مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

سنة اللقاح؟.. التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها الأمن القومي الإسرائيلي

سنة اللقاح؟..

التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها الأمن القومي الإسرائيلي

التقدير الاستراتيجي لإسرائيل لعام 2021 هو خلاصة عام 2020، الذي كان عاماً معقداً واستثنائياً، طغى عليه بشكل أساسي تأثير أزمة الكورونا وأواخر فترة ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

عاملان أضعفا عوامل القوة المعادية لإسرائيل، ودفعتها للانشغال بالشؤون الداخلية مقلّصة خطر مواجهة واسعة في الشرق الأوسط. من جملة أمور بسبب التخوّف من ردود محتملة للرئيس ترامب في سنة الانتخابات الرئاسية، على خلفية انتهاء ولايته. في ذلك الحين تنعّمت إسرائيل بهدوء نسبي عند حدودها؛ عملت بشكل مركّز في عدة ساحات بشكل لم يتدحرج إلى تصعيد واستغلت الخصائص الفريدة لهذه الفترة لحث التطبيع مع العديد من دول الشرق الأوسط، ما يشير إلى انكماش محورية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في جدول الأعمال الإقليمي والدولي.

بعض هذه التطورات التي عُرف لها تأثير إيجابي وواضح على الأمن القومي لإسرائيلي ستستمر في عام 2021. مع ذلك تعاني إسرائيل من أزمة متعددة الأبعاد تهدّد استقرارها السياسي والاقتصادي، التكافل الاجتماعي داخلها، القيم الديمقراطية - الليبرالية وأسلوب حياة المواطنين. هذه الأزمة لم تبدأ مع جائحة كورونا، لكنها عمّقت نقاط ضعف الاقتصاد، المجتمع والحكومة وخلقت نقاط ضعف جديدة. على الرغم من الخلاف عن مدى قوة الأزمة، من الجلي أن لها تداعيات على الأمن القومي، وهي تشحذ الحاجة لتبنّي إطار أوسع لمناقشة مواضيع الأمن القومي. لا يتعلق الأمر فقط بالعلاقة المهمة بين الوضع الداخلي ومنعة إسرائيل في مواجهة تهديدات أمنية خارجية، بل أيضاً بضعف أساسي أكثر لأجهزة الدولة والمؤسسات الحيوية للأداء الجاري. فضلاً عن ذلك، التخوف من مواجهة عسكرية واسعة تُضاءَلَ في الواقع، لكنَّ احتمالَ تصعيدٍ غيرِ مرجوٍّ ما زال سارياَ عقب ديناميكية عملية وردّ.

الأشهر الأولى من عام 2021 ستطرح تساؤلات عن المسعى المعقّد لتلقيح السكان في العالم وفي إسرائيل من كورونا، على أمل القضاء على هذا الفيروس، استمرار الأزمة السياسية في إسرائيل وجولة الانتخابات الرابعة في السنوات الأخيرة (في آذار 2021)، تبلور إدارة جديدة في أمريكا برئاسة جو بادين وتشكيل سياستها في المواضيع الداخلية والخارجية، وإمكانية رد إيراني على اغتيال رئيس البرنامج النووي فخري زاده وعمليات أخرى جرت على أراضيها. تقدير التطورات في السنة المقبلة تم بظروف مبهمة ملحوظة. مع ذلك يقوم التقدير على الفرضية الأساس بأنّ السنة المقبلة ستدار - في العالم، في الشرق الأوسط وفي إسرائيل أيضاً - "في ظلّ الكورونا". القضاء على الجائحة لن يتحقق مرة واحدة بل سيكون تدريجياً، قد تكون مصحوبة بطفرات متكررة وبتغييرات تطرأ على الفيروس.

النظام الدولي: التعافي من أزمة الكورونا في ظلّ تنافس الدول العظمى

بدأت أزمة الكورونا مع انتهاء العقد الذي تميز بصراع استراتيجي محتدم بين الدول العظمى، بالعولمة التي بدّدت الحدود الجغرافية وثورة المعلومات التي غيّرت النظام العالمي. كشفت الجائحة عن مسارات موجودة، خلقت أخباراً وألزمت مجمل اللاعبين للاستعداد لهذه الأزمة ما أثر على عجلة الحياة في العالم. استمر النظام الدولي في أول سنة كورونا بكونه قطبياً ومقسّماً، بينما ركّز اللاعبون المحوريون على شؤونهم الداخلية وعلى إدارة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية - كلُّ واحدٍ بأسلوبه. طغى التمايز على الأزمة الاقتصادية - فقد أثّرت على الغرب أكثر من الشرق، وهكذا ظهرت الاختلافات بين القطاعات: قطاعات السياحة، الطيران والطاقة سجّلت انخفاضاً حاداً، تحوّلت فروع التكنولوجيا إلى ملاذ المستثمرين واستمرت مؤشراتها بالصعود.

