مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

أمريكا ومقايضة السودان لمحو اسمه من قائمة الإرهاب

توفيق المديني

أمريكا ومقايضة السودان لمحو اسمه من قائمة الإرهاب

في يوم الثلاثاء 5 كانون الثاني/يناير2021، وقّع وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، على أمر شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقال بومبيو في تغريدة على تويتر: "بعد أشهر من المفاوضات، وقّعت على أمر شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وضمان تعويض ضحايا الإرهاب الأمريكيين وعائلاتهم". وتابع: "فرصة للحرِّية مرَّة واحدة في كل جيل.. منافع هائلة".

وكانت الولايات المتحدة أعلنت إلغاء تصنيف السودان "دولة راعية للإرهاب" يوم الإثنين 14ديسمبر 2020. وفي منشور عبر فيسبوك، قالت سفارة واشنطن لدى الخرطوم: "انقضت فترة إخطار الكونجرس البالغة 45 يوماً ووقع وزير الخارجية (مايك بومبيو) إشعاراً يفيد بأن إلغاء تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب ساري المفعول اعتباراً من يوم 14 كانون الأول/ ديسمبر2020، ليتم نشره في السجل الفيدرالي"..

وبعد انقضاء المهلة المحدَّدة، وافق الكونغرس على قانون استعاد السودان بموجبه حصانته السيادية، أتبعه بالموافقة على صرف منح مالية لسداد ديون مستحقة على الخرطوم ولدعم فئات اجتماعية. وذكر بيان لوزارة العدل السودانية أنَّ تشريع الكونغرس يحصّن البلاد من الملاحقة أمام المحاكم الأمريكية في قضايا الإرهاب، بعد الإعلان عن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مع بداية هذه السنة. وقضى تشريع الكونغرس بدفع السودان 335 مليون دولار كتعويضات للمتضررين، مقابل حذف اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب كخطوة أولى، يعقبها شطب الأحكام القضائية الصادرة ضدها في تلك القضايا.

كما يتيح التشريع إبطال كل الأحكام التي قضت بها المحاكم الأمريكية مسبقا في قضية السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام، والقاضية بتغريم السودان 10.2 مليارات دولار، بحسب البيان. كما تشطب تشريع الكونغرس كل القضايا الأخرى المرفوعة ضد السودان، ومن بينها 5 قضايا رفعت هذا العام تتهم السودان بدعم حركة حماس في أعمال إرهابية، تضرر منها مواطنون أمريكيون مقيمون في الكيان الصهيوني، فضلاً عن قضية أخرى رفعها بحارة أمريكيون كانوا على متن المدمرة كول.

خلفيات قرار الاتهام

خضع السودان على مدى سنوات طويلة لحصار اقتصادي فرضته العقوبات الأمريكية وإدراجه في قائمة الدول الراعية للإرهاب التي أثّرت على مفاصل الإنتاج وقوّضت نموّه، إضافة إلى تكبيل قدرته على توقيع التفاهمات الخارجية والاقتراض والاستفادة من المؤسسات الدولية المانحة.

ووضعت أمريكا اسم السودان ضمن القائمة السوداء، في نوفمبر/تشرين الأول من عام 1993، بعد اتهامه بالتورط في دعم وإيواء مجموعات إرهابية في السنوات الأولى لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، وذلك بعد أن اتخذ النظام سياسة الأبواب المفتوحة تجاه عدد من الحركات الإسلامية الجهادية في العالم المناهضة للولايات المتحدة، لاسيما حين استضاف آنذاك الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة، أسامة بن لادن.

كما وجهت واشنطن أصابع الاتهام مباشرة للخرطوم بدعم عمليات إرهابية، مثل تفجير مبنى مركز التجارة الدولي في واشنطن. وحينما وقعت تفجيرات سفاراتي أمريكا في نيروبي ودار السلام في عام 1998، والتي أودت بحياة العشرات، عادت الولايات المتحدة واتهمت السودان بدعمها، ومضت إلى معاقبته، بتوجيه ضربة عسكرية لمصنع أدوية في الخرطوم في العام 1998 بحجة إنتاج المصنع أسلحة كيميائية. إضافة إلى الهجوم الانتحاري الذي تعرضت له المدمرة الامريكية (يو إس إس كول) في ساحل ميناء عدن عام 2000، وقد أدانت محكمة أمريكية السلطات السودانية حينها بلعب دور في هذه الأحداث.

