مجلة البلاد الإلكترونية

تجمع العلماء المسلمين: يتوجه للبنانيين بالتهنئة بالذكرى السنوية للقادة الشهداء مستذكراً جهادهم الذي كان سبباً في تحرير لبنان من رجس الاحتلال الصهيوني

العدد رقم 272 التاريخ: 2021-02-20

أين المثقّفُ العربيُّ؟!...

غسان عبد الله

هامش ثقافي

أين المثقّفُ العربيُّ؟!...

مع كلّ هزّة عنيفة تخضُّ وجودَنا الحضاري، وتهدِّدُ مستقبلنا، يطفو السّؤال القديمُ الجديدُ على السّطح: أين المثقّفُ العربيُّ؟ وما هو الدّورُ الذي ينبغي أن يقومَ به على أرضِ الواقع؟ ثمّ هل يظلّ متوارياً هناك في برجه العاجيّ، ويكتفي بإسداء النّصح للجماهير، أم يهبطُ إلى الشّارع وينخرطُ في فعل المواجهة مع الأعداء؟‏..

أمام هذه الأسئلة تنقسم الآراء في المناقشات الدّائرة إلى اتّجاهين متناقضين:‏

الاتجاه الأول: ويسعى أصحابُهُ إلى تبرئةِ ساحةِ المثقّف ممّا يحدث.. وحجّتهم في ذلك تقومُ على فرضيّةٍ مَفادُها أنّ مشاغلَ الثّقافةِ عموماً هي مشاغلُ خاصّةٌ ذاتُ تأثيرٍ ضئيلٍ على حركة الأحداث.. وأنّ فعلَها الحقيقيَّ لا يظهرُ بشكلٍ ساطعٍ بقدرِ ما يكتنزُ ويتخلّقُ ويكمنُ في منحدراتِ الرّوحِ الجماعيّة.‏

الاتّجاه الثاني: ويميلُ أصحابُهُ إلى اتّهامِ المثقّفِ بالانهزامِ والتّقهقرِ والتّخلّي عن أحلام الأمّة، والبحث عن أمجاد صغيرة بائسة لا تتعدّى دائرة ذاته. وفي هذه الحالة يتم تحميله أوزار المرحلة، وكأنّها من فعل يديه.‏

في الحقيقة، الاتّجاهان السّابقان في تشخيص دور المثقّف، وإن ظهرا على هذه الدّرجة من التناقض تجمعهما أرضٌ مشتركة. ويصدران عن عقليّةٍ واحدةٍ تقوم رؤيتها على نفي المثقّف خارج سياقه. فهو في الحالة الأولى معلَّقٌ في الفراغ، لا ينبغي لقدميه أن تلامسا ذلك الترّاب المجرّحَ المطعونَ الفائضَ بالصّراخ. وهو في الحالة الثانية مجرّدُ تابعٍ صغيرٍ للسياسيِّ، عليه أن يخلعَ قميصَهُ البسيطَ، ويرتدي درعَ المحارب. وفي اعتقادي أنّ السّبب الكامن وراء مثل هذه التّصوّرات يعودُ إلى تلك الأزمةِ العميقةِ التي تعصِفُ بذاتِنا الجمعيّة. تلك الذات التي تعكّرتْ في مرآتها الأحلام، وأصبحت تهذي أمام ضراوةِ الفاجعة.‏

الاتّجاهان السّابقان أيضاً سواءٌ اتّفقنا أو اختلفنا معهما لن يحلاّ المشكلة أو يُلغياها. فثمّة تاريخٌ كاملٌ يتهدّم، وثمّةَ مستقبلٌ يفترِسُهُ المجهول. منذ نصفِ قرنٍ والهزائمُ تتنزّل على رؤوسنا، هزيمةً وراءَ هزيمة حتّى ضاقتِ الأرضُ بنا، وأصبحتِ الحياةُ لا تُطاق. في كلِّ مرّةٍ كانتِ الأمورُ تتفاقمُ وتسيرُ من سيّئٍ إلى أسوء. وما إن دخلنا الألفية الثالثة حتّى دلفنا إلى تيه جديد.‏

ما العمل؟ سؤالٌ قد تبدو الإجابةُ عليه ضرباً من العبثِ في ظلِّ حالةِ التّردي الكاسحة. حيث تتّجِهُ الأنظارُ هنا أوّل ما تتّجِهُ إلى معاينةِ الوقائعِ السياسيةِ والاجتماعيةِ. وفي الوقت نفسه تجري عمليةُ إغفالٍ كاملةٍ للجانبِ الثقافيِّ باعتبارِه جانباً هامشياً لا يقدِّم ولا يؤخِّرُ في صيرورةِ الحياة! تحت ذريعة أن ما يحدُثُ في الثقافةِ ليس إلا نتيجةً منطقيةً لما يحدث على المستوَيَيْن السياسي والاجتماعي.‏

