مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

تونس بعد عشر سنوات: فساد وخراب وسقوط الدولة إلى الحضيض

توفيق المديني

تونس بعد عشر سنوات: فساد وخراب وسقوط الدولة إلى الحضيض

في السيرورة التاريخية، لا يُمْكِنُ لأيِّ ثورةٍ أنْ تُتَوَّجَ بالنجاحاتِ خلال بِضْعِ سنواتٍ. قد يتساءل البعض أنَّ فترة 10 سنوات غير كافيةٍ لتحقيقِ طموحاتِ وانتظاراتِ الشعب التونسي، ذلك أنَّ أيَّ ثورةٍ في العالم لا يمكنها تغيير الوضع في فترة قصيرة، ولكنَّ هذا لا يعني عدم التقييم والتقدم نحو المستقبل.

مع تحول ما يسمى "ربيع الثورات العربية" إلى شتاءٍ قاسٍ سرعان ما حلَّ في العالم العربي، بعد أن تمَتْ إزاحة الثوريين الديمقراطيين من قبل حركات الإسلام السياسي، أوالعسكر. فلا تزال الدوائر الغربية وبعض مراكز الدراسات العربية المرتبطة بها، يقولون إنَّ تونس صامدة مقارنة بدول الربيع الأخرى، وحقّقت عملية الانتقال الديمقراطي، ولعلّ أهمها الدستور الذي وضع في 2014، والذي كان حمّالاً لعديد النصوص والقوانين، ولكنَّ الإشكال في تنزيل بعض المؤسسات الجديدة والقواعد على الرغم من أنَّ الدستور يحدد آجالاً لها. فهناك عديد القوانين المهمة التي صدرت بعد الثورة، ولكنَّ يتم الالتفاف عليها من قبل بعض الفاعلين السياسيين، لا سيما حركة النهضة، مثل إرساء المحكمة الدستورية وعديد الهيئات الأخرى. فبعض الهيئات لم يتم تركيزها لليوم، مثل المحكمة الدستورية، وهو ما يطرح إشكالات في تطبيق الدستور.

تونس الغائبة الحاضرة في المشهد العربي تعيش منذ عشر سنوات في ظل "الثورة المغدورة" بقيادة الإسلام السياسي، والحال هذه حركة النهضة، الطرف القوي في ظل الائتلافات الحكومية التي شكلتها منذ 2011 ولغاية الآن، ولأنَّ كل ما نادى به الفقراء والعاطلون عن العمل "وقود الثورة" ذهب أدراج الرياح، وفي أحسن الأحوال ظل أحلاماً مؤجلة برسم المجهول - المعلوم الذي تسير نحوه البلاد.

بعد عشر سنواتٍ، تُعَدُّ مشكلة الريف التونسي من أكثر المسائل التي تطرقت لها الدراسات المرتبطة بالثورة سواء من جهة أزمة القطاع الفلاحي الهيكلية منذ بداية الاستقلال أو من جهة الوضع التنموي والانساني الذي خلّفته السياسات العمومية والخيارات الاقتصادية والاجتماعية للرأسمالية التابعة في علاقة بالريف أو بالمحافظات الداخلية المهمشة والفقيرة. فمن زاوية الاقتصاد السياسي اختارت الدولة التونسية أن "تقترح" حلّ الهجرة على سكان المناطق الداخلية لتعويض عجزها عن تحقيق التنمية في المكان عينه، وهو ما تجلى بوضوح عشية الثورة حين وقفت الدّولة نفسها على حجم الهوّة التي تفصل المحافظات الداخلية في الداخل التونسي عن المحافظات الغنية من خلال مؤشرات التنمية الجهوية المنشورة سنة 2012 هذه العطالة التي أصابت الجهات الداخلية لم تعد مانعة للتنمية اقتصادياً فقط بل صارت مهدّدة لمقومات الحياة الأساسية للتونسيين القاطنين أريافهم.