لقد مضى على وجود السودان على لوائح الدول الراعية للإرهاب 27 عاماً، تسببت بتعظيم إفقار هذا البلد المتنوع بشكل مدهش وعلى كل الصعد، بالغ الثراء والإمكانات، مترامي الأطراف، ومحدود عدد السكان.. أي الذي يمتلك كل الميزات التي كان يُفترض أن تجعل أهله ميسورين ومحققين لذواتهم الفردية والوطنية. لكنَّ التأجيج المقصود على الأغلب للصراعات العرقية والدينية والجهوية، كوسيلة بائسة في إدارة الحكم وفي التحكم) وصولاً لانشطار البلد واستقلال جنوبه)، واستنزف البلد الجميل، نمّى ميليشيات نهّابة وإجرامية، ما زالت تُرهب الناس بعد الذي ارتكبته من مجازرَ بحقهم، وما زالت تَغرف الخيرات، وتصادرها لصالح "بارونات" أو مكونات معلومة. وهناك بالطبع، وعلى ذلك من أسباب الافقار، سوء الإدارة وضيق الأفق وعدم الاكتراث بالمصلحة العامة.

لقد دخل الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير في ماراثون تفاوضي طويل مع الإدارة الأمريكية، التي وضعت جملة شروط، من بينها المساهمة في تحقيق السلام في جنوب السودان ومكافحة "جيشِ الرَبِّ" الأوغندي، وتحقيق السلام في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ووقف التعاون مع كوريا الشمالية. وكلَّما نفذت الخرطوم شرطاً استنسخت واشنطن شروطًا جديدةً.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد رفعت معظم عقوباتها عن السودان في فبراير/ شباط من العام 2017، ولكنَّها أبقت البلاد في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما جعل حصول السودان على قروضٍ ومنحٍ جديدةٍ مرهونًا برفع اسمه عن اللائحة السوداء. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد وعدت الرئيس المخلوع عمر البشير برفع اسم السودان عن لوائح الإرهاب تلك، وماطلت ولم تفعلْ.

استجابة الحكم السوداني الجديد للتطبيع

في 11 إبريل/نيسان 2019 تغيَّرَ المشهد السياسي كلِّيًا في السودان بسقوط نظام عمر البشير عبر انتفاضة شعبية، فجَّرها الشباب ورعاها تحالف أحزاب مختلفة، تحت مسمى قوى "إعلان الحرِّية والتغيير"، والذي تمكن لاحقاً من تشكيل حكومة مدنية برئاسة عبد الله حمدوك، مع شراكة على المستوى السيادي مع العسكريين الذين مُنحوا بعض الصلاحيات الأمنية. فوضعت حكومة حمدوك، بعد استلامها مهامها في أغسطس/آب من العام 2019، من ضمن قائمة أولوياتها بند إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب كأولوية. وسافر حمدوك نفسه إلى واشنطن نهاية العام 2019، ودخل في حوار مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي وضعت شرطًا هو دفع الحكومة السودانية تعويضات مالية لأسر ضحايا الهجوم على السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في 1998، وأسر ضحايا تفجير المدمرة "كول" في سواحل اليمن عام 2000، والتي رفعت دعاوي ضد الحكومة السودانية أمام القضاء الأمريكي. وبالفعل بدأت الخرطوم التفاوض معها، وتوصلت إلى تسوية تدفع بموجبها 335 مليون دولار تعويضات، مقابل شطب تلك الدعاوى.

لكنَّ إدارة ترامب، التي تتبنى ما يسمى بـ"صفقة القرن" لإنهاء القضية الفلسطينية، وضعت في الأشهر الأخيرة من سنة 2020شرطًا جديدًا أمام الخرطوم، يتصل بتطبيع العلاقة مع الكيان الصهيوني .وحرّكت لهذه الغاية كل خدمها: أوغندا، حيث جرى لقاء البرهان بنتنياهو في عنتيبي، ثم الإمارات التي تمتلك مع الجناح العسكري في الحكم السوداني علاقاتٍ مميزة منسوجة من شبكات تهريب الذهب المنهوب من كل السودان، وبالأخص من شمال دارفور، وكذلك سواه من "التجارات"، مما يجعلها تتفوق على علاقات هؤلاء العسكر بالسعودية مثلاً، التي "تشجع" الخرطوم هي الأخرى على التطبيع مع الكيان الصهيوني، بينما تحجم عن الهرولة إلى تل أبيب كما فعلت أبو ظبي.

وبعد حماس من جانب العسكر وتردد المدنيين، وافقت الحكومة السودانية على التطبيع مع الكيان الصهيوني. وجرت مكالمة هاتفية جماعية، في أكتوبر/تشرين الأول 2020، ضمت ترامب، ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وحمدوك، سبقها إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 23 أكتوبر 2020 عن توقيعه رسمياً إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وجاءت هذه الخطوة بعد أن حول السودان مبلغ 335 مليون دولار في حساب لضحايا هجمات على سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا وعائلاتهم.