سنة 2021 ستطرح تساؤلات عن بداية التعافي من أزمة الكورونا بمختلف تجلياتها وظواهرها، لكن العالم سيواصل العمل في ظل الجائحة، بينما ستشكّل المنافسة بين الدول العظمى عاملاً محورياً في تشكيل الصورة: في الولايات المتحدة الأمريكية ستتبلور سياسة إدارة بايدن في الشؤون الداخلية قبل كلّ شيء ("لمداواة أمريكا")، لكن كذلك في مسألة القيادة الأمريكية للمعسكر الديمقراطي الليبرالي في العالم، الذي خسر في السنوات الأخيرة زعامة أمريكا التقليدية، وأمام الشرق الأوسط كذلك الأمر. تتقدّم الصين على باقي اللاعبين في التعافي من الأزمة، تواصل نموها السريع وستستغل تفوقها في الظروف الحالية لتعزيز تأثيرها. روسيا ستواصل مواجهتها للصعوبات الداخلية وسحق مكانتها الدولية، في سياق استغلال قدراتها في المجال السيبراني، الاستخباراتي وحرب الوعي، وربما ستتقرّب من الصين. أوروبا، التي تعاني من جانبها من أزمة سياسية وأيديولوجية، ستحاول تجديد حلف الأطلسي، ومن المنطقي أن نفترض أنّ الشرق الأوسط لن يتبوأ جدول الأعمال العالمي، باستثناء الملف الإيراني والنووي، أو في حال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة في المنطقة.

مسار انتقال مركز الثقل العالمي إلى الشرق الأوسط سيستمر وربما سيحظى بالزخم. الدول القومية ستتعزز في أعقاب الفاعلية النسبية التي تظهرها غالبيتها إزاء الجائحة، لكنها ستواجه تحديات داخلية وخارجية. العالم لن يتغير كلياً، لكن على الأغلب لن يتمتع بحرية كاملة في عام 2021 - من المنطقي أن نفترض استمرار أقلّه بعض إجراءات الطوارئ ونشاط أجهزة الرقابة المتشدّدة وبأنّ العالم سيكون أقل ازدهاراً - مع الكثير من العاطلين عن العمل والفقراء وأقل عالمية - رحلات أقل، وعمل عن بُعد أكثر، تجوُّل أقل في المدن، وستحرص الدول على حفظ احتياطها الاستراتيجي وتوسيعه في سياق الحفاظ على استقلالية الصناعات الحيوية.

عموماً أظهر العالم تكيّفاً حثيثاً مع الاقتصاد الجديد - الرقمي - الذي يعتمد على التكنولوجيا، مع تمكين الاستمرار الوظيفي للدول. كانت التكنولوجيا محوراً أساسياً في دارسة الجائحة، في تطوير اللقاحات والقدرات لمواصلة تأمين الخدمات – على الرغم من التباعد الاجتماعي. تحوّلت كبرى الشركات التكنولوجية في السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري في الأمن القومي، أثارت عداء الدول وخلقت فعلياً عالمها الخاص في المجال الرقمي. تطوّر حقّق هذه السنة قفزة جديدة وشكّل هدفاً لخطوات مضادة في أماكن مختلفة في العالم، غايتها تحجيم قوة هذه الشركات. هذا وسجّل ارتفاع في مدى وحجم الهجمات السيبرانية، سواء من الناحية الاستراتيجية لجمع معلومات والتشويش على منظومات وسواء من النواحي الاقتصادية. مستوى الاحتكاك السيبراني بين الدول تضاعف، وهكذا ازدادت منظمات الجريمة الرقمية جرأة، وأحياناً بدعم وبتوجيه من الدول. وفقاً لذلك، لوحظ ردٌّ عدائي أكثر من قبل الجهات التي تتعرض للهجوم.

تعيين جون كيري ممثلاً خاصاً عن الرئيس في موضوع المناخ يشمل ترقية المنصب إلى عضو في مجلس الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية. تحوُّلٌ يؤكد على الأهمية المنسوبة لإدارة بايدن لمكافحة تغير المناخ فضلاً عن مفهوم الإدارة الجديدة التي تعتبر مسألة المناخ مسألة مهمة للأمن القومي.

السنة المقبلة ينبغي على إسرائيل أن توائم سياستها مع المنافسة الدائرة بين الدول العظمى في عصر الكورونا. عليها التكيّف بسرعة مع الإدارة الجديدة في أمريكا وتبنّي مسار غير معاكس، مع الأخذ بالحسبان حساسية أمريكا ومصالحها. في هذا الإطار من الصواب فتح حوار مع إدارة بايدن لإيجاد مصالح مشتركة وتقليص المخاطر (لاسيما بخصوص إيران والصين وفلسطين). ستبقى الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الأساس لإسرائيل، لكن مكانة الصين الحالية في النظام الدولي تلزم إسرائيل مواصلة تطوير العلاقات معها. كما ينبغي الحفاظ على قنوات التواصل والتنسيق الاستراتيجي مع روسيا (حتى في أعقاب دورها في سوريا)، محاولة تحسين العلاقات مجدداً مع أوروبا، على الرغم من أنّ بعض مواقفها في الشأن الفلسطيني تتعارض مع مصالح ومواقف إسرائيل. وفيما يخص يهود العالم، ينبغي أن تعمل إسرائيل على تعزيز العلاقات مع هذه المجتمعات عقب الأزمة العميقة التي تعاني منها، تعزيز دعمها لها وإفساح المجال لها في الحوار حول إسرائيل وصورتها.

النظام الإسرائيلي: أزمة مستمرة قد تشكل تحدياً لأسس الأمن القومي

في أعقاب جائحة كورونا، تعاني إسرائيل من أزمة متعددة الأبعاد - صحية، اقتصادية، اجتماعية وحكومية - مستمرة منذ ما يقارب السنة وتتداخل مع الأزمة السياسة القائمة. هذه الأزمة المعقّدة قد تقوّض أسس الأمن القومي بمفهومه الواسع، لأنها تقود إلى إضعاف أجهزة الدولة ومؤسّساتها، الأمر الذي يتجسّد بصعوبة الأداء، شلّ إجراءات اتخاذ القرارات، خسارة ثقة الشعب بالحكومة (التي انخفضت بشكل دراماتيكي في السنة الأخيرة) وبمؤسسات أخرى وبتقويض التكافل الاجتماعي. ينعكس هذا الوضع على الاستقرار وعلى القيم المشتركة التي ميزت المجتمع الإسرائيلي، وأسلوب حياة الناس.