تفجر الصراع بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة

إن فترة 10 سنوات أصبحت كافية للتقييم، الانتقال الديمقراطي في تونس يعيش في حالة خطيرة جدّاً. فالذكرى العاشرة لما يسمى بـ "الثورة التونسية" تأتي في ظل مشهدٍ سياسيٍّ مضطرب يتسم بالصراع بين رأسي السلطة التنفيذية، رئيس الجمهورية قيس سعيد من جهة، ورئيس الحكومة هشام المشيشي من جهة أخرى. ففي آخر حلقات هذا الصراع كان ميدانه أروقة وزارة الداخلية التي حاول رئيس الجمهورية السيطرة عليها لأهميتها الاستراتيجية في التوازنات السياسية في البلاد من جهة، ودورها المحوري في أمن البلاد وثقلها الاستخباراتي والإجرائي من جهة أخرى، بخلطه المتعمد بين صفته قائداً أعلى للقوات المسلحة العسكرية والقوات المسلحة الأمنية في مخالفة صريحة للدستور، ودفع وزير الداخلية إلى القيام بتغييرات على رأس إدارات حساسة دون الرجوع إلى رئيس الحكومة، وهو ما دفع هذا الأخير إلى  إقالة وزير الداخلية توفيق شرف الدين الذي يُعَدُّ من رجالات الرئيس سعيد داخل الحكومة.

ولذلك شكلت الإقالة حدثاً بارزاً في علاقة رئيس الجهورية برئيس الحكومة، في الوقت نفسه، لأنها إعلان عن فك الارتباط نهائياً بينهما، وميل المشيشي أو انضمامه إلى الأغلبية البرلمانية (حركة النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس) التي لا تخفي بدورها صراعها مع سعيّد.

وقاد هذا الحدث إلى إعادة طرح الجدل الدستوري حول حدود صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في مجالي الأمن والدفاع، لا سيما عندما صرّح الرئيس سعيد أنَّه القائد الأعلى للقوات المسلحة وقوات الأمن الداخلي. فيطل علينا هذا الصراع بين رأسي السلطة التنفيذية من جديد، بسبب غياب المحكمة الدستورية التي وحدها تمثل المرجعية الحقيقية في تفسير الدستور. لكنَّ تونس التي تتفاخر بثورتها الديمقراطية، عجزت لحدِّ الآن عن إرساء المحكمة الدستورية على الرغم من مرور ست سنوات كاملة من تاريخ المصادقة على الدستور في 14 كانون الثاني/يناير2014، حيث واجهت مؤسسات الدولة طول هذه المدة مشاكل دستورية جدية وخطيرة، تحتاج إلى تدخل المحكمة، فتجاوزت البلاد هذه المشاكل بأضرار كبرى.

في ظلّ غياب المحكمة الدستورية، من يفسر الدستور؟ ومن يفصل النزاع بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؟ فالصراع بين رأسي السلطة التنفيذية، لا يتعلق بالنزاع حول الصلاحيات، بل يتعداه لتقييم طبيعة النظام السياسي في الباب المتعلق بالسلطة التنفيذية، ومراجعته إن اقتضى الأمر.

وحين يقول رئيس الجمهورية أنَّه القائد الأعلى للقوات المسلحة، فالقوات المسلحة، حسب خبراء القانون الدستوري تشمل كل القوات التي تنشئها الدولة وتحمل السلاح (الفصل 17 من الدستور) وتتكون من (الديوانة، أي الجمارك، والشرطة و الحرس الوطني).هذا إذا أخذنا تفسير العيارة على إطلاقها وفق ما نص عليه الفصل 533 من مجلة الالتزامات والعقود، وعليه، فإنَّ القوات المسلحة كعبارة مطلقة تجري على إطلاقها، وهي موحدة لا تتجزأ، والتجزئة الداخلية هي تجزئة فنية وظيفية.

وسيظل هذا الخلاف الدستوري قائماً بين رأسَيْ السلطة التنفيذية في ظل غياب الحوار والتواصل بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لكنَّ من الممكن إيجاد بدائل مؤقتة إلى حين تركيز المحكمة الدستورية، بشأن النظر في توحيد السلطة التنفيذية، تتمثل في الاستئناس برأي الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، لأنَّه لا رئيس الجمهورية، ولا رئيس الحكومة، ولا غيرها حتى المختصين في القانون الدستوري له صلاحيات تأويل رسمي لهذه التفاصيل الدستورية. أما اجتهادات رئيس الجمهورية حتى وإن كان متخصصاً في القانون الدستوري، تظل اجتهادات رسمية، وتحتاج هي الأخرى لمصادقة المحكمة الدستورية.

