مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

المُثقّفُ النّقديُّ (لا الأيديولوجي).. أيُّ دورٍ وأيّةُ مهمّة؟!!.

نبيل علي صالح

المُثقّفُ النّقديُّ (لا الأيديولوجي).. أيُّ دورٍ وأيّةُ مهمّة؟!!.

نميزُ في وعينا لمسألة الثقافة والمثقفين، بين المثقف النّقدي (العضوي) والمثقف الأيديولوجي التأصيلي.. وتمييزنا بينهما لا يعني أن المثقف الأيديولوجي (المتأدلج) لا يرى ولا يسمع، أي لا يمارس فضيلة النقد، وإنما هو يستند لمرجعية ما (دينية أو وضعية) في فعله النقدي، تُحدِّدُ له معايير النقد وانتظاماته المعرفية، بما يعني أن نقده (الذي يأتي غالباً على شكل خطابات تبشيرية تحريضية تحشيدية) مرهون لمحور فكري أو سياسي، ومنضبط بقواعد (محوره ومرجعيته) وأسيجتها ومنغلقاتها وتوظيفاتها لأفكارها واعتقاداتها..

أما المثقف النقدي، فهو مثقف مرتبط ومتواشج أكثر بذاتيته وعقلانيته، منفتح على الآخر، ومفتوح على تيارات الفكر والسياسة حتى المخالفة له، ولا مرجعية له سوى العقل والعلم، ومبادئ الحقوق الإنسانية، وكل ما ينفع ويفيد وجود الإنسان في حياته السياسية والاجتماعية.. يعني هو يتحرك بلا انضباطات أيديولوجية، ويمارس فعله النقدي بلا أية قناعات (فكرية أو سياسية) صلبة مسبقة.. وهو بناءً على هذا، لا يجدنَّ حرجاً ولا مانعاً من لوم أو انتقاد أية فكرة أو سلوك أو شخصية مهما علا شأنها، وتسامت دوافعها، إن كان فيها، ما يعيق التنمية العقلية والحقوقية للفرد والجماعة الإنسانية..

لكنّ المثقف – سواء كان متأدلجاً هويايتاً أم نقدياً عضوياً - غالباً ما يُنتقَدُ ويُلام لأنه يمارس فعل النقد اليومي دونما تغيير حقيقي.. وكأنه يملك مفاتيح التغيير العملية في بلاده ومجتمعه وأمته.

نعم، المثقف النقدي ليس بيده مواقع السّلطة والقرار لتغيير العالم من حوله نحو جمهوريته الواقعية العملية لا الافلاطونية المثالية، هو - كمثقف عضوي (والتعبير لغرامشي) - لا يملكُ سوى سحر البيان والقلم والورقة، والإصرار على الحس النقدي الجمالي، سعياً صادقاً ودؤوباً نحو إقامة دول الحق والعدل والمساواة.. الدول المدنية القانونية.. ومع ذلك تجد أن النظم والقوى المتحكمة بمفاصل القرار تخشاه وتخافه أكثر من المثقف الأيديولوجي، وحتى أكثر من الحركات والشخصيات الإرهابية بآلاف المرات.. فالإرهابيّ لا عقلانية لديه، عقله مفخّخ بقنابل الماضي الموقوتة، وتفكيره مصمت على مقولات صنمية صلبة، وأفقه مغلق على أدبيات صخرية، يريد تطبيقها بالقوة والإكراه من خلال سلاحه الوحيد، العنف وأدواته الدموية المعروفة.

أما المثقف النقدي (الذي يسخر البعض منه)، صاحب العقل التنويري، طبيب الحضارات، والذي لا يعرف التمييز بين مسدس "اللعب بالماء" و"المسدس الحربي".. فهو إنسانٌ واقعي عملي، قوته دائمة ومستمرة لا تنفذ بحكم نبع المعرفة الفياض، قواه العقلية متطورة ومتجددة، لاشتغاله على القراءات الناقدة، وقدرته الفائقة على الكشف والفضح والتعرية، وهتك الحجب والأستار العقلية، والاستنارة الواقعية، لديه آفاق لا منظورة، ويمكن أن يرى بعين (جهينة) لا يرى غيره بها، من هنا ما يمثله من خطورة (عقلانية سلمية) بالغة ومؤثرة هي الأكبر والأمضى (مقارنةً بخطورة الإرهاب والإرهابيين) على كافة مواقع وقوى الظلام الفكري الواقعي والتاريخي.

إنّ المثقف النقدي يقول ويؤكِّد بأن الأصل في الموضوع السياسي العربي لا يتعلق فقط بالإرهاب والتطرف الديني والغلو في الطروحات الدينية، بل يقول ويؤكد أن أصل العطالة وجذرها كامنٌ في استمرار نخب الفساد والاستبداد بالتحكم بمفاصل القرار.. وهيمنتها على البلاد والعباد، وتجيير مقدرات البلدان لخدمة الحكومات والنظم الصلبة المهيمنة في البقاء والتسلط، وانعدام المشاركة، وانتهاك الحقوق، ووووإلخ.

