مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

قدرة الكاتب على تجاهل الشهرة

غسان عبد الله

 هامش ثقافي

قدرة الكاتب على تجاهل الشهرة

عندما ننظر إلى الشهرة باعتبارها "قِبلة" نخبوية يتنافس عليها الساعون إليها، فعلينا أن نتذكر أن هذه الشهرة أو النجومية يمكن أن تأتي من أي سبيل، إلا من سبيل أن تكون حقيقية، وأن يكون صاحبها استحقها لأنه بها جدير. إذ يمكن أن تأتي هذه النجومية بالمال، بالوجاهات، بالإيديولوجيا، بالتخطيط السياسي، بالجسد السائب، بالإرهاب.. بالسلطة الغاشمة.. إلا في ما ندر.

النجومية تأتي بلا استثناءات، في حال كان كل شيء على ما يرام ويسير بلا متاعب. بَيْدَ أن النجومية التي يتطلّع بعضُ المثقفين والكتّاب إلى بلوغها، من الطبيعي أن تتوقف جانباً إذا ما ساورَتْ صاحب القرار في إطلاقها أو حجبها شكوكٌ في مدى تطابق توجهات أولئك المثقفين مع السياسة الإعلامية أو الثقافية التي يمليها صاحب القرار. لا أقول بأن كل مشكلات (النجومية) المفترضة للأدباء والمبدعين، تنبعُ من السياسةِ وحدَها، بل قد تنبع أيضاً من أية أيديولوجيا، أو أية جهة سلطوية (مناطقية، قبلية، حزبية)، أو أي فكر يطمح إلى الهيمنة والإقصاء في أي مجال. وقد يأتي الحجب مجزّأً، وقد يأتي الحرمان أو الحجب لأنك مصنف ضمن فئة ذات توجُّه أدبي معين من دون أن يخبرك أحد بهذا التصنيف، فأنت تكتب فحسب ما تظنه إبداعاً. فمثلاً يوصف نصك بـ(الحداثي) إذا قرأ المحرر المحسوب على الأدب المحافظ نصك ولم يفهمه أو ارتاب فيه، أو وجده مفارقاً لما تعلّم وعرف من أدب وثقافة. أو يوصف بـ(التقليدي أو الإسلامي) إذا كان المحرر ذا توجه حداثي ليبرالي، وكانت ذائقته الفنية تنظر إلى الأدب الآخر باستخفاف. بالنسبة إلى الكاتب الحقيقي، أظن بأن أسوأ فترة يمر بها هي هذه المرحلة في حال وصل إليها، ذلك أنه يدخل بالفعل في مرحلة النسيان.

اشتُهِر عن كتاب عالميين عديدين عزوفهم عن الظهورِ في الصحافةِ والإعلام، ومنهم الكاتب فيليب روث. الذي كان قليلاً ما يسمح بدخول صحافي إلى منزله. ليس مردُّ ذلك إلى مشكلةٍ نفسيةٍ يعاني منها، أو بسببِ فظاظةٍ يبديها تجاهَ الصحفيين، وإنما من فَرْطِ ملله الفادح من كثرة الأسئلة المتكررة لقاءً بعد آخر. إنه يشعر كما لو أنه يموتُ في كلِّ لقاءٍ يُجريهِ معه صحفيٌّ أو محرِّرٌ. في كلِّ مرةٍ يعيدُ نفسه في الأجوبة نفسها. الأجوبة التي لا تتغير، والإطلالةُ الشكليةُ التي تستمدُّ عمقها من هشاشتها الرتيبةِ في كل مقابلةٍ. وفي لقاءٍ أجراهُ معهُ أحدُ الصحفيينَ المهتمينَ بإبداعِهِ، قال له الصحفيُّ: أشعرُ أن اللقاءَ معكَ أمرٌ بالغٌ الصعوبةِ. فأجابهُ قائلاً: (حسناً، إنني لست موجوداً على ظهر الأرض لأجعل حياتك سهلة).

إن الكاتبَ متى ما كفَّ عن أن يجعلَ المسافةَ بينه وبينَ أوراقِهِ وكلماتهِ أقصرَ من المسافةِ التي بينهُ وبين الأشياءِ الأخرى التي حولهُ، كان ذلك مثل الحكم عليه بأن يعيش في عمرِ الزنابقِ التي تبدو جميلةً لكنها لا تعيشُ طويلاً. ربما من أجلِ ذلك، كان ردُّ روث على الصحفي الذي قال معلقاً على كلامه السابق: (ربما لا ينبغي أن نتحدث عن الأدب على الإطلاق)، كان رد فيليب روث صريحاً وجارحاً: (هذا هو الحديث حقاً.. لسوف أشعر بأنني في حالةٍ رائعةٍ إذا صدرَ إعلانٌ بحظرِ الحديثِ عن الأدبِ مئةَ عامٍ كاملة، إذا أُغلقت كلُّ أقسامِ الأدب في كلِّ الجامعات، إذا فُرِضَ حظرٌ على حديثِ النقّاد.. إن القرّاء ينبغي أن يكونوا وحدَهم مع الكُتُب.. وإذا جرؤ أحدٌ على أن يقولَ شيئاً عن الكتُبِ فينبغي القيامُ بإطلاقِ النارِ عليهِ أو إيداعهِ السجن في التو.. نعم، إطلاق النار عليه.. حظرٌ يدوم مئة عام على الأحاديثٍ الأدبيةٍ المُضجرة.. ينبغي تركُ الناسِ يصارعونَ الكتبَ بطريقتهم الخاصةِ، ويكتشفونَ بأنفسهم جوهرَ هذه الكتب وما الذي لا تعنيه.. وأي شيء بخلاف ذلك لا يعد إلا ثرثرة خالصة).

إن عدمَ قدرةِ الكاتبِ على تجاهُلِ الشُّهرةِ لا يعني أنه ضعيفٌ، بل ذلك طبيعيٌّ جداً، ولطالما رَاوَدَ الأدباءَ والمبدعينَ حلمُ أن يكونوا مشهورين، ومعروفين في المحيط الإنساني إلى أبعدِ حدِّ، ولكنَّ الخوفَ، وهذا ما أقصده، أن تكون النجوميةُ نتيجةَ إيهامٍ موضوعيٍّ وقعَ فيه الكاتبُ، أو اضطُّرَ إلى الوقوعِ فيه، بواسطِة تداخلاتٍ في العلاقةِ بين ما هو متعلِّقٌ به كإرادةٍ مستقلةٍ، وما هو تابعٌ لهذه الجهةِ أو تلك. وحالما يشعرُ الكاتبُ أنه وقعَ في هذا الفخِّ، وأن من الصعوبةِ بمكانٍ أن يفلُتَ منه، فإنّه عندئذٍ يتصرّفُ كضحيةٍ من ضحايا النسيان المؤكدين. الشيء الآخر، هو أن الشهرةُ بحدِّ ذاتها نسيانٌ، ليس في ما يتعلّقُ بالكاتب/النجم كصورةٍ وكمثال، وإنما في ما يختصُّ بتجدُّده واغتنائِهِ اللازمَيْنِ بأسبابِ البقاءِ في حيِّز الكتابة ليستمرّ كمبدع، لا كناسخ.. في ما يختص بذلك العالَم الجميل الذي تكوَّن فيه كاتباً مبتدئاً، ثم كاتباً مبدعاً، وها هي الشهرة تُرْبكه في البدء، ثم شيئاً فشيئاً تبْعِدُهُ عن ذاته الخلاّقة، عن لحظات استغراقه الجميلة في الكتابة، إلى أن يجدَ نفسه، وقد نسي تلك الذاتِ الخلاّقة وتلك اللحظاتِ الجميلة، أنه لم يعد بإمكانهِ العودة نفسياً وذهنياً وطقوسياً إلى سابقِ عهده، لقد سرقتْهُ الأضواءُ من نفسه، واختطفَتْهُ متابعةُ أخبارِه في الصُّحفِ والقنواتِ التلفزيونية، وهذا هو النسيانُ الأليمُ. على ضوءِ ما سُطِّرَ، كيف بالإمكانِ الوصولُ إلى القارئ من دون أن تكونَ نجماً بالكيفيةِ التي عنيتُها في هذا الهامش؟.. هل أنت مستعجلٌ إلى الوصول؟.

لنفترضَ على سبيلِ التّخمين عشر سنوات لتصل إلى عددٍ لا بأس به من القرّاء في محيطِ بلدك، ما رأيك؟ هل تكفي عشرونَ سنةً، لتتناولَ إنتاجَكَ الصحافةُ الثقافيةُ، ويبدأُ مؤشّرُ مبيعاتِ كتُبِكَ في الارتفاعِ بثباتٍ نسبيٍّ؟ هل تطمحُ إلى أن تتّخذَ منكَ القناةُ التلفزيونيةُ المحلية ضيفاً خفيف الوطء في برامج ثقافية باهتة كأحلام الخُدّج؟. إذا أجبت بـ(نعم)، فأنت تأبى إلا أن تكونَ نجماً بالمفهومِ السابق، ويُحْتَملُ أن تكون أباطيلاً كل ما ظننتَها حقائقَ تُثبت نجوميتك كمبدع أصيل. أما إذا لم تفكر في القارئ من الأساسِ، إذا نجوتَ من لغطِ الذاتِ الطامعةِ في المكاسبِ قصيرةِ الأجل، إذا تنبّهتَ في داخِلكَ إلى تحقيقِ أسطورةِ الذات ونصبتَ لها، كما لو أنها أجملُ الطرائد، كلَّ عمرِكَ الممكن، وكلَّ وقتِكَ الأثمن، فإنك لا شك، ومن دونِ وخزةِ شكٍّ في يقينِكَ الذهبيِّ، ستصلُ إلى القارئ.. لأنك فنانٌ، فنانٌ يؤمنُ أن أجملَ وأحلى ما في ثمرةِ (التينِ القرويةِ) هو قلبُها العسليُّ اللذيذُ. وهو هنا القارئُ، وكم من الكتّابِ المبدعينَ لم يتنبّه القرّاءُ لإبداعِهم إلا بعد تخطِّيهم أسوارَ المقابر.

غسان عبد الله

 

إخترنا لكم من العدد