مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

نقترب من نقطة اللاعودة: إسرائيل تتجنب معالجة التهديد الاستراتيجي الأكبر

نقترب من نقطة اللاعودة: إسرائيل تتجنب معالجة التهديد الاستراتيجي الأكبر

 تستغل إسرائيل الأيام الأخيرة لترامب وبومبيو لتوجيه ضرباتها إلى الإيرانيين الذين يتواجدون في سوريا، وفقًا لتقارير من هناك.

إلى جانب القلق المفهوم الذي أثير هنا من نية الرئيس بايدن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، هناك من يرونه أيضاً فرصة لإجلاء الإيرانيين من سوريا في صفقة شاملة. ولكن التهديد الاستراتيجي الأهم علينا لا يوجد في سوريا بل في لبنان، والصحيح حتى الآن أن إسرائيل تتجنب معالجته.

لقد نجحت الهجمات المتكررة المنسوبة إلى إسرائيل في سوريا في تعطيل محور الإمداد البري والجوي الإيراني لحزب الله، لكنها لم تحبط جهود حزب الله لإنشاء قدرة مستقلة لإنتاج وتجميع الصواريخ الدقيقة على الأراضي اللبنانية. 

تشير التقديرات إلى أن المنظمة تمكّنت حتى الآن من تجميع عدة مئات من الصواريخ الدقيقة متوسطة وطويلة المدى. يبدو أنه ليس لديه بعد قدرة إنتاج كاملة من الألف حتى الياء، لمثل هذه الصواريخ، لكنها تواصل جهودها لتحويل الصواريخ "الغبية" إلى صواريخ دقيقة باستخدام قطع مصنوعة في إيران يتم تركيبها على رأس الصاروخ وتزويده بقدرات القيادة والملاحة. هذه القطع يمكن تهريبها في حقيبة، والتقدير هو أنه يوجد في لبنان في هذه اللحظة بضعة مواقع تركب فيها صواريخ دقيقة.

إن امتناع إسرائيل عن العمل بشكل علني ضد هذه المواقع – مفهوم. فمنذ 2012 تثبتت معادلة ردع وبموجبها يرد حزب الله بالنار على كل هجوم إسرائيلي على الاراضي اللبنانية. ويمكن لتبادل هذه الضربات أن تؤدي بسرعة الى مواجهة شاملة، حتى وان كان الطرفان غير معنيين بها تماماً.

فهل من أجل إحباط عدة مئات من الصواريخ الدقيقة، سنعرّض مدننا لهجوم بعشرات الآلاف من الصواريخ غير الدقيقة التي ستلحق الدمار والأضرار؟ الجواب السهل والمريح هو أن التهديد ليس فظيعاً بعد، وأنه يمكن تحسين وسائلنا الدفاعية في مواجهة كمية كهذه من الصواريخ. لا يروق لأحد أن يعيش حرب لبنان الثالثة. ولكن السؤال هو إلى متى؟.

في الماضي، وصف الجيش الإسرائيلي التهديد الصاروخي الدقيق من لبنان بأنه تهديد استراتيجي على إسرائيل. لكن عندما يكون باستطاعة حزب الله أن يمطر صليات من الصواريخ ليس تقريباً في منطقة "هكريا" (مبنى وزارة الأمن) في تل أبيب، في مكان ما بين شارعي كبلان وشاؤول الملك، بل تحديداً على مبنى هيئة الأركان داخل قاعدة هكريا – فإن هذه تصبح قدرة يمكنها أن تعطل منظومات استراتيجية لإسرائيل. لكن هذا الوصف لم يترجم بعد إلى خطة عملياتية من شأنها كبح مشروع الدقة لحزب الله.

كالمثال عن الضفدع التي تنضج ببطء في وعاء من الماء، نحن أيضاً نقول لأنفسنا بأنه مع أن الماء ساخنة بما يكفي إلا أنها لا تزال لطيفة ولا داعي للقفز منها. يتباهى الجيش الإسرائيلي بالغطاء الاستخباري الممتاز الذي لديه عن لبنان بحيث يمكن التقدير بأنه يعرف بالضبط ما هي درجة حرارة الماء في كل لحظة. اليوم، عندما نكون على مسافة غير بعيدة عن نقطة الغليان، نجدنا ملزمين بأن نعرف ونقرّر بصراحة ما هي درجة الحرارة التي لا يعود بوسعنا أن نحتملها.

لا توجد هنا نية للتقليل من تعقيد هذه المعضلة أو للتخفيف منها. فإسرائيل، تقليدياً، امتنعت عن الخروج إلى الحروب كي تمنع تعاظم قوة العدو أو كما وصف ذلك مائير داغان الراحل "للحرب لا يخرج المرء إلا عندما يكون السيف على الرقبة وبدأ يحز باللحم الحي". والأمور بالتأكيد صحيحة عند الحديث عن حرب في الجبهة الشمالية، فيها إمكانية كامنة لأن تجعل المجتمع الإسرائيلي يعيش تجربة أليمة لم يعشها منذ حرب الاستقلال، ولكن توجد لحظات يصبح فيها التهديد لا يطاق.

بعد سنوات من الانسحاب من لبنان راقب الجيش الإسرائيلي بازدراء تسليح حزب الله المتسارع وقال لنفسه أن "الصواريخ ستصدأ في المستودعات". ولكن في 2006 تساقطت الصواريخ غير الصدئة علينا بالآلاف وبشكل مفاجئ. في حينه كان لدى حزب الله نحو 14 ألف صاروخ. اما اليوم فيوجد له نحو 70 ألف صاروخ ومقذوفة صاروخية.

الميل البشري لصانعي القرار هو التخلص من مثل هذه المعضلة الصعبة ودحرجتها في الشارع، على أمل أن يضطر شخص آخر بالفعل إلى الانحناء ورفعها. ولكن أمام ما ينشأ في لبنان هناك حاجة لزعامة مسؤولة، سياسية وعسكرية، لأن تعرف منذ هذه السنة ما هو الخط الأحمر الذي يلزمها بالعمل.

صحيفة معاريف – بقلم الون بن دافيد

ترجمة وإعداد: حسن سليمان