ردود الفعل على القرار الأمريكي

لقد توالت ردود الفعل الإيجابية على شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، فقد سارع البرهان للترحيب، مؤكداً أنَّ القرار سيسهم في دعم الانتقال الديمقراطي ويعزز فرص نجاح الفترة الانتقالية ورفاه الشعب، قبل أن يشكر من أسماهم الإخوة والأصدقاء والشركاء الإقليميين والدوليين الذين دعموا السودان. كما شكر الإدارة الامريكية على اتخاذ القرار التاريخي.

من جهته، اعتبر حمدوك الإجراء انعتاقاً من الحصار الدولي والعالمي الذي أقحم السودان فيه سلوك نظام البشير. وأكد أنَّ السودان سيعود بكامل تاريخه وحضارته وعظمته وعنفوان ثورته إلى الأسرة الدولية، كقوة داعمة للاستقرار الإقليمي والدولي. وأضاف حمدوك أنَّ القرار الذي عملت لأجله الحكومة الانتقالية منذ يومها الأول سيساهم في إصلاح الاقتصاد، وجذب الاستثمارات وتحويلات المواطنين في الخارج، عبر القنوات الرسمية، وخلق فرص عمل جديدة للشباب والكثير من الإيجابيات الأخرى.

وتعليقاً على هذا التطور، رأى القيادي في تحالف "الحرّية والتغيير" الحاكم شريف محمد عثمان أنَّ "الخطوة الأمريكية ما كانت ستحدث لولا نجاح الثورة السودانية التي أطاحت النظام البائد، الذي ورط البلاد في تلك القائمة لعقود". وأشار إلى أن الوقت قد حان لأن يجني السودانيون ثمار ثورتهم، بتلك النقلة المهمة التي ستخرج البلاد من عزلتها وتعيد دمجها في المجتمع الدولي. وأوضح عثمان، أنَّ فوائد جمة ستعود على البلاد بهذا القرار، إذ يمكنها من الآن وصاعداً التحرك في المجال الإقليمي والدولي بلا قيود، ويتيح لشركات الاستثمار الدولية الدخول إلى السوق السوداني من دون تعقيدات. كما أنه يمكن السودان من إعادة تأهيل الكثير من قطاعاته. واستدرك عثمان بقوله إن خطوة رفع السودان من قائمة الإرهاب لا تعني نهاية التحديات أمام الحكومة الانتقالية، فالطريق أمامها طويل، لا سيما في مجال إكمال عملية السلام ووقف الحرب في البلاد، وانتهاء بعملية التحول الديمقراطي نفسها التي تواجه العديد من العقبات، حسب تقديره.

وكذلك وجد القرار الأمريكي ترحيباً من أوساط أحزاب المعارضة السودانية مثل حزب "المؤتمر الشعبي"، الذي اعتبره خطوة كبيرة ونقلة مهمة في إعادة دمج السودان في المجتمع الدولي، وفاتحة لخطوات مقبلة، مكملة لترسيخ وضع السودان كدولة بلا قيود ولا حظر، ويفسح المجال أمام أصدقاء السودان وشركائه الدوليين للتعاون معه. وطالب القيادي في "المؤتمر الشعبي" موسى كرامة، الحكومة باتخاذ خطوات تكميلية، لتؤكد للعالم أنَّ السودان الجديد تحمّل مسؤولية أخطاء النظام السابق وأخطاء أخرى تاريخية، ودفع ثمن أخطاء لم يرتكبها.

واعتبر الخبير الاقتصادي عادل عبد المنعم في حديث مع صحيفة "العربي الجديد بتاريخ 21 أكتوبر2020، أنَّ الخطوة منتظرة منذ 25 عاماً، بعدما ألحقت اللائحة السوداء الأضرار بالاقتصاد السوداني، وساهمت في انهيار البنى التحتية وشركات الطيران وسكة الحديد والموانئ البحرية بحرمانها من عمليات التحديث والصيانة. وأشار إلى حرمان البلاد أيضاً من مبلغ 800 مليون دولار سنوياً عبارة عن منح توقفت منذ أكثر من ربع قرن لم يستفد منها السودان.

وقال إنَّه بعد إزالة اسم السودان من اللائحة سوف يصل إلى أسواق المال الدولية، وسيتمكن من حلِّ مشكلة تحويلات المستوردين والمصدرين للحصول على السلع التي كانت تصل نسبة ارتفاع فاتورتها إلى 30% بسبب العمولات التي أدت إلى مزيد من التدهور الاقتصادي والمعيشي وغلاء الأسعار. ولفت عبد المنعم إلى أنَّ الأسواق المالية الدولية تبحث عن اقتصادات متعطشة للاستثمارات، بحيث تُعتبر ملاذات آمنة وذات مردود مضمون، "فالسودان يتمتع بموارد طبيعية، وعائد الاستثمار الداخلي كان مرتفعاً رغماً عن الحصار والعقوبات، لذا يستطيع المستثمر استرداد رأس ماله في فترة وجيزة".

توفيق المديني