اقتصاد إسرائيل تضرّر بشكل أساسي من الجائحة ومن طريقة إدارة الأزمة، ومن تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي أيضاً. الأمر الذي برز بشكل أساسي وسط الطبقة المتوسطة - الدنيا، المستقلون أصحاب الأعمال الصغيرة والفقراء، الذين يعتاشون من مداخيل أعمالهم.

ضعف أجهزة الدولة (قسم منها هو نتاج مسعى ممنهج موجّه، وقسم منها هو نتاج إجراءات أخرى) تجسّد بصعوبة اتخاذ القرارات والتعويل على آليات اتخاذ القرارات النظامية. فضلاً عن اشتداد صعوبة - في عصر ما بعد الحقيقة والأخبار الكاذبة - توضيح الواقع، فهمه واتخاذ القرارات، لوحظ في إسرائيل مستوى ثقة منخفض بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزراء آخرين، إقصاء ممنهج وعدم تشارك المعلومات في اتخاذ القرارات وتحمُّل المسؤوليات. هذا بموازاة استهداف مكانة الحامين عن المؤسسات وخبراء المحتوى. الأزمة السياسية شلّت عمل الحكومة. من أوضح تجلياتها هو غياب ميزانية للدولة وخطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي، وتعدُّد القائمين بالأعمال الذين يتولون مهاماً مركزية لفترات طويلة.

الحاجة لكبح الجائحة دفعت أيضاً إلى تعليقٍ غير مسبوق لحقوق وحريات أساسية في إطار حالة الطوارئ، بعضها دون رقابة برلمانية. ينبغي أن نشير إلى أنّه وسط باحثي معهد بحوث الأمن القومي ظهر خلاف فيما يخص حجم الأزمة الداخلية (من وجهة نظر تاريخية ومقارنة مع الأزمة العالمية) وحجم تداعياتها على الأمن القومي. يقرّ بعض الباحثين بالأزمة حقيقة لكنهم يدّعون أن المجتمع الإسرائيلي وأجهزة الدولة قادرون على مواجهتها، كما واجهوا أزمات مماثلة في الماضي. وحسب هذا التوجه، تمتلك دولة إسرائيل قدرات مثبتة للتعافي من الأزمات، والشعور بالأزمة يطغى على جانب واحد من الخارطة السياسية الحالية في إسرائيل، وفي الواقع الأزمة في إسرائيل لا تختلف عن أزمات مشابهة عانت منها ديمقراطيات غربية ليبرالية أخرى.

في إسرائيل من المحتمل إجراء جولة انتخابية رابعة في السنتين الأخيرتين (في آذار 2021)، لكن من غير المؤكد أن نتائج الانتخابات ستفضي إلى انهاء الأزمة السياسية المستمرة.

في جميع الأحوال، التداعيات الصعبة للـ "كورونا" ستنسحب إلى العام 2021، حتى بعد البدء بتوزيع اللقاح. وفي حال اختفى الفيروس تدريجياً خلال العام 2021، التداعيات الاجتماعية الاقتصادية العميقة سترافق إسرائيل حتى العام 2022 وحتى في السنوات اللاحقة. مسعى ناجح للتعافي من الأزمة وحثّ النمو مجدداً سيحتِّم على إسرائيل القيام بتغيير بنيوي عميق. وعليه المطلوب استقرار في المؤسسة السياسية، ما يسمح ببلورة اتفاق قومي واسع. للشروع بعملية الخروج من الأزمة ينبغي إعطاء الأفضلية لإدارة مهنية وواسعة الانتشار للأزمة بكافة المعايير (صحية، اقتصادية، اجتماعية). ينبغي نقل ميزانية جديدة وخطة اقتصادية تعطي الأفضلية للاستثمار في الفروع المدنية والمجموعات المهمشة، وإعداد مسبق ومركز لدمج النمو الذي يلي الجائحة. على المدى المتوسط، سيتحتم على الحكومة التي ستأتي بها النتائج الانتخابية القيام بمسعى قومي للتعافي اقتصادياً واجتماعياً، في سياق التقريب بين القطاعات وتقليص الفجوات. فضلاً عن ذلك، أثبتت أزمة الكورونا أنه يجب تأسيس في إسرائيل آلية وأسلوب عمل لمواجهة أزمات غير أمنية.

الساحة الإقليمية: عقد على الهزة الإقليمية، دائرة التطبيع تتسع

أزمة الكورونا هي مثال "ارتدادات" الهزة الإقليمية التي لا تنتهي والتي تقوّض المنطقة في العقد الأخير. اتّسم الشرق الأوسط بعدم الاستقرار حتى قبل أزمة الكورونا، وبعدم اليقين والاحتدام. يُجمِع الباحثون والمراقبون على أنّ المنطقة تعاني من أزمةٍ عميقةٍ لها دلالات تاريخيةٍ وصراع محتدم على صورته. هذا الصراع ما يزال دائراً في قطاعين وعلى امتداد خطوط الانكسار: حول التسمية الإقليمية، بين مختلف المعسكرات المعادية التي تتصارع على الأفكار، القوة، النفوذ والبقاء. وداخل المدن، بين الحكام والشعوب، جولة مشاكل اقتصادية واجتماعية، وقضايا الهوية التي لم تحلّ وحتى تعاظمت في العقد الأخير. أزمة الكورونا تعمّق بشكل أساسي المشاكل الاقتصادية الأساسية - البطالة (مع التشديد على بطالة الشباب)، عدم المساواة، إنتاج منخفض، فساد والاعتماد على النفط والمساعدة الخارجية، أضف إلى ذلك البعد الخطير لانعدام الأفق.