لكنّنا لو تأمّلنا الأمورَ بدقّةٍ سنخرجُ بنتائج مغايرةٍ وعلى العكس ممّا توقّعناه تماماً. وسنجِدُ أن سببَ المأزِقِ الذي نعيشُهُ يعودُ في الدرجةِ الأولى إلى عُطْبٍ في العَصَبِ الثقافيِّ. وهكذا فإنَّ الأحداثَ الكبيرةَ التي مرّتْ والهزائمَ التي عصَفَتْ بنا تمثِّلُ شكلاً من أشكالِ هزيمةٍ ثقافيةٍ كبيرةٍ ضربتنا في العمق.‏

من هنا يمكن القول إن معالجةَ الخللِ ينبغي لها أن تبدأَ أوّلَ ما تبدأ بالمسألةِ الثقافية. لا بدّ أن تَجري هناكَ حواراتٌ عميقةٌ ومكثّفةٌ وأن تطالَ كلّ شيءٍ. ولا بدّ أن يتقدّمَ مفكرو الأمّة ومثقفوها ليأخذوا دورهَمُ الطليعيُّ في المواجهةِ. وفي هذه الحالةِ عليهم أن يضعوا في الحسبانِ التّغيّراتِ الطاحنةَ التي تعصفُ بالكوكب، والمناخاتَ الجديدة التي أصبحت تتحكّم بسيكولوجيا الأفراد والدول في ظلِّ جائحةٍ أربكتِ الأمم وضاعَ فيها الكثيرُ من الأمنيات والأحلام. فثمّة زمنٌ طويلٌ مرّ وتحوّلاتٌ كبيرةٌ حدثت حتّى وقتنا الحاضر. زمنٌ انتهت فيه فكرةُ الثوراتِ التقليديةِ وفكرةُ الحروبِ التقليدية وفكرةُ الدولةِ المعروفة، واجتاحتنا في نهاياته عاصفةُ الأوبئة، فرجَّتْ كلَّ شيء.‏

حتّى الآن تمّ تجاهل الثقافة واستثناؤها كفعلٍ خلاّقٍ ومندغمٍ في نسيجِ التغييرِ. أو لِنَقُلْ تمّ تهميشُها وإفراغُها من محتواها، فانقلبتْ إلى (ثقافة مضادة) فتكتْ بروحِ الإنسانِ العربيِّ وأوصلَتْهُ إلى أجواءِ الهزيمةِ المعاصرةِ. وعودةً إلى الماضي القريبِ سنجِدُ أن حركةَ التحرُّرِ الوطنيِّ العربيةِ، وحالةُ المدّ القوميِّ في ستينياتِ القرنِ العشرين لم ينبثقا إلا من أرضِ الثقافةِ الخصبةِ، التي ألهبتْ خيالَ الإنسانِ العربيِّ بنارِ الحرية وأمَدّته بطاقةٍ عظيمةٍ لا تنضب. في العقودِ الماضيةِ، وتحديداً منذ بدايةِ السبعينيات أخذتِ الأمورُ تتبدّل. وعلى الرغمِ من انتشارِ التعليمِ وازديادِ دُورِ الطباعةِ حينها بشكلٍ ملحوظ، إلا أن ذلك لم يساهِم في صياغةِ ثقافةٍ عضويةٍ فاعلةٍ مثلما كان الأمرُ عليه في الستينيات. فقد دَخَلتِ الثقافةُ العربيةُ هنا دهاليزَ الدولِة القُطْرية، وانعطفتْ إلى الوراءِ مُقادةً بعصا الطاعة الآمرة. وما هي إلا سنوات قليلة مرّت حتّى تشوّشت الرؤيا. ففي هذه السنوات فاجأتنا من حيث لا ندري هجمةُ التطبيعِ الماكرة.. فتغيّرَتْ كلُّ المُثُل وتحولَتْ إلى ثقافةٍ مضادةٍ لنفسها.. تحارِبُ ما عداها داخل الأمة. ثقافةُ الانهزام.. بل هي ثقافةُ الركون والزّحفِ والاستسلام وأصبحَ المثقّف الذي يحملُ كرامتهُ على كفِّ ثقافتِهِ المُمانِعة عرضةً للتخوين والعمالةِ للفُرسِ(...)!.  ‏

يتجلّى دَور الثقافة كفعل إنساني وكمحرّك عظيم الآن في محور الممانعةِ والمقاومةِ لكلِّ أشكالِ الخيانةِ والتطويعِ والتطبيعِ. فالمثقّفُ الأيديولوجي لا يملك من السلاح المتطوّر شيئاً يُذكَر أمام قوّةِ الميديا المفبركة من قبل الاستخبارات العالمية. وعلى الرغم من ذلك لا يزالُ يقفُ بنديّةٍ كاملةٍ أمام عدوّه، وقال له أنا هنا سوف أواجهك بعزيمةِ ثقافتي الواعية.. ولن أتركُكَ تهيمن على عقول شعوبنا مهما ظننتَ أن الميديا التي تسخِّرها بكاملِ قواك سوف تهيمن على أمتنا الواعية.. والسايبرُ هي حربٌ مفتوحةٌ بيننا وبينكم وهي اليوم في صلبِ مفاهيم ومقومات ثقافةِ أمتنا، وسوف أنتصر عليك.

غسان عبد الله