مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

مقوّماتُ الدّولةِ القَويّة

نبيل علي صالح

مقوّماتُ الدّولةِ القَويّة

القوة في هذا العصر لها عنوان واحد هو امتلاك مقومات الاقتصاد المنتج التصنيعي القائم بدوره على أسس العلم والمعرفة التقنية والتكنولوجية.. وعندما تكون الدول قوية على هذا الصعيد، تكون قوية في أصعدة كثيرة أخرى خصوصاً على مستوى قدرتها على فرض كثير من سياساتها وإملاء إرادتها وتنفيذ أجنداتها ووصولها إلى مطامعها.

.. بهذا المعنى هناك دول قوية كثيرة في هذا العالم، انتهت من بناء معالم اقتصاداتها القوية، وباتت لا تفكر إلا بمستقبلها، وتفعل كل شيء لضمان حياة شعوبها وتأمينها وتعميق أسس ازدهارها وسعادتها أكثر فأكثر.. وهناك بالمقابل بلدان ومجتمعات أخرى، لم تعرف طريقها بعد إلى حيازة معاني القوة الاقتصادية، لتبقى غارقةً في اقتصاداتها الريعية الاستهلاكية الطفيلية، ومتعيِّشة على رومانسيات ماضيها، (ولا مكان عندها لاستشراف مستقبلها)، واقفةً أمام عتبات حاضرها، تجترُّ هزائمها وانكساراتها وتلعقُ جراحاتها وتبكي على أيام الأمجاد التليدة التي لن تعود!!.

وإذا كان الغرب الذي كان قد بنى نهضته الحديثة على العقل والعلم، وانطلق من خلال الطبقة الليبرالية (الوسطى) - التي تكونت خلال مخاضات عسيرة مكلفة مادياً ومعنوياً - ليبني مواقع اقتصاداته القوية، ويحمل قيم مشروعه الليبرالي القائم على الحريات العامة والانفتاح السياسي وحرية التعبير والحريات الاقتصادية وغيرها.. فأين العرب والمسلمون من ذلك كله خاصة بعد أن أضحى مشروع الحداثة الغربية - الذي جاء من خلال عصر الأنوار في القرن الثامن عشر - مشروعاً عالمياً كونياً بقيم كونية مشتركة؟!. هل استفدنا نحن العرب عملياً من قيم النهضة الغربية التي شملت جميع مواقع الحياة، وقدمت مكتسبات حية أسهمت وبقوة في تطوير الناس وتعزيز قدرة الإنسان على العيش بنجاح وقوة وسعادة في الحياة، هل استفادوا منه لبناء مواقع قوتهم الاقتصادية والسياسية؟!. وهل تمكنوا من بناء مجتمعات إنسانية متطورة ومزدهرة في بلدانهم؟ وما هو موقع وموضع الإنسان والعقل الإنساني فيها؟.

للأسف ما زال العرب ضعفاء، ولم يعرفوا للقوة سبيلاً إلى يومنا هذا، على الرغم مما بحوزتهم من مواقع قوة اقتصادية وغير اقتصادية في ضخامة ثرواتهم ومواردهم وعظمة طاقاتهم البشرية.. فهم يعيشون في لجة الفوضى والأزمات التي تنتقل معهم مع تقادم الأيام.. وجوهرُ هذه الأزمات – التي يمكن وصفها بالطّاحنة، والتي ما فتئت المنطقةُ تعاني منها، وتئن وتتوجع مجتمعاتُها تحتَ وطأتها منذ زمن ليس بالقصير - جوهر الأزمات هو الفشل الواسع والذريع لنخب المنطقة في بناء الدّول المؤسسية القوية والفاعلة، والقادرة على أن تردّ على تطلعات الأفراد والشعوب في الوصول لازدهارها وتحقُّقِ نهضتها الحقيقية، وأن تقدّم (تلك الدول) لهم (للناس والشعوب) المنافع والمكتسبات المادية والمعنوية من خلال حسن إدارة الموارد والثروات الهائلة التي توافرت (وتتوافر) بين يديها.. فضلاً عن ضرورة إشعارها بالكرامة والحرية وباقي الحقوق، وتأمين فرص العمل والترقي الاجتماعي التي افتقدوها طيلة زمن طويلة.