في العام 2020، على خلفية جائحة الكورونا وآخر سنة رئاسية لترامب، حدثت بعض التغييرات والتحوّلات: بلورة سلسلة اتفاقيات تطبيع بين إسرائيل ودول المحور السنّي البراغماتي، انخفاض الأمن الذاتي الذي تمتع به المحور الإيراني الشيعي خلال السنوات الأخيرة، دول ما زالت متحدة لكنها غارقة في مشاكلها الداخلية، ارتفاع عداء المحور الذي تقوده تركيا، الأمر الذي تجسّد بالتدخل في الصراع في ليبيا وأحداث حوض البحر الأبيض المتوسط، مساعي التعافي أيضاً وتنظيم معسكر الفصائل الجهادية.

تفشّي فيروس الكورونا ألزم جميع الأنظمة بالاستعداد لها، وحتى الساعة يبدو أنّ الجميع ينجحون في مواجهته دون تداعي أنظمتها السياسية. كلّ نظام من الأنظمة واجه الواقع الاقتصادي بطريقته، لكن الحلول جاءت جميعها قصيرة الأمد ومن المرتقب أن تواجه هذه الأنظمة صعوبة في مواجهة التداعيات الأكثر عمقاً (على سبيل المثال نسب البطالة، التي كانت مرتفعة في بعض الدول عشية الأزمة). تميزت سنة 2019 بالاحتجاجات الشعبية الواسعة التي اندلعت في السودان والجزائر (التي سقط فيها الحكام) ومصر أيضاً، العراق، لبنان وحتى إيران. احتجاجات توقفت مع بداية أزمة الكورونا، ومن المنطقي أن نفترض أنها ستتجدّد مع انتهاء الأزمة (كما يحدث في لبنان والعراق على سبيل المثال) وستشكّل تحدياً لاستقرار الأنظمة. في حال نجت الدول من أزمة كورونا في السنة المقبلة، من المرجح أنّ موجة متجدّدة من الاحتجاجات ستقوّض استقرارها.

في السنوات الأخيرة أرست إسرائيل مكانتها الإقليمية كحليف قوي للدول السنية البرغماتية. على خلفية انشغال دول المنطقة بالمشاكل الداخلية واعتباراتها الاستراتيجية، اتضح في عام 2020 أن عنق الزجاجة في العملية السياسية الإسرائيلية - الفلسطينية لم يعد عائقاً في وجه التطبيع بينها وبين إسرائيل. الاتفاقات التي وقّعت في عام 2020 بين إسرائيل والإمارات، البحرين، السودان، وإعلان المغرب نيته عن فتح علاقات مع إسرائيل، نابعة بشكل أساسي من رغبة هذه الدول بحثّ أهداف سياسية وأمنية بمساعدة وغطاء إدارة ترامب، قبل انتهاء ولايته. قبول إسرائيل في المنطقة عن طريق المعسكر السنّي البراغماتي، وفي الإطار عينه تعزيز (محتمل) للجبهة مع إيران، هو عملية إيجابية تساعد الأمن القومي لإسرائيل. مع ذلك، على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان المساهمة الفعلية المحدودة للشراكة ضد إيران، لاسيما في المجال العسكري. لذلك ينبغي الأخذ بالحسبان أن هذا المسار سيخلق تحديات لإسرائيل، على سبيل المثال في حال طلب حلفائها الجدد دعمها وتدخلها في الصراعات المتورطة فيها.

بخصوص الساحة الإقليمية، حري أن تعمل إسرائيل على توسيع دائرة التطبيع مع المزيد من الدول، في سياق تقليص المخاطر لتفوقها النوعي ودون الانجرار لمواجهات غير مهتمة بها كثيرا. في هذا الإطار من الحري أن تشارك مصر، الأردن (في سياق ترميم العلاقات معها) والسلطة الفلسطينية في التعاون الشرق أوسطي. قد تكون الفترة المقبلة ملائمة أيضا لمحاولة تعزيز العلاقات مع تركيا، على الرغم من أن احتمال نجاحها غير مرتفع.

إيران: في فترة أزمة، لكنها لا تزال التهديد الرئيسي على أمن إسرائيل

تواصل إيران تشكيل التهديد الأخطر على أمن إسرائيل، سواء في تقديم برنامجها النووي أو في نشاطها الإقليمي. هذا على الرغم من أنها تعاني من أزمة تعتبر من الأزمات الأخطر التي عرفها النظام الحالي، الناتجة عن دمج بين نطاق واسع لفايروس الكورونا؛ الوضع الاقتصادي الصعب بسبب العقوبات الأميركية التي واصلت إدارة ترامب فرضها طوال العام؛ انخفاض أسعار النفط؛ فشل محاولات الحصول على مساعدة من المؤسسات الدولي.  الضربات التي تلقاها النظام الإيراني هذا العام، تتضمن تخريب في منشأة أجهزة الطرد المركزي المتطورة في نطانز واغتيال قاسم سليماني في مطلع العام ومحسن فخري زادة في نهايته - قائدا الاستراتيجيا الإقليمية والنووي الإيرانية، على التوالي. أضف إلى ذلك، اتفاقيات التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل، التي تمثل بنظر طهران محورًا جديدًا يهدد الشرق الأوسط.