ضعف الدولة في مواجهة دولة مافيات وعصابات الفساد

قبل عشر سنوات استلمت حركة النهضة السلطة في تونس، لكنَ النخبة الحاكمة الجديدة، سرعان ما أصبحت متواطئة مع الفساد. فبعد سنة 2011، ارتخت قبضة الدولة التونسية، فازداد الفساد شراسة في البلاد. وأجمع عدد من المختصين والعارفين على أنَّ أثرياء الثورة الجدد هم في الأساس تجار التهريب وتبييض الأموال إلى حدّ أن أحد المختصين قال إنَّ المجتمع التونسي صار شبيهًا بالمجتمع الايطالي الذي تسيطر عليه المافيات.

وفي الآونة الأخيرة فجّرت حادثة ميناء سوسة قضايا الفساد دفعة واحدة، إذ تجد مواد غذائية فاسدة في بلدانها (مثل القمح الصلب و اللين المسرطن المستورد من أوكرانيا)، طريقها إلى تونس عبر هذا الميناء، ومزابل إيطاليا السامة يتم جلبها عبر ميناء سوسة ودفنها في القيروان، وقطع غيار آليات مقلدة خارج القانون والمواصفات الصناعية، وما كان لها أن تجد تلك المواد الفاسدة الطريق لولا طبقة من الفاسدين تطوف العالم بحثا عن شحنات عادمة أو سلع مضروبة تدخلها إلى تونس سواء عبر ميناء سوسة أو ميناء رادس التجاري الكبير، وتقبض مقابل ذلك .

ليس ميناء سوسة وحده يشكل بؤرة حقيقية للفساد، بل كل الموانئ التونسية، ويأتي في طليعتهم ميناء رادس في تونس العاصمة، ثم ميناء صفاقس، وميناء بنزرت في الشمال، وميناء جرجيس في الجنوب التونسي، ففي هذه الموانئ تَشَكَّلَ، ونَمَا فسادٌ كبيرٌ مختلفٌ عن الفساد الذي أشار إليه تقرير الأستاذ عبد الفتاح عمر. إنَّهُ فسا دٌ زِئْبَقِيٌّ يُحْسِنُ التَخَّفِي ويَعْمَلُ بِصَمْتٍ ولا يُرَكِّزُ عليه الإعلام المأجور، بل يُغَطِّيهِ بِذَكَاءٍ. ويَسْتَقْوِي هذا الفساد بالمافيات المعشعشة في الإدارات التونسية العليا، حيث يلعب المدراء العامون والكوادر دورًا رئيسًا في إخفاء ملفات الفساد في أدراج الإدارة، نظرا لمعرفتهم بتراتيب الإدارة وقدرتهم على التحايل عليها.

وعجزت كل الحكومات السابقة التي تشكلت في تونس ما بعد سنة 2011، عن مواجهة الفساد المستشري في الموانئ التونسية، ولا سيما ميناء العاصمة التجاري رادس، فكأنه مقاطعة مستقلة تحت حكم النقابات (نقابات العتالين/ مليشيا النقابة الكبيرة ونقابات الديوانة التي حاصرت محكمة سوسة كي لا تتم محاكمة زملاء وصلهم الاتهام في قضية المزابل الإيطالية). من الموانئ يأتي فساد لا قِبل لأحد به والجميع يعرفون ذلك ويخافون، لذلك يقول الجميع إنَّ الفساد دولة داخل الدولة التونسية، بل هو الدولة الحقيقية التي تسَيِّرُ الأمور في البلادِ.

وفيما توجه الاتهامات إلى رؤوس الجمارك وأعوانها وإلى متواطئين معهم في الإدارة في الوقت الحاضر، لكنَّ وزارة التجارة تُعَدُّ مكمنًا جيدًّا لهؤلاء الفاسدين، فمن هناك تُسْتَخْرَجُ موافقات الاستيراد، وتُعَايِنُ السلع الْمُوَرِّدَة، وتَنْجُو من كلِّ رقابةٍ، فَتَصِلُ المواطن فاسدة. ويمكن تخيل الأثمان المدفوعة في الطريق.. شبكات منسوجة بدقة وإحكام لم يمكن كشفها وإن كانت آثار سلعها في أجسام الناس سمومًا.

