مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

الحوار العربي في التّاريخ والواقع المعاصر.. هل من عقل ينفتح وجسور مودةٍ تمتد؟!..

نبيل علي صالح

الحوار العربي في التّاريخ والواقع المعاصر..

هل من عقل ينفتح وجسور مودةٍ تمتد؟!..

التاريخُ الإسلامي - مثل أي تاريخ آخر- مضى ورحل بكل ما فيه من أحداث ووقائع مادية ورمزية.. ذهبَ في طيات الزمان محتلاً حيزه ومكانته في ذاكرة البشر والمجتمعات..

وبهذا هو لن يعود، ولا يمكن أن يُستعاد بالمعنى المادي العضوي، لكن يمكن استعادة أحداثه ووقائعه (وذكرياته) المفيدة وآثاره الفكرية وقيمه العملية النافعة التي يمكن أن يكون لها دور إيجابي في حاضر مجتمعاتنا ومستقبله، أو تسهم لديهم في تمكين معاني القيم الأصيلة، قيم ومبادئ العدل والحق والمشتركات الحضارية الإنسانية مع بني البشر الآخرين في عصرنا هذا، بمختلف انتماءاتهم وخلفياتهم المتنوعة دينياً وأيديولوجياً وقومياً ومذهبياً وإثنياً وجهوياً وووإلخ..

وبطبيعة الحال، لن نستطيع الوصول إلى هذا المطلب المركزي الاستراتيجي – إذا صح التعبير - في الثقافة الإسلامية، بتوسل أدوات الصراع العضوي، واتباع أساليب القوة والعنف واتّباع وسائل الإكراه والفرض، بل بالسير على طريق التفاهم والحوار والعقل الهادئ، طريق الوعي والنقد والمسؤولية الإنسانية، وفقط من خلال الإقرار والاعتراف بوجود "آخر"، مختلف عنّا ومغاير لنا، فكراً وجسداً وعقيدة ورؤية، وهذا هو معنى الحوار في أساسه الموضوعي الذي اعتمده ديننا الحنيف في صلب القرآن الكريم ومقاصد العقيدة ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾(هود/118).. نعم بالحوار الموضوعي الهادف والهادئ والعقلاني، والبعيد عن الكبت والإقصاء وتحريف الحقائق، وتوسّل أساليب العنف والإكراه، يمكن التفاهم والاتفاق والسير مع أي مختلف حتى لو تناقض جوهرياً مع ثقافتنا ومجالنا الحضاري، فالمشتركات الإنسانية التي كرسها الإسلام واسعة الخيارات والامتدادات.. نعم، نتحاور بالعقل والهدوء الفكري، ومن ثم نحترم ونقدر بعضنا، بعدها نبني على مشتركاتنا الحضارية الإنسانية.

ومدرسةُ الحوار في الإسلام على المستوى النظري - وليس العملي للأسف - هي من أرقى المدارس الفكرية والحوارية التي مارسها الرسول الكريم وأهل بيته الطاهرين، أئمة الهدى وأنوار التقى.. لماذا؟ لأنها أقرّتْ واعترفتْ عملياً بوجود خلافات واختلافات فكرية وغير فكرية بين الناس في عقائدهم ومناهج عملهم وتنوع خياراتهم، وأن من حق الجميع التعبير عنها في سياق عملية الحوار بهدف الوصول إلى الحقائق.. يقول تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة سبأ/24).. وهذا يعني أنّ هناك طرفين للحوار لا يتقدّم طرفٌ على آخر بدرجة، بل هما متساويان في مسألة الحوار، يتحاوران على كل شيء وفي كل شيء.. أما باقي مدارس الحوار كلها -بما فيها المدرسة الغربية- فقد قامت على الاعتراف بالآخر، لكن مع اعتباره على خطأ وليس على صواب، وعلى هذا الأساس كانت – وما زالت - تدار دفة الحوار في المجال الثقافي والسياسي الغربي بالذات.