هذه التطورات أدّت إلى استقواء الجهات المحافظة في المؤسسة السياسية وعلى رأسها الحرس الثوري، حيث تواصل تعميق تدخلها في إدارة شؤون الدولة والاقتصاد مع استغلال ضعف الحكومة. من المحتمل أن هذا الاستقواء وجهود المرشد الأعلى علي خامنئي (البالغ من العمر 81 عاماً) لضمان سيطرة المحافظين قبيل نزوله عن المسرح السياسي، ستتجسد في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، التي ستجري في حزيران 2021.

على الرغم من وضعها الصعب، تواصل إيران محاولة تقديم مصالحها الإقليمية، مع بناء بنى تحتية عسكرية، سياسية، اقتصادية واجتماعية، تضمن تأثيرها على المدى الطويل. بعض هذه البنى التحتية تُوجّه مباشرةً ضد إسرائيل. مع هذا، تأخذ بالتزايد الصعوبات التي تواجهها إيران بالتزامن وبالتنسيق بين ساحات نفوذها - العراق، سوريا ولبنان -  التي تواجه هي أيضاً أزمات داخلية.

بالموازاة، إيران تواصل تقديم برنامجها النووي مع تجاوز الاتفاق من العام 2015 ونقض شروطه. بحسب التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية من أيلول 2020، راكمت إيران أكثر من 2.5 طن من اليورانيوم بنسبة تخصيب 4.5% وتهدد، عبر القانون الذي تبناه البرلمان، أنها تنوي تخصيب نسبة أعلى تصل إلى 20% (كنسبة التخصيب قبل توقيع الاتفاق النووي)؛ إنّها تفعّل نحو ألف جهاز طرد مركزي في منشأة في فوردو ونقلت منشأة أجهزة الطرد المركزي التي استُهدفت في نطانز إلى موقع تحت الأرض، بغية استئناف التقدم في هذا المجال وتحقيقه بشكل آمن. الدلالة الرئيسية لمجموع هذه الخطوات هي تقليص وقت الوصول إلى قدرة نووية عسكرية، إذا ما قررت إيران ذلك، وتعزيز هذه القدرة إزاء هجمة خارجية.

انعكاسات استهداف محسن فخري زادة على برنامج إيران النووي توضّحت. في مجال النووي، تناور إيران لسنوات طويلة بين المسموح والممنوع، بين المُخبّأ والمُحدّد وبين الممكن والمستحيل. كان فخري زاده من المفترض أن يحافظ على برنامج السلاح بعد تجميده في العام 2003 - التأكيد أن المعرفة لم تتلاشَ والقدرة لا تزال فعّالة. كقائد تنظيم سري كانت معرفته استثنائية ومن المحتمل أنه هو الشخص الذي كان من المفترض أن يقود الجهد المشترك في حالة "انطلاق" أو "زحف" إيراني لإنتاج سلاح نووي. بناءً عليه، يبدو أن الاغتيال يشكّل ضربة قاسية لإيران ولبرنامجها النووي. من جهة أخرى، لم يُكلّل عمله العام على مدى سنوات بالنجاح. لذلك، هناك خشية من أن يأتي خلَفَ مناسب له، ينجح في مواجهة القوات التي تعمل ضد البرنامج الايراني بشكل أفضل منه.

انتخاب بايدن هو بلا شك تطور إيجابي بنظر إيران، خصوصاً بسبب مغادرة ترامب البيت الأبيض وميل بايدن إلى العودة إلى الاتفاق النووي. في المؤسسة السياسية الإيرانية يدور جدل في موضوع العودة إلى الاتفاق من العام 2015 والمقابل الذي ستطالب به إيران لاستئنافه. يبدو أن هذه الشروط تتضمن من جهة إيران: إزالة تامة للعقوبات التي فرضت من قبل إدارة ترامب؛ تبني كل تفاصيل الاتفاق، دون تغييرات؛ وطلب تعويض عن الأضرار التي تكبّدتها في السنوات الأخيرة. سواء في الولايات المتحدة أو في إيران، يتخبّطون في مسألة توقيت استئناف المفاوضات وهل من المناسب استئنافها قبل الانتخابات في إيران، في حزيران 2021.

عدم القدرة على مواجهة هجمات إسرائيلية على أهداف إيرانية في سوريا، جعل إيران تتوجه إلى ساحة السايبر- محاولات للهجوم على شبكة المياه في إسرائيل وعلى نظام المصارف ومنظمات مدنية إسرائيلية أخرى -. هذه الهجمات تحدد القطاع المدني في إسرائيل كنقطة ضعف تفتقر إلى معالجة.

على إسرائيل أن تواصل رؤية استكمال البرنامج النووي العسكري الإيراني التهديد الخارجي الأساسي على أمنها، وفي النشاط الإيراني الإقليمي- تحدي يستوجب مواجهةً ورداً مستمراً. في هذا الإطار، على إسرائيل أن تبلور سياسة للتحادث المتوقع بين إدارة ترامب والمجتمع الدولي وبين إيران وتحديد المصالح الضرورية لإسرائيل فيما يتعلق بتجديد الاتفاق أو اتفاق جديد. من المهم أن إسرائيل ستدير الحوار بشكل سري وستمتنع عن مواجهة علنية مع الإدارة، التي لا تخدم أمنها القومي. في الوقت نفسه، صحيح أن إسرائيل تحتفظ بخيار هجومي يمكن الاعتماد عليه إزاء إيران وتستعد لمواصلة المعركة بين الحروب ضدها، بما في ذلك حيال تهديدات متزايدة من اليمن وفي قطاع البحر الأحمر.

