مجلة البلاد الإلكترونية

تجمُّع العلماء المسلمين: الأوضاع الصعبة التي يمر بها الوطن لا تسمح للفرقاء السياسيين بتسجيل النقاط على بعضهم البعض

العدد رقم 267 التاريخ: 2021-01-15

أمريكا تغرق في الفوضى.. ترامب يكشف عيوب ديمقراطيتها

ابتسام الشامي

أمريكا تغرق في الفوضى.. ترامب يكشف عيوب ديمقراطيتها

ليس معلوماً كم من الجهد والوقت كان سيحتاجه أعداء أمريكا لإظهار خوائها وتفسُّخها الداخلي، لكن ترامب في آخر أيامه في البيت الابيض، سلّف أعداء بلاده الصورة الحقيقة عنها بعدما عملت الدعاية الأمريكية على تغليفها بقناع الديمقراطية وحرية الإنسان والتطور العلمي والتكنولوجي وغيرها من الشعارات التي غزت بها دول العالم، وارتكبت بحق شعوبها أبشع المجازر.

في لحظة انتقالية بين إدارتين، تمرّد الرئيس على الديمقراطية التي اختارت منافسه، ووجّه أنصاره لاحتلال أحد رموزها، ليصحو العالم على مشهد قادم من واشنطن لا يختلف عن مشاهد مماثلة في دول "العالم الثالث" التي قطع الجيش الأمريكي آلاف الاميال "لدمقرطتها".

ترامب يكشف زيف الديمقراطية

لم يتقبّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتى الآن خسارته المعركة الانتخابية في وجه منافسه الديمقراطي جو بايدن، وهو منذ إعلان النتائج الرسمية للانتخابات قال صراحة إنه لن يسلم السلطة، مدّعياً وجود تزوير في النتائج سرقت معها أصوات ناخبيه، فطالب بإعادة فرز الأصوات في عدد من الولايات، وعندما باءت جهوده بالفشل ضمن الأطر الدستورية، استقوى بجمهوره وبالفوضى التي شجعهم عليها، لإعادته إلى البيت الابيض لولاية ثانية.

وعلى مقربة من جلسة المصادقة على انتخاب بايدن دعا الرئيس الأمريكي الغاضب أنصاره للاحتشاد أمام مبنى الكونغرس، لتدور في أعقاب ذلك معارك كرٍّ وفرٍّ بينهم وبين الشرطة المولجة بحماية أمن المقر ومن فيه وما يمثل. وخلال ساعات قليلة من بدء الاحتشاد دخل أنصار ترامب المبنى، في الوقت الذي اختبأ فيه النواب والمسؤولون الأمريكيون أو فروا إلى خارجه.

أمريكا في لحظة عار

المشاهد التي تناقلها الإعلام العالمي عن اقتحام الكونغرس وما رافقه من مواجهات أدت إلى مقتل أربعة أمريكيين، أحدث صدمة لدى الرأي العام الأمريكي والعالمي على حد سواء. فقد كشفت أحداث واشنطن خواء الديمقراطية الأمريكية، خصوصاً أن من أصابها في مقتل، لم يكن سوى رأس الهرم المفترض به أن يكون "مؤتمناً" على حمايتها. ولعل أكثر من أدرك خطورة هذا المشهد على مستقبل أمريكا وصورتها في العالم، كان الرؤساء السابقون الذين شنوا هجوماً حاداً على الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، وحمّلوه مسؤولية الفوضى التي شهدها مبنى الكو

نغرس. وفي هذا السياق قال الرئيس الأسبق باراك أوباما، إن "التاريخ سوف يذكر بحق مشاهد العنف في مبنى الكابيتول، الذي حرّض عليه الرئيس الحالي، كلحظة من العار لأمتنا. لكننا سنخدع أنفسنا إذا تعاملنا معها على أنها مفاجأة كاملة".