وهذه هي الدول القوية، القوية بإنسانها الفاعل والحاضر في عصره، الدول القوية في متانة اقتصادها وعلمها وإنتاجيتها.. يعني التي تصنع وتنتج وتطور وتمتلك أسس الإنتاج ومقوماته الحقيقية، والدول الغربية عموماً (غربية بالمعنى الاصطلاحي وليس الجغرافي) رائدة في هذا المجال، اكتشافاً وإنتاجاً واختراعات علمية وتقنيات فوق تكنولوجية.. أما دولنا في عالمنا العربي كله، فلا نراها ولا نجدها – كما قلنا - سوى كدول بعيدة عن مفاهيم ومعاني الإنتاج الصناعي، دول ريعية طفيلية تعتاش - في مجمل نشاطاتها الاقتصادية - على بيع ما تمتلكه من موارد وثروات خام جادت بها أرضها، كمواد خام، لتوليد الدخل للناس والعاملين لديها، تبيع مثلاً النفط والغاز وغيره، لتستجلب عملة صعبة، وليكون ذلك المصدر شبه الوحيد والأساسي لكل مداخيل الدول الريعية، فتعطي رواتب وتقيم المدن وتبني البنى التحتية، و.. و.. و.. الخ.. هذا الأمر حوّل (ويحوّل) مجتمعات هذه الدول إلى مجتمعات مستهلكة غير منتجة، معتمدة كلياً على بيع مواردها، تنفق فقط من مداخيلها، وتتعيش فقط على مصروفات مواردها التي لا بد وأن تنخفض يوماً لأسباب كثيرة.. خاصة عندما تكون بنية الدول الريعية مركزية تقدم خدماتها للناس بشكل شبه كلي.. والأنكى من ذلك أن كثيراً من تلك الدول لم تفكر لمستقبل أجيالها في محاولة توفير بدائل قوية لاقتصاداتها الريعية، فأيام القحط والجدب قادمة لا محالة، حيث الثروات تقل والموارد تضمحل!!.

طبعاً هناك دول كثيرة ريعية حاولت تعويض ريعيتها لمواردها، من خلال بناء اقتصاد موازي لا تعتمد فيه على بيع الثروات، اقتصاد خدمات واستهلاك، لكنه أيضاً ليس اقتصاداً منتجاً، حيث تم فيه الاستثمار في العقارات والخدمات والمولات، يعني استثمارات هي الأخرى بذخية ادخارية طفيلية غير منتجة بالمعنى الإنتاجي الصناعي.. فيبقى المشهد عموماً أمامنا: هناك دول تبيع ثرواتها مقابل تقديم رواتب وخدمات لمجتمعاتها دون وجود أي إنتاج حقيقي ونشاط اقتصادي غير ريعي، فاعل ومنتج ومعتمد فقط على بيع الموارد.. هذا كلُّه سبب ويسبب خللاً كبيراً في بنية العلاقة بين الدول والناس خصوصاً عندما تقل الموارد، أو ينخفض سعرها دولياً.

وأما عن المعالجات والحلول، فنحن نتصور أنه لا يوجدُ أيُّ حلّ حقيقي، ولا خطوة نحو الأفق المفتوح، من دون تأسيسِ الدول أو الدولة المدنية، دولة المواطنة، دولة الحقوق والتنمية الإنسانية الحقيقية، دولة التقدّم التقني والعلمي والاقتصادي، التي يكون فيها "للفرد - المواطن" وليس "الفرد - الرعية" الدور الأكبر والأعمق والمشاركة الواعية والمسؤولة في عملية البناء والتأسيس، والانتفاع منها وبها.