السّاحة الشّمالية: المطلوب العمل الاستباقي لإضعاف المحور الإيراني الشّيعي

على خلفية أزمة الكورونا، لا تزال التحديات التي تواجهها إسرائيل في الساحة الشمالية. على رأسها نشاط المحور الراديكالي الشيعي، وخصوصاً تمركز إيران عبر حلفائها في سوريا وإقامة نقاط عسكرية لحزب الله في هضبة الجولان، كجزء من "ماكينة الحرب" الإيرانية. هذا التّمركز بطيء نسبة إلى الرؤية والتخطيط الإيراني إثر مجموعة من العوامل، من بينها مقتل قائد قوة القدس، سليماني؛ نشاط المعركة بين الحروب الإسرائيلية؛ سياسة "الضغط الأقصى" الأمريكية؛ ومواجهة أزمة الكورونا في إيران. على هذه الخلفية، قُلّص عديد القوات الإيرانية في سوريا وتواصل إيران إنشاء نقاطها بالاعتماد على حزب الله، على وحدات الجيش السوري، على تجنيد جهات سورية محلية في الميليشيات.

ترميم سوريا لا يزال بعيداً، ويُقدّر بأنه من المطلوب عدة مئات مليارات الدولارات وسنوات طويلة لترميم دمارها. لكن ليس هناك من سيتحمّل هذا العبء. سيطرة الجهات الأجنبية على الأراضي السورية تتزايد، بالإضافة إلى روسيا وإيران اللتين تطمحان كل واحدة لأسبابها إلى دعم الرئيس الأسد، تركيا تستعد للبقاء الدائم في شمال سوريا وتعمل بهدف تحويل المناطق التي تحت سيطرتها إلى مناطق تحت الوصاية العسكرية، الاقتصادية، الاجتماعي والتربوية. تمتلك الولايات المتحدة نقاط عسكرية صغيرة في شمال شرق سوريا وجنوبها، لكن ليس من الواضح حتى متى سيستمر ذلك.

لبنان موجود في ذروة الأزمة الاقتصادية، السياسية، الحكومية والصحية - وهي من أخطر الأزمات التي عرفتها الدولة ودون حل في الأفق -. الأزمة تنعكس أيضاً على حزب الله، لكن حتى الساعة يبدو أن المنظمة تتمسك بموقفها. في أعقاب ذلك، يمنع كما يبدو المساعدة الدولية للبنان المشروطة بالإصلاحات. في الوقت نفسه، يواصل حزب الله التعاظم العسكري، بمساعدة إيران، بمشروع دقة الصواريخ ("مشروع الدقة") وبقدرات لتنفيذ عملية برية في الأراضي الإسرائيلية. منذ الصيف، يهدد حزب الله بالانتقام على موت ناشط له في سوريا في هجمة للجيش الإسرائيلي، لكنه لم يسارع إلى تحقيق التهديد. بالموازاة بدأ مفاوضات على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، لكنه وصل إلى طريق مسدود عشية تبديل الإدارة في الولايات المتحدة الأمريكية.

إسرائيل تعمل في سوريا - في إطار المعركة بين الحروب - ضد تمركز إيران وحزب الله، تسحقه وتبطئه، لكن يبدو أنها لن تنجح في إحباطه بالمطلق. بالمقابل، توالي الضربات التي تلقّتها إيران يقلّص قدرتها على ضبط النفس وقد يؤدي إلى رد ضد إسرائيل، بواسطة ولائها في الساحة الشمالية. في هذه الظروف، إلى جانب الاستعداد لردٍّ إيراني محتمل، صحيح أن إسرائيل ستواصل إظهار التصميم على العمل ضدَّ تعاظم المحور الإيراني الشيعي، التمركز الإيراني ومشروع الدقة، مع ملاءمة الأساليب، الساحات ومستوى العمل مع ظروف الساحة المتغيرة. بصورة خاصة، يجب اختبار وتحديد التوقيت الصحيح للعمل ضد مشروع الدقة، مع الفهم أنه من الممكن أن يؤدي الأمر إلى تصعيد واسع. وجود مئات الصواريخ الدقيقة لدى المحور الإيراني وخصوصاً لدى حزب الله، التي بمقدورها أن تتسبب بضرر مدني واسع لإسرائيل وأن تشل أجهزة حيوية، هو تهديد استراتيجي لا يُسمح بتطويره.

التحديات في الساحة الشمالية لن تتلاشى، لكن على ما يبدو لن تصل قريباً إلى التصعيد الواسع، لأنه في هذه المرحلة كل اللاعبين المشتركين يركزون على مواجهة انعكاسات أزمة الكورونا وليسوا راغبين بالحرب. لكن في هذه المرحلة أيضاً ظهرت مخاطر ديناميكية التصعيد غير المخطط له وغير المرغوب فيه، الذي قد يؤدي إلى حرب في ساحة لبنان، سوريا والعراق. هذا المخطط للحرب متعددة الساحات ("حرب الشمال") يجب أن يكون التهديد ذا الصلة الرئيسي بالحرب، وعلى حكومة إسرائيل أن تستعد لها، وأن تتأكد من أن الشعب يعرف خصائصها ونتائجها المحتملة، مع التشديد على الاستهداف الخطير للجبهة الداخلية المدنية. في نفس الوقت، يجب إدارة جهد سياسي وأمني مبادِر لمنع حرب وإيجاد بدائل أخرى لتقديم أهداف إسرائيل في الساحة الشمالية.