وفضلاً عن فساد الديوانة (أي الجمارك) في الموانئ التونسية، تقول السلطات التونسية إنَّ ممارسة التجارة الموازية ضخت خلال السنوات الأربع الماضية ما بعد 2011، أكثر من 5 مليار دينار (حوالي 2.5 مليار دولار) لفائدة شبكات الإرهاب التي يقودها "الأثرياء الجدد". أنماط استهلاك تظاهرية مع بروز "طبقة الأثرياء الجدد" اخترقت المجتمع التونسي ظاهرة ما يعرف في علم الاجتماع بـ"أنماط الاستهلاك التظاهر" لتتفشى سلوكيات استهلاكية لا تعكس فقط حدة الفوارق الاجتماعية، وإنما تؤجج لدى أكثر من 70% من التونسيين المنتمين للطبقتين الوسطى والفقيرة نوعا من الحقد الاجتماعي، يرافقه سخط على السلطة السياسية التي خذلت غالبية التونسيين بعد أن ساهمت سياساتها الفاشلة وغير العادلة في تقسيم الخارطة الاجتماعية إلى" ثلاث جزر" كل جزيرة تمثل "مجتمعاً قائماً بذاته": "جزيرة الأغنياء" التي تعلو سلم الهرم الاجتماعي، "جزيرة الفئات الوسطى المتآكلة" و"جزيرة الفقراء" الغارقة في مستنقع الدرك الأسفل من الهرم.

خاتمة

على الرغم من أن الأعمال التي أنجزتها لجنة تقصي الحقائق عن الفساد بعد سنة 2011، ورغم ترسانة القوانين والتشريعات والمراسيم التي صدرت في تونس، ووجود هيئة وطنية لمكافحة الفساد في تونس برئاسة الأستاذ شوقي الطبيب سابقًا، فإنَّه يمكن القول إنَّ الدولة التونسية فشلت فشلاً ذريعاً في مكافحة الفساد لعدَّةِ أسبابٍ:

لقد اعتقد الشعب التونسي أنَّه وبمجرد سقوط نظام بن علي سينتهي النظام الفاسد والفساد، ولكنَّ تم إهمال نقطتين، وهما الواقع السياسي وميزان القوى، الذي كان مائلاً بشكل كبير لمصلحة حركة النهضة التي استلمت مقاليد الحكم في البلاد بعد سنة 2011، واستطاعت أن تلتف على عديد المكاسب التشريعية، وأن تدجّن المؤسسة القضائية في تونس التي تُعَدُّ مؤسسة فاسدة وغير مستقلة، بحكم اختراقها من قبل حركة النهضة للتستر على ملفات الفساد والجرائم الإرهابية التي ارتكبت في عهدها.

 بعد عشر سنوات تشهد تونس بداية صحوة قضائية مع أعمال حاكم التحقيق والنيابة العمومية بسوسة على خلفية ملف النفايات الإيطالية السامة، حيث لأول مرَّة يتم عزل وزير مباشر وإيقافه، وكذلك إيقاف رئيس حزب سياسي له نفوذه وحضوره في السلطة والحكومة هو نبيل القروي، وهذا كله بفضل المجتمع المدني والإعلام والمبلغين على الفساد، وأحزاب ونواب أخذوا على عاتقهم التصدي لمافيات الفساد.

على الرغم من هذه التطورات المهمة التي شهدتها بعض الملفات المتعلقة بالفساد السياسي، فإنَّ الشعب التونسي ومكونات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية والديمقراطية، لا يعتقدون أنَّ هذه التطورات حصلت في إطار رغبة صادقة، ولا إرادة سياسية واضحة من جانب رئيس الحكومة المشيشي، الذي تخلى عن  مصطلح مكافحة الفساد في تسمية وزارة الحوكمة والوظيفة العمومية، حيث أكَّدَ أنَّ الفساد يكافحه القضاء، متناسيًا أنَّ هناك دورًا سياسياً وحكومياً في مكافحة الفساد، من خلال تفعيل دور الهيئات الرقابية الرسمية ومنحها الثقة من دون أية ضغوطات لأداء مهامها.

بعد عشر سنوات، تعيش تونس في ظل وباء كورونا، ليُضاف لوباء الفساد، ووباء التهميش التاريخي الذي تعيشه محافظات تونسية بأكملها في الشمال الغربي، والوسط، والجنوب، حيث يتعايش الخوف والقلق مع اللامبالاة، والفقر والشعور بالعزلة.

توفيق المديني

إخترنا لكم من العدد