وهذا الفرد - المواطن (لا الرعية) يتجسد فقط من خلال بناء ثقافة العقل والنقد التي تتجسد في عالم ومجتمع وأفراد ذوات، يمتلكون الحد الأدنى من روح الثقة بالنفس والشعور بالحرية والقدرة على بناء علاقات ايجابية مع أقرانهم ومن ثم مع مجتمعهم، وهم وحدهم الذين يستهلكون او لديهم طلب على الثقافة والمزيد من التفكير والتأمل في الواقع الاقتصادي والاجتماعي والطبيعي، فهذا هو غذاؤهم الطبيعي، وهو ما يدفعهم إلى إغناء تجربتهم باستمرار.. أما عالم الغرائز والأهواء الذي فرض على الفرد البقاء منعزلاً فيه، فهو لا ينتج ذوات فردية واعية بل ذوات مكبلة مقيدة تبدو كآلات جهازية تشتغل بالتحكم عن بعد.

وقد يحاول البعض تصوير المشكلة - الأزمة في مجتمعاتنا، وأنها كامنة في وجود ثقافة دينية أو رجال دين.. هذه للأسف كلمات شعاراتية وتحليلات رغبوية مضى زمنها.. المشكلة لا تكمن في وجود الدين ورجالاته.. المشكلة تكمن بالأساس في هيمنة السلطات الاستبدادية الباطشة والخاصية، أي التي تقوم بإخصاء الفرد ومنعه من حقوقه وحريته.. هنا تكمن المشكلة الحقيقية المنتجة لجميع المشاكل الأخرى، وفي مقدمها إعاقة النمو أو ضعفه (تضعيفه)، وبطء التنمية أو بالأحرى الكساح الاقتصادي الذي ينجم عنه بالضرورة سوء التغذية الحضارية والثقافية، والشك بالنفس واحتقار الذات والقزمية الأخلاقية والنفسية، أي هشاشة البنية الإنسانية المدنية في المجتمعات المهمشة او الهامشية التي كنا نسميها البلاد النامية او بلدان الجنوب، وتمثل الانسان فيها لذاته بوصفه ناقصاً ومتخلفاً وضعيفاً وفي حاجة دائماً، كالأعمى والضرير، إلى من يرشده ويقوده ويوجهه من خارجه.

من هنا يمكن القول بأن أصل الفكرة هو تحقُّق التنمية لهذا الفرد، تنميته العقلية والعلمية، حتى يصل هو لدرجة الرشد السياسي المتين والإنتاج الاقتصادي المكين.. وهذا لن يأتي إلا ببناء دول المواطنة، والحكم الرشيد والصالح القائم على المشاركة وإعطاء الحقوق كما نقول دائماً.

وحتى تجعلَ المواطنَ ينشط اقتصادياً، كأساس لبناء قوة بلده الاقتصادية والسياسية، على نحو فاعل يتم فيه استثمار طاقاته ومواهبه كاملةً، يجب أن يكون له دور وحضور ومصلحة في عمله، يجب أن تؤمِّنَ له بيئة عمل واستثمار قانونية وسياسية متينة وقوية وعادلة!!. وهذا بدوره لا يتوافر إلا بضمانات سياسية ودستورية عملية لا تعطيها ولا تقدمها إلا الدول المدنية القانونية ذات البنية الحقوقية الفردية والمجتمعية القوية والمكينة.

.. هنا تكمن القوة الحقيقية، والانتصار الحقيقي، في عالمنا.. وهو أن يتحقق لك كفرد عربي وجودك الفعّال، كذاتٍ حرة، لها حقوقها وقيمها وكرامتها.. وما عدا ذلك، كلام بكلام، وشعارات جوفاء لا تغني ولا تسمن من جوع!!.

نبيل علي صالح

إخترنا لكم من العدد