الساحة الفلسطينية: الحفاظ على ما هو قائم أو السعي إلى التغيير؟

في العام 2020 تلقّت المؤسسة الفلسطينية مجموعة ضربات: قُدّمت "خطة ترامب" كتسوية إسرائيلية فلسطينية، في الواقع تجاهلتِ الفلسطينيين ومطالبهم وتبنت موقف حكومة إسرائيل الحالية في بعض مواضيعها؛ أُثبِتَ عدم قدرتها على وقف نوايا حكومة إسرائيل في بسط سيادتها على مناطق في الضفة الغربية؛ فقدان قوة الفيتو الفلسطيني على إقامة التطبيع بين إسرائيل والدول العربية؛ وفايروس الكورونا شكل أزمة صحية وعمق في الساحة الفلسطينية الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. في الوقت عينه، تأخير تطبيق السيادة استبدل من قبل إسرائيل بسياسة الضم البطيئة وبتوسيع البناء في كل المستوطنات في الضفة الغربية. يبدو أنه من جهة القيادة الإسرائيلية الحالية، لا رغبة بتقديم عملية سياسية إزاء الفلسطينيين، لأنه برأيها الوضع الراهن يلعب إلى جانب إسرائيل، بالتأكيد عندما تحطم حاجز التطبيع مع الدول العربية. حتى إن وصلت إسرائيل إلى المفاوضات مع الفلسطينيين (منظمة التحرير الفلسطينية/السلطة الفلسطينية)، ستطلب على ما يبدو أن تشكل خطة ترامب قاعدة للحوار - طلب قد يُرفض من قبل الفلسطينيين.

مع هذا، انتخاب بايدن يشكل اتجاهاُ إيجابياً بنظر قيادة السلطة الفلسطينية. الإدارة الجديدة قد تكشف دعماً أقل لمواقف إسرائيل بالمقارنة مع إدارة ترامب، ومن المتوقع أيضاً أن تقنعه الدول الأوروبية، على خلفية اقتراب الحلف الأطلسي من جديد، بالعمل على استئناف العملية السياسية وتقديم حل الدولتين. الحزب الديمقراطي الأمريكي يدعم فكرة الدولتين، لكن من غير المحتمل أن تلغي الإدارة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو تعيد السفارة من القدس إلى تل أبيت. على الرغم من ذلك، من الممكن الافتراض أن الإدارة الجديدة ستلغي الاعتراف (الخاص بإدارة ترامب) بشرعية المستوطنات والنقاط الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية. كذلك، من الممكن أن تفتتح الإدارة الجديدة مندوبية منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة الأميركية وربما قنصلية مستقلة في شرق القدس.

القيادتان الفلسطينيتان (السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحماس في قطاع غزة) حاولتا، بدون نجاح، تسوية العلاقات بينها بالمصالحة، الوحدة وإجراء الانتخابات. النتيجة هي في الواقع تعميق التمييز بين المناطق، في حين أن كل جانب يحتفظ بممتلكاته وغير مستعد للمرونة. قبيل دخول الإدارة الجديدة في الولايات المتحدة الأميركية تزايد في المؤسسة الفلسطينية الفهم بخصوص ضرورة التنسيق مع إسرائيل والاعتماد على المساعدة من جهتها، كما مُنحت نسبة معينة لمشروعية التعاون معها.

فيما يتعلق بحماس- الأزمة الاقتصادية وفايروس كورونا يجبران المنظمة على محاولة بلورة تفاهمات مع إسرائيل لتحسين الوضع الإنساني، الصحي والبنى التحتية في القطاع. في صفوفها، بدأت استعدادات لانتخاب القيادة، المتوقع أن يجري في ربيع 2021، ويبدو أنه على خلفية هذا ستمتنع قيادة المنظمة عن المشاحنات في إسرائيل، في حين أن الاحتمال الأكبر أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية. بالموازاة، من المتوقع أن تواصل حماس بناء قوتها العسكرية، وخصوصاً زيادة مخزون الصواريخ ومستودعات الطائرات غير المأهولة، المخصصة للهجوم على الأراضي الإسرائيلية. في العامين الأخيرين أطلقت عدة مرات صواريخ من القطاع - الأحداث التي تم تبريرها على أنها بداعي العطل -، لكن من الممكن أن المسألة تتعلق بنيران موجهة، خُصصت للإشارة إلى إسرائيل أن التحديات الأمنية حتى الآن سارية المفعول، مع مجازفة بالتطور إلى تصعيد. مع هذا، يتضح أن حماس غير راغبة بالتصعيد وتنجح في فرض الهدوء (النسبي) على جهات القوة الأخرى التي تعمل في القطاع.

لدى إسرائيل مصلحة في وجود سلطة فلسطينية فاعلة، ثابتة وغير معادية. لذلك، من المناسب اتخاذ موقف داعم ومساند تجاهها، يُوجّه لتقويتها كعنوان شرعي وحيد لتسوية مستقبلية ووضع هدف سياسي لـ "تسويات انتقالية"، تكوّن واقع فصل (سياسي، إقليمي وديمغرافي) وتحدد شروط لواقع مستقبلي خاص بالدولتين (مخطط INSS). وبخصوص قطاع غزة، المصلحة الإسرائيلية هي مرحلة هدوء أمنية مستمرة. لذلك، من الصائب تحديد حماس كعنوان مسؤول مؤقت في قطاع غزة وبلورة معها وقف إطلاق نار متواصل، مقابل تحسين وضع السكان والبنى التحتية المدنية (كهرباء ومياه) في القطاع، ومع جهد لكبح تعاظمها. في حال المواجهة - على الجيش الإسرائيلي والمنظمات الأمنية الأخرى تركيز العملية العسكرية على استهداف قاسي جداً للذراع العسكرية لحماس والجهاد الإسلامي.