والإمام علي بن موسى الرضا(ع) – وهو أحد أئمتنا الكرام (عليهم السلام) الذي اخترناه كنموذج للحواري العقلاني - كانَ رجل الحوار في عصره (مثلما كان كل إمام سيد ورجل الحوار في وقته وزمنه).. فقد انطلق ليحاور ويناقش (بلا مخاصمة نفسية بل من موقع القوة الفكرية والمعرفية) كل تيارات عصره الفكرية والعقدية والدينية والسياسية، حاور كل من خالفه الرأي والمعتقد والدين والعقيدة من أتباع الديانات الأخرى وأصحاب المقالات وغيرهم، من المؤمنين والدهريين.. وتشهدُ له بهذا كتب التاريخ الكثيرة التي استوفت الإشارات الواضحة عن حواريته وعقلانيته وهدوئه وسعة صدره، وتوسّعت في الحديث عن هذا الجانب الحيوي من سيرته العطرة، خصوصاً في المجالس التي كان يعقدها الخليفة المأمون خصيصاً لتتم الحوارات والمناظرات عنده في بلاطه الخاص.

وهذه الحالةُ الحِوارية والمناخُ الحواري الذي نشره وعمّمه وانتهجه الإمام الرضا(ع) قيمة كبرى يجب أن نستلمها درساً وعبرة وموعظة حسنة في عصرنا اليوم، سعياً لتمكين العقلية الحوارية النقدية والعلمية في مختلف أوساطنا الفكرية والسياسية، حيث أن الحوار في مدارس اليوم الفكرية والمجتمعية وحتى العلمية البحثية، يقوم للأسف على الإقصاء والاستبعاد والإقصاء والنفي، والنفي المتبادل.

طبعاً ليست الغاية من الحوار، الحوار ذاته، وأن يتحاور المختلفون إلى ما لا نهاية، بل لا بد من وضع شروط للحوار، وأساسه أن يكون هناك فكرة جوهرية وغاية كبرى يسعى المتحاورون للوصول إليها والتمكن منها.

واليوم، ونحن نعايش – في مجالنا العربي والإسلامي المعاصر - التجارب المريرة لأمتنا ومجتمعاتنا في فشل نخبها الحاكمة ببناء دول العدالة والمؤسسات التي دعت إليها قيمنا ومبادئنا الإسلامية، نرى أننا أحوج ما نكون إلى فضيلة الحوار، بين بعضنا بعضاً في داخل أوطاننا (وليس فقط بيننا وبين الآخرين خارج بلداننا وأوطاننا ممن نحن نختلف معهم جذرياً في العقيدة والفكر والسياقات الحضارية)، بدلاً مما نراه أمامنا من استمرار هيمنة مواقع القوة واعتماد مختلف أساليبها بين الأخوة، أخوة الوطن الواحد والمجتمع الواحد.. حتى باتت مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً – إلا ما رحم ربي - تتفجر يومياً بأزماتها وتعقيداتها ومشكلاتها المصيرية التي لم تجد لها النخب الحاكمة أية قنوات للتفاهم أو أية حلول ومعالجات جدية إلى يومنا هذا، وعلى أكثر من صعيد سياسي واقتصادي وغيرها.

وللأسف، لقد اعتمد الجميع منهج الخلاف والأزمة، لا منهج الحوار والوعي والمسؤولية.. والأزمة – كما نعلم - هي صفة لواقع ضاغط ومعقد وغير طبيعي، يعيشه فرد أو مجتمع أو دولة أو أمة.. أو هي حالة قاهرة استثنائية يعيشها هؤلاء في سياق مواجهاتهم الداخلية والخارجية ضمن سعيهم لتحقيق وجودهم الفعال والمنتج على أكثر من صعيد.. والأزمة تعبير عن مرض أو أمراض يعاني منها المجتمع ككل، تمنعه من تحقيق حاجاته الوجودية حتى بمعناها الأولي البسيط.. أو تؤخر وصوله إليها.