بدوره، قال جورج بوش وهو آخر رئيس جمهوري سابق على قيد الحياة: "هذه هي الطريقة التي يجري فيها الخلاف على نتائج الانتخابات في جمهورية "موز" وليس في جمهوريتنا الديمقراطية.. لقد فزعت من السلوك المتهور لبعض القادة السياسيين منذ الانتخابات وقلّة الاحترام الذي يظهر اليوم لمؤسساتنا وتقاليدنا وإنفاذ القانون لدينا". وأضاف بوش، أن "الاعتداء العنيف على مبنى الكابيتول - وتعطيل قانون ينص عليه الدستور اجتماع الكونجرس - قام به أشخاص أذكت عواطفهم الأكاذيب والآمال الكاذبة".

أما بيل كلينتون الرئيس الديمقراطي الأسبق، فقد وصف المشهد بأنه "هجوم غير مسبوق على الكابيتول، ودستورنا، وبلدنا.. لقد جرى تأجيج الهجوم من خلال أكثر من أربع سنوات من السياسات السامة التي تنشر معلومات مضللة متعمدة، وزرع عدم الثقة في نظامنا، وتأليب الأمريكيين ضد بعضهم البعض".

وفي سياق متصل، أبدى الرئيس الأسبق جيمي كارتر، قلقه من أحداث الشغب، وقال" هذه مأساة وطنية وليس ما نحن عليه كأمة.. بعد أن راقبت الانتخابات في الديمقراطيات المضطربة في جميع أنحاء العالم، أعلم أنه يمكننا نحن الشعب أن نتحد للانسحاب من هذه الهاوية لدعم قوانين أمتنا سلمياً، ويجب علينا ذلك".

ترامب مسؤول عن الفوضى

الصحف الأمريكية عبّرت هي الأخرى عن اشمئزازها من مظاهر تضعضع أسس الديمقراطية وبنيانها. وفي هذا الإطار، يقول ريتش لوري، في مجلة بوليتيكو الأمريكية: "كان المقطع النهائي لدونالد ترامب، مثيراً للاشمئزاز" معتبراً أن ما جرى هو الهجوم المحلي الأشد ضد ديمقراطيتنا.. وهذا يعني أننا فشلنا في عام 2021 بنقل السلطة بشكل سلمي".

بدورها شددت صحيفة "واشنطن بوست" على ضرورة الإطاحة بترامب، واتّهمته بالوقوف وراء الهجوم على مقر الكونغرس. واعتبرت الصحيفة أن رفض ترامب القبول بنتائج الانتخابات وتحريضه المستمر لأنصاره قاد إلى شيء لم يكن أحد يتخيله: "هجوم غوغاء متطرفين على الكابيتول"، أضافت الصحيفة أن المسؤولية عن هذا الفعل من التمرد يتحملها الرئيس الذي أظهر أن فترته في الحكم شكلت تهديداً خطيراً على الديمقراطية الأمريكية.

مشاهد الفوضى في الولايات المتحدة، شكّلت مادة دسمة للصحافة العالمية أيضاً، التي استوقفها اهتزاز صورة الولايات المتحدة، وتحت عنوان "يوم العار للديمقراطية الأمريكية"، كتبت صحيفة "دي فيلت" الألمانية في افتتاحيتها، أن "الولايات المتحدة شهدت أول محاولة انقلاب عنيف" وأن "الرئيس وأكاذيبه وحزباً جمهورياً ضعيفاً، مسؤولون سياسياً" عما جرى. أما صحيفة "ذي غارديان"، فتحدثت عما جرى بوصفه "التحدي الأكثر دراماتيكية للنظام الديمقراطي الأمريكي منذ الحرب الأهلية".

وعنونت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية صفحتها الأولى: "ترامب: استراتيجية الفوضى"، ورأت الصحيفة أن "اعتداء دونالد ترامب على الديمقراطية الأمريكية أصبح ملموساً ورمزياً عندما تمكن أنصاره مدفوعين بغضب شديد جراء خطابه، من اقتحام مبنى الكابيتول.

خاتمة

مشهد اقتحام الكونغرس بموقعيته في بنية النظام السياسي الأمريكي، خلقت ندوباً في جسد الديمقراطية المدّعاة، والسؤال المطروح اليوم هل ستتمكن الولايات المتحدة من معالجة هذه الندوب، أم أنها دخلت مرحلة للنزف الدائم.

ابتسام الشامي

 

إخترنا لكم من العدد