البيئة العملياتية: أيام من القتال قد تؤدي إلى تصعيد إلى حرب غير مرغوب فيها

الردع الإسرائيلي - إزاء مواجهة واسعة وحرب - ساري المفعول. أعداؤها يعرفون قوتها وكلهم منشغلون بمشاكلهم الداخلية، ومن بينها انعكاسات فايروس كورونا. ألعاب الحرب التي أجراها معهد بحوث الأمن القومي في نهاية عام 2019 ومطلع عام 2020، حتى قبل أزمة الكورونا، أدّت إلى التّقدير أن كلّ اللاعبين في الساحة الشمالية يطمحون إلى منع التصعيد. العام 2020 أظهر أن كل جهات القوة المهمة في الساحة ليست راغبة بالتصعيد، وهذا في الواقع لم يحصل. تجربة السنوات الأخيرة أظهرت أن الوضع بالنسبة إلى جهات القوة في قطاع غزة هكذا أيضًا.

في الحقيقة في إسرائيل، كذلك في صفوف حماس وحزب الله، يسود وعي للخطر الكامن في ديناميكية التصعيد الذي قد يتطور، لكنّ الأطراف تقدّر على ما يبدو أنه سيكون من الممكن الاقتصار على عدة أيام قتالية، على شاكلة مواجهات لأيام قصيرة كما حصل في السنوات الأخيرة في ساحة غزة. ولكن سيناريو من هذا النوع قد يبطل، خصوصاً في الساحة الشمالية، إذا ما وقعت خسائر في الأنفس وسط أحد الجانبين أو الاثنين معاً. أو يمكن أن يحصل تصعيد فيما يتعلق بالرد والرد المقابل، ما سيؤدي إلى مواجهة واسعة وإلى حرب لا ترغب فيها كل الجهات. حرب كهذه قد تحصل مع المحور الإيراني الشيعي الذي يشتمل على حزب الله في لبنان، حلفاء إيرانيين في سوريا والعراق، وربما مع إيران نفسها. بالإضافة، قد ينزلق التصعيد إلى ساحات أخرى، خصوصاً إلى مواجهة مع جهات القوة في قطاع غزة.

سيفعِّل الجيش الإسرائيلي في الحرب قدراته الهجومية - في البر، الجو والبحر - وسيوقع أضراراً واسعة جداً في صفوف الأطراف المقابلة، لكنه سيجد صعوبة في التوصل إلى وضع حسم واضح لا لبس فيه. في حرب كهذه، من المتوقّع أن تواجه إسرائيل إطلاق نيران كثيفة من صواريخ أرض - أرض باتجاه الجبهة الداخلية، حيث أن بعض الصواريخ دقيق وبعضها سيخترق منظومات الدفاع الجوي؛ هجمات طائرات غير مأهولة ومسيّرات على الجبهة الداخلية؛ تسلُّل قوات برية إلى الأراضي الإسرائيلية بمعدّل آلاف المقاتلين؛ وهجمات سايبر ووعي، هدفها زعزعة قدرة الصمود لدى الجمهور الإسرائيلي وثقته بالقيادة السياسية والعسكرية. عناصر الجيش الإسرائيلي الهجومية ستصطدم بمنظومات دفاع جوي وبحري متطورة وبأجهزة دفاع برية معقدة، تتضمّن استخدام المجال تحت الأرض والصواريخ المتقدمة ضد الدبابات.

من الصائب، تحديد وتمويل خطة متعددة السنوات للجيش الإسرائيلي وملاءمتها مع القيود المتعلقة بالموازنة التي تستوجب من مواجهة الانعكاسات الاقتصادية لأزمة الكورونا، تطبيق خطة التعاظم بالعملة الأجنبية في إطار المساعدة الأميركية، والتّشدّد في إبعاد الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية عن الصراع السياسي في إسرائيل.

مبنى التقدير

تلخص الفقرات السبعة التالية من التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي للعام 2021 تقديرات باحثي معهد بحوث الأمن القومي (INSS) بخصوص وضع إسرائيل في نهاية العام 2020 وتحديات الأمن القومي التي تواجهها في العام المقبل. تُعنى بالساحة الدولية، بالمؤسسة الإسرائيلية، بالساحة الإقليمية، بإيران، بالساحة الشمالية، بالمؤسسة الفلسطينية وبالبيئة العملياتية. هذا العام يتضمن التقدير وملخّص "معيار الأمن القومي"، حيث أنه بحث دائم وبعيد المدى يديره المعهد بغية اختبار الرأي العام في إسرائيل وأهدافها بشأن مختلف قضايا الأمن القومي، واستطلاع نُقل بين باحثي المعهد حول "تحدي سلّم التهديدات والفرص".

تتضمن الوثيقة فقرات قصيرة إضافية تتعلق بتأثيرات التكنولوجيا (بالتأكيد على الذكاء الاصطناعي)، ظواهر تلي الحقيقة والأخبار الزائفة، بُعد السايبر والمناخ على الأمن القومي. فقرة قصيرة أخرى، تحلل عدة سيناريوهات بخصوص الشكل الذي سيبدو فيه العالم والشرق الأوسط في السنوات التي تلي أزمة الكورونا.

ملخّص التقدير الإستراتيجي الصادر عن مركز أبحاث الامن القومي عن العام 2021

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد