مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

بايدن في خطاب التنصيب.. هواجس مع بعد الرئاسة

ابتسام الشامي

بايدن في خطاب التنصيب.. هواجس مع بعد الرئاسة

نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تمرير تنصيب "هادئ" لرئيسها الجديد، بعد ما تحولت واشنطن إلى ثكنة عسكرية لحماية الحدث، لكن من المشكوك فيه أن ينجح الأخير في معالجة ما اعترى مجتمعها من شروخ عميقة وما يعصف بها من أزمات داخلية وعلى مستوى مكانتها العالمية..

ولعل اقتحام أنصار الرئيس المنتهية ولايته مبنى الكونغرس في لحظة المصادقة على نتائج فوز خلفه بالرئاسة، كان ابلغ تعبير عما تعانيه الإمبراطورية المتهاوية.

خطاب بايدن

لم تشهد الولايات المتحدة الأمريكية تمرد رئيس على منظومتها الديمقراطية كما فعل دونالد ترامب، فحتى اللحظات الأخيرة من ولايته ظلَّ يمنِّي نفسَهُ بانقلاب على الانتخابات ونتائجها، يضمن له ولاية جديدة في البيت الابيض، بعدما اعتقد جازماً بأن الانتخابات سُرِقت منه. وما بين غزوة الكونغرس التي نفّذها أنصاره في السادس من الشهر الجاري بتشجيع ودفع مباشر منه، وما بين تنصيب الرئيس الجديد جو بايدن في العشرين من الشهر نفسه، عاشت أمريكا ومعها العالم، أياماً من اللايقين الممزوج بمستوى عال من القلق مما يمكن أن يقدم عليه ترامب لإرباك عملية الانتقال والاحتفاظ بالسلطة.

وإذا كانت إيران قد ردّت على التحركات العسكرية الأمريكية في الخليج بأربع مناورات أظهرت استعدادها للتعامل مع أي مغامرة أو خطأ في حسابات الإدارة الراحلة، فإن المؤسسة الأمنية الأمريكية استعدت هي الأخرى لمواجهة سيناريو فلتان أمني عشية التنصيب، وأطلقت الكثير من التحذيرات من وجود فريق تنفيذي لهذا السيناريو، فتحولت العاصمة الأمريكية خلال الأيام الماضية إلى ما يشبه الثكنة العسكرية مع انتشار 25.000 من عناصر الحرس الوطني تأميناً لحفل التنصيب الذي غاب عنه ترامب، مفضّلاً الخروج من البيت الابيض على أن يرى بايدن يدخله ويقسم اليمين الدستورية على احترام دستور البلاد وحماية مصالحها.

خطاب التنصيب

غادر ترامب البيت الأبيض مع لقب الرئيس المعزول مرّتين وقد لا يستطيع العودة اليه إذا ما جرت المصادقة على محاكمته بقضية غزوة الكونغرس في مجلس الشيوخ، وفي وقت تنفس فيه الديمقراطيون الصعداء لرحيله، فإن تركته تبدو ثقيلة جداً على ساكن البيت الأبيض الجديد الذي سيكون عليه إعادة ترميم ما هدّمه سَلَفه، سواء في علاقة الأمريكيين بعضهم ببعض ونظرتهم إلى دولتهم ودورها، أو في علاقاتها الخارجية مع الأصدقاء والأعداء على حد سواء.

خطاب بايدن في حفل التنصيب بدا مستجيباً للتحديات التي تنتظره وعلى رأسها إعادة الاعتبار لصورة البلاد ومنظومتها "الديمقراطية" التي تهشمت بفعل أداء الرئيس السابق وأنصاره، ولذلك فإنه بادر إلى مخاطبة الأمريكيين بالتحذير من خطورة ما وصفه بالهجوم على الديمقراطية قائلاً: "أيها الناس، لقد حان وقت الاختبار. نحن نواجه هجوماً على ديموقراطيّتنا، وعلى الحقيقة، وفيروساً مستعراً، وظلماً لاذعاً، وعنصرية منظمة، وأزمة مناخية، ودور أمريكا في العالم".

وأمام مشهد الانقسام الذي كشفته الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حضّ الرئيس الجديد على ضرورة سريان روح الوحدة في أوساط الأمريكيين، وهو كرّر كلمة الوحدة مرات عدّة في خطابه من دون أن يحدّد خارطة عمل لكيفية جمع الأمريكيين، معترفاً بأن تحقيق ذلك سيكون صعباً وسط حالة التشظي التي تضرب المجتمع الأمريكي. وأضاف قائلاً: "الحديث عن الوحدة يمكن أن يبدو للبعض مثل خيال أحمق هذه الأيام.. أنا أعرف أن القوى التي تفرقنا عميقة وحقيقية. لكنني أعلم أيضاً أنها ليست جديدة". وإذ تعهد بأن يكون رئيساً لكل الأمريكيين، وعد بمحاربة العنصرية و"بإلحاق الهزيمة بنزعة تفوّق العرق الأبيض والإرهاب الداخلي".

ولم يفت بايدن التصويب على ترامب الذي كان له الدور الكبير في تفجير فتيل الأزمات السياسية التي تعيشها أمريكا، ومنها التشكيك بالانتخابات وبالتالي الإساءة إلى ديمقراطيتها وتهديد استقرارها الأمني، ومن دون أن يسميه قال الرئيس المنتخب "يجب ألا تؤدي كل الاختلافات إلى حرب شاملة. وعلينا أن نرفض ثقافة التلاعب بالحقائق نفسها وحتى اختراعها" وأضاف: "هناك حقيقة وهناك أكاذيب، أكاذيب تطلق من أجل السلطة والكسب. وعلى كل منا واجب ومسؤولية، كونه مواطناً أمريكياً، وخصوصاً كمسؤول، الدفاع عن الحقيقة ومحاربة الأكاذيب".

تصحيح المسار الخارجي

وبقدر ما بدا الرئيس السادس والاربعون للولايات المتحدة مهتما بمعالجة الازمات المتشعبة في الداخل، فإنه بدى متأهبا لإصلاح ما خرّبه ترامب على صعيد علاقات أمريكا الخارجية. وفي الخطاب الذي استمر نحو عشرين دقيقة حرص بايدن على طمأنة الحلفاء بقوله: "سوف نصلح تحالفاتنا، ونتعامل مع العالم مرة أخرى، ليس لمواجهة تحديات الأمس، ولكن لمواجهة تحديات اليوم والغد. وسوف نقود ليس فقط بمثال قوتنا، ولكن بقوة مثالنا". وبالتزامن مع هذا الخطاب سارع بايدن إلى إصدار 17 أمراً رئاسياً للعودة عن إجراءات اعتمدتها الإدارة السابقة ومنها العودة إلى اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية. وهي قرارات تركت ارتياحاً في الأوساط الأوروبية التي رحّبت به صديقاً لأوروبا.

خاتمة

في مقالته في مجلة "فورين أفّيرز" يقول "هال براندز" إن "ترامب تسبب في أزمة للدور الريادي الأمريكي ستدوم لفترة طويلة من بعده"، والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستتمكن الولايات المتحدة من استعادة هذا الدور؟!.. سؤال برسم الأيام القادمة وتمظهر قوة التحولات الجارية.

ابتسام الشامي