مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

ما أروع أن تُفْتحَ صفحاتٌ‏.. ما أصعبَ أن نطوي صفحات‏

غسان عبد الله

أول الكلام

ما أروع أن تُفْتحَ صفحاتٌ‏.. ما أصعبَ أن نطوي صفحات‏

عذراً.. جئتُ من الأبعادِ‏ أقلبُ في أوراق الصمتْ‏.. أفتحُ صَفْحَاتٍ للفكرِ‏ وأرتجُ بوابات الأمسِ، أتلمّس عبرَ الوقتِ الهاربِ..‏ عبرَ حدودِ خيالٍ بكرٍ..‏ درباً بان بدون ملامح..‏ فيه غبارُ رحيلِ العمرِ غداةَ رحلتُ‏ والطيفُ الجاثمُ فوقَ وعاءِ السُّهد ينادي‏ عذراً سنواتِ الترحالِ وعذراً يا شطآنَ النفسِ‏ من ذا يقبعُ في الأبعادِ ويسلخُ جلداً كالثعبان؟.‏

تنتابُ الروحَ همومٌ شتى في الترحالِ كما الأحزان‏ عذراً يا سنواتِ العمرِ وعذراً يا بحرَ الوجدانْ‏ ألقيتُ عصاي بُعَيْدَ العَودِ هناكَ بعيداً في الأصقاع.‏ وركبتُ جناحَ الْوُدِّ النازفِ منذ سنين.‏

كم كان يزاحِمُ فيَّ الإحساسُ شعوراً في عتماتِ اليأس،‏ وصراعُ النفس غريبٌ يقرعُ في الآذان‏.. أسلستُ قيادَ المُهرِ الراحلِ دون عناءْ.. وقطعتُ بأمرٍ دون نكوصٍ أو إبطاءْ.. وعبرتُ فلاةً كِدتُ أكونُ لها سنداناً..‏ تتوالى طرقاتٌ كالهولِ وتزعق في خوفٍ كجبان..‏ وسماءُ الغيم النازفِ بالقطراتِ السودِ تتوشَّحُ أرديةَ الربانْ‏ وتُزمجِرُ في كلِّ الطُّرقاتِ‏ وعيونُ الذِّئبِ الرابضِ عند مسيلِ النهرِ‏ تحملِقُ في كلِّ الأرجاء..‏ والمهرُ انطلقَ غداةَ انهارتْ كلُّ حصونِ البُعدِ وزالت كالأوهام.. يتباهى في مشي الخيلاِء‏ ويسابقُ آلاف الأقدامِ ويجوسُ خلال الزمنِ الزّاهدِ بالأعوامِ‏ نحو الإنسانِ لأرضِ الشَّهدِ ونبعِ العِطرِ ومسرحِ آمالِ الشبّانِ‏ في كلِّ طريقٍ يمثُلُ فجرٌ من شُرُفاتِ فضاءِ الكونِ‏ في كلِّ شعاعٍ يبزُغُ نورٌ يشرِقُ من عينِ الأفراحِ‏ يتهلّلُ بالأملِ المنشودِ ويُفْتحُ للآتينَ ذراعَ‏ وخلال البوحِ المرِّ وهمسِ العاشقِ للمعشوقِ يكون هناكَ‏ حديثُ حنينٍ ومناجاة...‏ ما أروع أن تُفْتحَ صفحاتٌ‏.. ما أصعبَ أن نطوي صفحات.‏ من كلٍّ منها حقبةُ عمرٍ أو تأريخٌ للإنسان.‏

الرحلةُ بدأت والأفكارُ تتالت.. تزحمُ كلُّ نزوعٍ‏ وتلوحُ على أفقِ اللحظاتِ بروقٌ تُومِضُ كالأجرامِ ورقيبُ الغربةِ لا ينفكُّ يعزِّزُ تأجيجَ الترحالِ‏ ويسارِعُ بالخطوِ الوثّابِ‏ ويتركُ أعباءَ الأقدارِ‏ أرخى للمهرِ عنانَ السَّبْقِ وطارَ على صفحاتِ الماءِ‏ وغزا في الّليلِ جناحَ الليلِ وأشْعلَ في الظُّلماتِ حريق‏.. ما زال يغامر في التجوالِ ويعبُرُ آلافَ الأميال..‏ لحظاتُ العَوْدِ حنينٌ ينفُذُ للمجهول‏.

تتداعى كلُّ حصونِ المالِ وتركعُ جاثيةً خجلى‏ ويصيحُ نداءٌ بعدَ نداءٍ في خفقات القلبِ رهيب‏ وأوارُ الحبِّ تمرَّدَ في ذعرٍ ونحيبٍ‏ والصمتُ اجتاحَ حدودَ الصمتِ وأعلنَ عن بدءِ الإعصارِ..‏ ما زال صراعٌ في الأحشاءِ يثور على نغم المزمار.. ما زال يعاندُ سِحْرَ الزهوِ ويجنح في عنف للنار..‏ ما زال يباعِدُ كل رتيبٍ أوْغَلَ في عشقِ الأسفار..‏ كم حط على شطآنِ الصبحِ ونامَ على زَنْدِ الأقدار؟‏ كم قلَّبَ في البلدانِ شراعاً لاحَ وكان هو البحّار؟.. وعلى كتفيه تدلّت أشلاءُ التّذكارِ وانْسدَلَ ستارٌ دون الغربِة بعد ستار‏.. ما أجمَلَ أن تزهو النجماتْ.. ما أعذَبَ سلسالَ الأفكار..‏ امضِ يا مهرُ فها قد عدتُ إلى الأحباب‏ وها قد جئتُ إلى الأقمار‏.

ما أروعَ أن تُفتحَ صفحاتٌ‏.. ما أصعبَ أن نطوي صفحات.. امضِ يا قلبُ وانهلَ من رضابِ العشقِ غيثاً.. واعطِ للتربِ من غيثِ الصبِّ قطراتْ.‏

غسان عبد الله