئة.. - وخصوصاً هذا الوباء الوافِدِ ابتلاءً - التي يمكن أن تكون وسائل له، تبعث على القلق والاضطراب.

فاعلم إذاً..

أولاً: آمن قطعاً أن الأجل مقدّر لا يتغيّر. فقد حدث أن مات أولئك الباكون عند المحتضرين في مرضهم. مع أنهم كانوا يتمتعون بصحة وعافية، وشفي أولئك المرضى الذين كانت حالتهم خطرة وعاشوا بعد ذلك أحياءً يرزقون.

ثانياً: إن الموت ليس مخيفاً في ذاته، كما يبدو لنا في صورته الظاهرية، الموت للمؤمن إعفاء وإنهاء من كلفة وظيفة الحياة ومشقتها.. وهو تسريح من العبودية التي هي تعليم وتدريب في ميدان ابتلاء الدنيا.. وهو باب وصال لالتقاء تسعة وتسعين من الأحبة والخلاّن الراحلين إلى العالم الآخر.. وهو وسيلة للدخول في رحاب الوطن الحقيقي والمقام الأبدي للسعادة الخالدة.. وهو دعوة للانتقال من زنزانة الدنيا إلى بساتين الجنة وحدائقها.. وهو الفرصة الواجبة لتسلم الأجرة إزاء الخدمة المؤدّاة، تلك الأجرة التي تغدق سخية من خزينة فضل الخالق الرحيم. فما دامت هذه هي ماهية الموت - من زاوية الحقيقة - فلا ينبغي أن يُنظر إليه كأنه شيء مخيف، بل يجب اعتباره تباشير الرحمة والسعادة. حتى أن قسماً من " أهل الله" لم يكن خوفهم من الموت بسبب وحشة الموت ودهشته، وإنما بسبب رغبتهم في كسب المزيد من الخير والحسنات بإدامة وظيفة الحياة.

نعم إن الموت لأهل الإيمان باب الرحمة. وهو لأهل الضلالة بئر مظلمة ظلاماً أبدياً.

أيها المريضُ القَلِقُ دون داع للقلق! أنت قَلِقٌ من وطأةِ المرضِ وشدَّتهِ، فقلقُكَ هذا يزيد ثقلَ المرضِ عليك. فإذا كنت تريد أن تخفِّف المرض عنك، فاسعَ جاهداً للابتعاد عن القلق. أي: تفكّر في فوائدِ المرضِ، وفي ثوابِهِ، وفي حثِّهِ الخطى إلى الشفاء. فاجتّث جذورَ القلقِ من نفسكَ لتجتثَّ المرضَ من جذورِه.

نعم، إن القلقَ (أو الوسوسة) يضاعفُ مرضَكَ ويجعلُه مرضَيْن. لأن القلق يبثُّ في القلب - تحت وطأة المرض المادي - مرضاً معنوياً، فيدومُ المرضُ الماديُّ مستنداً إليه، فإذا ما أذهبتَ عنك القلقَ والهواجسَ بتسليمِ الأمرِ لله والرضا بقضائه، وباستحضار حكمة المرضِ، فإن مرضَكَ الماديَّ سيفقِدُ فرعاً مهماً من جذورِه فيُخفّف، وقسمٌ منه يزول، وإذا ما رافقتِ المرضَ الماديَّ أوهامٌ وهواجسٌ فقد يكبُر عشر معشار تلك الأوهام بوساطة القلق إلى معشار، ولكن بانقطاعِ القلقِ يزولُ تسعٌ من عشرةٍ من مفعولِ ذلك المرض، وكما أن القلقَ يزيدُ المرض، كذلك يجعل المريضَ كأنه يتّهِمُ الحكمةَ الإلهيةَ وينتقِدُ الرحمةَ الإلهيةَ ويشكو من خالقِهِ الرحيم، لذا يؤدَّبُ المريضُ بلطماتِ التأديبِ - بخلاف ما يقصده هو - ما يزيدُ من مرضه.

إذاً، كما أن الشكر يزيدُ النِّعَمَ فالشكوى كذلك تزيدُ المرضَ والمصيبة. هذا وإنّ القلقَ في حدِّ ذاته مرضٌ، وعلاجُهُ إنما هو في معرفة حكمةِ المرض. وإذا ما عرفت حكمتَهُ وفائدتَهُ، فامسح قلقَكَ بذلك المرهمِ وانجُ بنفسكِ وقل بدلاً من "وا أسفاه": "الحمد لله على كل حال".

أيها الشاكي.. دعكَ من هذا العامِ الذي مرَّ بكلِّ المراراتِ عبر التاريخ.. وتذكّر.. فاللهُ قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.. إذن طالما أن بعدَ الابتلاءِ بُشرى للصابرين.. فلماذا لا تدعِ القلقَ.. وتبدأ الحياة؟.

غسان عبد الله

 

 

 

إخترنا لكم من العدد