وتتجلى معاني وملامح الأزمة أو الأزمات التي تعيشها أو تواجهها بلداننا ومجتمعاتنا العربية المأزومة مصيرياً (عضوياً ورمزياً)، في صور وأشكال عديدة، منها:

1- هيمنة عقلية الصراع لا الحوار، وحدوث حروب سياسية عنفية متواصلة فيها تستتر أحياناً بالسياسة، لكن سرعان ما تشتعل حروباً دموية قد لا تبقي ولا تذر.

2- عندما لا تحتوي الدولة على آليات ومواقع وقنوات وآليات تنظيم سياسية مدنية حقيقية لا شكلية ديكورية للتعبير السياسي الحر والرشيد لإدارة الصراعات السياسية بين المختلفين فيها، بالعقل والحوار المؤسسي الرصين تحت ظل القانون والقضاء.. بعيداً عن العنف والإقصاء والإكراه وأساليب القوة العضوية، فمن البديهي عندها أن تسود لغة الصراع والحرب والتقاتل الداخلي.

3- استمرارية الأزمات في أية دولة دلالة على وجود مكامن زلزالية غير طبيعية وبنى عميقة متصدعة غير مستقرة فيها، تخمد أحياناً وتفور أحايين أخرى مسببة أمراضاً ومشكلات قد تصل حدود الاستعصاء والإزمان..

4- العجز عن تلبية حاجات الناس الأساسية هو شكل من أشكال الأزمات، إنْ لم يكن أخطرها وأشدّها ضرراً وتكلفةً لمعنى بنية الدولة القادرة والعادلة والقوية.

5- أيضاً تكون الدولة - أية دولة - مأزومة وغير مستقرة، عندما ينهشها الفساد وتأكلها حيتانه، ولا تتحقق العدالة فيها إلا لمماً..

.. إن الدول التي اعتمدت الحوار ومنهج التعددية والتداول السلمي للسلطة، هي فقط الدول التي نهضت وحققتْ (وتحققُ) معدلات نمو عالية، وإنتاجات قومية كبيرة، ودخول نقدية مرتفعة، وحققت (وتحقق) فائضاً في إنتاجياتها الصناعية والزراعية والصناعية؛ بحيث يكون ميزانها التجاري رابحاً.. إنتاجيتها عالية، وصناعاتها مزدهرة، وتجاراتها واسعة ومتنوعة، وصادراتها متزايدة وعالية وأعلى وأكبر بكثير من مستورداتها، وصناديقها السيادية (عمرانة أو عامرة) ومليئة بالعملات الصّعبة، والاستثمارات فيها كبيرة ومفتوحة وشغّالة فيها على طول الخط.. وقوانينها وأنظمتها المالية حديثة غير مُعيَّرة (وغير مفصَّلة) على مقاسات خاصة.. يعني اقتصاد قوي متين، ونظام سياسي تعددي حر بعيد عن الشخصنة والفردية والإقصاء، يقوم على المشاركة والتداول السلمي.

.. فهكذا دول قوية تعددية مدنية حرة، لا نستطيعُ أن نقول عنها أنها مأزومة.. وحتى لو جرت فيها صراعات وسجالات سياسية طاحنة إعلامياً ودعائياً وقضائياً، فهي صراعات تقوم على الحوار والسجال، وهي قضية أو مسألة طبيعية جداً، ومضمونة ومكفولة بالدستور والقانون، طالما هي تحت سقف الحوار والقانون (المُصان والمُحْتَرَم من قبل الجميع)، وتحت سقف النقد البنّاء والصراعات السياسية السلمية التداولية..

إن حاجتنا في هذه الأمة إلى الحوار ربما تفوق حاجتنا للطعام والشراب، وباقي الحاجات اليومية، لأن المجتمع الذي لا تتحقق فيه أجواء الأمان والاستقرار سينفجر من داخله، حيث أفراده منشغلين صراعياً وتدميرياً ببعضهم بعضاً، بالتالي لن يجد الناس في هذا المجتمع المتفجر المتصارع، مسكناً ولا طعاماً ولا حاجة عضوية لهم ليصلوا إليها.. فهو في أزمة لا أمان ولا استقرار مستمرة.. والسبب هو الافتقاد للغة الحوار والتفاهم بين بعضنا البعض.

نبيل علي صالح