والمثقف النقدي يقول ويؤكد بأن الأصل في الدمار الاقتصادي يكمن في ندرة المواد، وضعف الاستثمارات، وقلة الإنتاج وهزالته، وضعف الوارد من العملة الصعبة، فضلاً عن تفشي الفساد والمحسوبية، والعلاقات الزبائنية النفعية.

والمثقف النقدي يقول بأن الصراع الرئيسي (المتسبب بكل المآسي والمعاناة والأوجاع في المنطقة العربية عموماً)، هو أنه صراع قائم – بالعنوان الأولى والعمق الاستراتيجي - بين نظم عربية مغلقة عقيمة غير منتجة، عالة على نفسها ومجتمعاتها، وشعوب مستضعفة توّاقة للإصلاح والتغيير الحقيقي، والتطلع لبناء دول الحق والقانون والمؤسسات، دول الحكم الديمقراطي المدني القائم على ثقافة المواطنة والحقوق ومبادئ المجتمع المدني، ولو جاء ذلك كمحصلة لنضال عدة عقود مقبلة.

هذا هو الوعي الفعال الذي يشخّصُ المثقف النقدي من خلاله أمراض بلداننا ومجتمعاتنا، حتى باتت بلداناً تأكل مما لا تزرع، وتستهلك مما لا تصنع، وتعتاش على ما لا تنتج، وتسير على طرق لا تفكر فيها.. كلهم – من قوى الشرق والغرب - يتدخّلون فيها، ويرسمون خططها، وكلهم يستثمرونها ويستغلونها ويستخدمونها.. ويجلسون في آخر النهار على التلة (يعدّون غلتهم منها) ويضحكون عليها!!.

ثم بعد هذا، هل يمكن أن نوجه اللوم للمثقف النقدي أنه لا يغيّر ولا يفعل أي شيء لصالح مجتمعه سوى القول والخطابة والكتابة على الجدران الإلكترونية وغير الإلكترونية؟!.. برأيي الأصح أن نقول: هل بيده مفاتيح (وسلطة) حلّ هذه المعضلة القائمة في بلداننا ومجتمعاتنا؟!!.

.. إن المثقف النقدي كما قلنا، هو بمثابة طبيب حضارات، يشخص ويعاين، ويعطي وصفة الدواء.. وهي ليست صعبة التطبيق ولا مثالية إلا في أذهان قوى الإعاقة في مجتمعاتنا العربية.. لأنها (أي تلك الأفكار والوصفات العلاجية النقدية) مطبقة في بلدان ومجتمعات كثيرة أخرى، ونجحت نجاحاً نوعياً باهراً في حياتها الحضارية بالعقل والعلم والمعرفة العقلية والعلمية، واستثمار طاقاتها وقدراتها، على طريق التكامل والتقدم العلمي والتقني والاجتماعي وغيرها، وثانياً صعوبتها ليست ناتجة عن مثاليتها أو لا واقعيتها، بل عن عدم امتلاك أصحابها (وهم للتذكرة مجرد أصحاب مشاريع فكرية عقلية نهضوية) لقوة الدفع والتطبيق، ووسائل الإمكان الواقعي، وتباين أدوات التطور، وعقلانية وسلمية أسس التحقق والإنجاز.

وصعوبة التطبيق عند "المثقف النقدي" تشابه كثيراً أو مثلها في ذلك مثل أي مبدع في أي حقل آخر من حقول الإنتاج والمعرفة البشرية (كمهنة الطبابة مثلاً)، حيث نلاحظ أن الطبيب قد يعيش في مناخات وأجواء ممارسة مهنته وعمله بطرق صعبة وموبوءة، لا تتوفر فيها الحدود الدنيا من معايير القانون والمهنية والرسالية، أي تكون ذات معايير طبية منحطة ومبتذلة وغير قانونية، فليس له (كصاحب رسالة إنسانية) سوى العمل بأخلاقياته القيمية الأصيلة ،وتربيته الصالحة وحسه الفطري الإنساني والتزامه القانوني.. حتى ولو بقي يغرد وحيداً خارج سرب تلك المعايير الشخصية وأنماط العمل السلبية السائدة البعيدة عن قوانين المهنة وأنظمتها القانونية والأخلاقية والرسالية الطبيعية المعهودة.

نعم، بالنقد يعلو شأن البلدان.. وبالمديح والإطراء والنفاق وتمسيح الجوخ والكذب على الذات وأساليب الدعاية الرخيصة، تتخلف المجتمعات، ولا يمكن أن تنهض البلدان وتتطور البشرية ويسعد الناس، بل هي وصفة سريعة لكي تتقهقر الدول وتصبح موضع شماتة الجميع... بالنقد أولاً وثانياً وثالثاً، وبالمحاسبة أولاً وثانياً وثالثاً، يمكن أن يعود الأملُ مجدداً لاستنهاض بلداننا، وبناء دول القانون والمؤسسات.. دول الخدمات والرفاه الاجتماعي.. دول العدالة والحقوق والتنمية.. خصوصاً وأنّ الموارد موجودة والثروات متوافرة بكثرة في تلك البلدان التي تهيمن عليها قوى التخلف والقمع والإقصاء التاريخي والمعاصر.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد