مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

غزوة الكونغرس.. بين سقوط أمريكا وسقوط ترامب

ابتسام الشامي

غزوة الكونغرس.. بين سقوط أمريكا وسقوط ترامب

بعد أربع سنوات من إمعانه في إظهار العتوّ والعلوّ في علاقاته مع الأصدقاء والأعداء، انتهت رحلة دونالد ترامب في البيت الأبيض معزولاً داخل مجلس النواب قبل أيام قليلة فقط من انتهاء ولايته..

بذلك يكون ترامب أول رئيس يحمل هذا اللقب في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما غامر بالانقلاب على دستورها، وعبّأ مناصريه للنيل من أحد رموز نظامها السياسي، فكان اقتحام الكونغرس بمثابة الرصاصة التي وضعت نهاية غير سعيدة لحياة مستكبر كان أصدق تعبير عن الصورة الحقيقية لبلاده.

غزوة الكونغرس

نجح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حجز مكانة خاصة له في تاريخ بلاده، ليس بوصفه رئيساً استثنائياً استطاع أن يقودها في مرحلة مليئة بالتحديات، وإنما في الأساس لفشله في القيادة السياسية وفي التعامل مع الأزمات، وهو ما انسحب على تعاطيه مع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فاز فيها منافسه الديمقراطي جو بايدن.

فقد استبق النتائج الرسمية بالحديث عن تزويرٍ رافق عمليات الاقتراع لاسيما التصويت الالكتروني، وعمل على تغيير نتائج بعض الولايات والطعن بنتائج ولايات أخرى، ولم يخفِ نواياه بشأن عدم تسليمه السلطة التي ادّعى أنها سرقت منه مستنداً إلى تصويت أربعة وسبعين مليون أمريكي له.

وعندما استفد الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة كل أوراقه "للاستيلاء" على ولاية جديدة، لجأ إلى لعبة الشارع لتغيير المعادلة الانتخابية، فدعا أنصاره للتوجه إلى واشنطن لإيقاف عملية "سرقة الانتخابات" وتعطيل جلسة الكونغرس للمصادقة على نتائجها. وفي ما كان أعضاء الكونغرس من النواب والشيوخ يتوافدون إلى مبنى الكابيتول هيل، في السادس من الشهر الجاري احتشد نحو عشرة آلاف شخص من أنصار ترامب أمام البيت الأبيض في تجمُّع أُطلِقَ عليه اسم "أنقذوا أمريكا". ولم يكد الرئيس المنتهية ولايته ينهي خطابه فيهم، حتى توجّهت الحشود إلى مقر الكونغرس ملبّيين مناشدته لهم "وقف سرقة الانتخابات الرئاسية" ومترجمين قوله "لن نستسلم أبداً، ولن نتنازل، ولن نعترف بالهزيمة في الانتخابات" الأمر الذي أدى إلى اقتحام المبنى في مشهد غير مسبوق، اشتبكت فيه القوى الأمنية المولجة بحمايته، مع المتظاهرين الغاضبين، في وقت فر فيه النواب والشيوخ في ردهاته ودهاليزه.

ترامب عجّل بعزله

"غزوة" الكونغرس التي راهن ترامب عليها لإيقاف جلسة المصادقة بعدما رفض نائبه مايك بنس عرقلتها، ارتدّت سلباً عليه، لاسيما في أوساط حزبه الجمهوري، فعلى إيقاع الغزوة التي قُتِل فيها خمسة أشخاص، عدّل عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين موقفهم بعدما كانوا يعتزمون التصويت ضد المصادقة على النتائج في بعض الولايات التي فاز فيها بايدن، إلا أن أعمال العنف التي رافقت الغزوة دفعتهم إلى التخلي عن ذلك. ولعل هذا التغيير في موقف بعض الجمهوريين أتاح فرصة المصادقة على عزل ترامب لاحقاً.

فقبل أسبوع من انتهاء ولايته، صوّت مجلس النواب لمصلحة عزله بتهمة تشجيع الهجوم على مبنى الكابيتول، وانضم عشرة نواب من الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت لصالح القرار، الذي جاء بنتيجة 232 صوتاً مقابل 197، ليصبح ترامب بذلك أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يُعزل مرتين أو يتّهمه البرلمان بارتكاب جرائم.

وعلى الرغم من أن ترامب حاول التقليل من أهمية ما جرى كون إنفاذ القرار يحتاج إلى مجلس الشيوخ للمصادقة النهائية عليه، وهو ما لن يكون متاحاً في الفترة المتبقية من ولايته، إلا أن استكمال هذا المسار القانوني لاحقاً من شأنه أن يؤثِّر في المستقبل السياسي لترامب، وإذا كان الديمقراطيون قد هدفوا من إجراءات عزل الرئيس الجمهوري في الأيام الأخيرة من ولايته إلى قطع الطريق على ترشُّحه لانتخابات عام 2024، فإن هذا الهدف  يخدم الجمهوريين أيضاً لكونه يزيل عنهم العبء السياسي للرجل ويوقف مد "الترامبية" المتنامي في أوساطهم. من هنا فإن محاكمته في مجلس الشيوخ المنقسم مناصفة بين الحزبين قد تتحقق شروطها بتأمين ثلثي أعضاء المجلس للمصادقة على قرار العزل، وهو ما بدأت بوادره بالظهور مع موقف زعيم الجمهوريين في المجلس ميتش ماكونيل الذي يتمتع بنفوذ كبير في الحزب. فقد أعرب امام مقربين منه، عن رضاه للاتهام الموجه لترامب، ورأى أنه يستند إلى أسس، ولم يستبعد ان يصوت لمصلحة الإدانة. وفي رسالة إلى زملائه الجمهوريين كتب ماكونيل "لم أتخذ قراري النهائي بالنسبة إلى كيفية التصويت، أعتزم الاستماع إلى الحجج القانونية حين يجري تقديمها في مجلس الشيوخ".

وتعني مصادقة مجلس الشيوخ على قرار العزل حرمان ترامب من تقلُّد أي منصب سياسي أو حكومي سواء بالتعيين أو الانتخاب، أي حرمانه عملياً من الترشُّح لأي انتخابات مستقبلية، فضلاً عن حرمانه من المخصصات المالية للرؤساء السابقين ومن توفير حماية أمنية فدرالية له.

خاتمة

ينهي دونالد ترامب ولايته في البيت الأبيض بصورة لم يكن يتوقّعها لنفسه، محظوراً على وسائل التواصل الاجتماعي والكثير من أعضاء إدارته انفضّوا عنه. وبحسب مجلة بوليتيكو الأمريكية فإن ترامب، الذي عُرِفَ خلال رئاسته وقبلها، ولعقود، بحبه للأضواء والكاميرات، فضّل أخيراً الانعزال عنها.

ابتسام الشامي

 

إخترنا لكم من العدد