مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

واشنطن تلعب آخر أوراقها بعد خسارتها في اليمن

زينب عدنان زراقط

واشنطن تلعب آخر أوراقها بعد خسارتها في اليمن

كي لا يتم تمييع القضية كثيراً باستحسان مواقف الرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن" بخصوص الشأن اليمني، من قرار "التجميد المؤقت" ببيع الأسلحة "للسعودية والامارات" إلى إبطال قرار إدراج "أنصار الله الحوثيين" على قائمة الإرهاب، هل أمر بوقف الحرب على اليمن؟!.

الطيران السعودي والاماراتي لا يزال حتى الساعة يشنّ غاراته على المدنيين العزّل، ولا يزال التواجد العسكري لتحالف العدوان مع التغلغل الصهيوني في المناطق اليمنية التي تمّ احتلالها، والحصار المفروض بلغ ذروته فلا مساعدات إنسانية ولا أدوية ولا مقوّمات حياتية يُسمح لها بأن تدخل إلى حيث تَواجُد "أنصار الله اليمنيين" إضافةً إلى السفن النفطية التي يحتجزها التحالف بإمرةٍ بريطانية وتوجيه أمريكي!.

فعلى من تنطلي هذه الألاعيب التي تمارسها الإدارة الأمريكية؟! فلو أرادت هذه الإدارة فعلاً إنهاء كارثة اليمن الإنسانية - الأسوأ حول العالم - والتي سببتها هي، فباستطاعتها بإصدار أمرٍ واحد لآل سعود وبكلمتين: "أوقِفوا الحرب" على اليمن وينتهي الأمر، لكنها لم تفعل ذلك، بل خطت خطوتين في اتجاه الهرب من جحيم الحرب التي أنهكت أدواتها. فهل لخطواتها تتمّه؟!.. وماذا تريد هذه الإدارة الامريكية الجديدة من خلال العبث بالملف اليمني؟!.

إبطال قرار "الترهيب"

لم يكن قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي اتّخذه قبل رحيله من البيت الأبيض بتصنيف "أنصار الله" منظمةً إرهابية قراراً أمريكياً بحتاً وإنما كان نتيجة مساومةٍ قذرةٍ دفعت ثمنها باهظاً كُلٌّ من السعودية والإمارات اللَّتان تقودان الحرب الغاشمة على اليمن منذ أكثر من ست سنوات وبقيتا عاجزتين عن تحقيق غاية المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة، لكنَّ تراجع الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن خيّبت آمال عملاء أمريكا وإسرائيل الذين كانوا يأملون من خلال هذا القرار الذي دفعوا أموالاً طائلة مقابل صدوره، كي تزيد المعاناة الإنسانية للشعب اليمني ومن أجل إطالة أمد الحرب.

اعتباراً من يوم الثلاثاء الماضي دخل قرار إلغاء الإدارة الأمريكية تصنيف "أنصار الله" جماعة إرهابية حيِّز التنفيذ بعد أقل من شهر على اتّخاذه في إجراءٍ هو الأول من نوعِهِ في التاريخ الأمريكي. ويقول مراقبون ومحللون سياسيون، إنَّ إلغاء قرار التصنيف يُعَدُّ انتصاراً سياسياً كبيراً ليُسجِّل اليمنُ نصراً جديداً في مسار المواجهة مع العدوان. فيما أكد بعض المراقبين أنها خطوة جادة من شأنها أن تُنهي الحرب المستعرة في اليمن منذ أذار 2015 وســوفَ تخلق بيئةً مناسبةً لعقد مفاوضاتٍ جديدةٍ لإحلالِ السلامِ والأمن في هذا البلد المنكوب.

هل هو تخلٍّ عن السعودية؟

بالإضافةِ إلى تكبُّدِها خسائر فادحة في اقتصادها فإن السعودية عجزت أيضاً عن إنجاز الاملاءات الأمريكية عليها، ويرى بعض المراقبين أن الإدارة الامريكية الجديدة تنظر إليها على أنها قد شوَّهت سُمعة أحدث وأفتك المقاتلات والأسلحة الأمريكية المحرمة دولياً. فهل أمريكا تنظر للواقع اليمني من الناحية الإنسانية أم تريدُ التنصّل من مستنقع الدماء الذي استباحته وفشلت في احتلاله. وبالتالي سوف تترك قوات التحالف رهن الضياع والخسران؟.

بعد مرور ست سنوات على الحرب الظالمة على اليمن، بدأ العالم يبتعد أكثر عن الرياض. حتى واشنطن نفسها بدأت تفقد أملها بالسعودية وعلى ما يبدو أنه قد "نفُذَ وقودُها"!. ويظهر ذلك من خلال تصريحات مسؤوليها في الإدارة الجديدة بتحميل إدارة ترامب السابقة مسؤولية دعم السعودية وقيادة الحرب على اليمن، وهكذا فهي اليوم تتراجع عن مسؤولية قيادة التحالف عملياً والتخلي عن الدعم بالسلاح، والآن بإبطال قرار إدراج "أنصار الله" على قائمة الارهاب.

يقول الرئيس الأمريكي جون بايدن، "الحرب طالت أكثر مما ينبغي". فالعدوان على اليمن انطلق في عهد الديمقراطيين الأمريكيين في 2015م، ومنحت الرياض خلالها الفرصة تلو الفرصة لتحقيق النصر، ومُرِّرت لها صفقاتُ السلاح دون عوائق، لكنها لم تنجح في تحقيق أهداف الحرب والتي كان مخططاً لها أن تحسم الوضع وتعيد عملاء السفارتين الأمريكية والسعودية إلى صنعاء في ظرف أسبوعين، ثم مـُدِّدَت فيما بعد إلى شهرين، ثم إلى عام، لكنها اليوم تدخُلُ عامها السابع ولم تحقّق شيئاً!.. بل خسرت ما حققته خلال السنوات الماضية، وانكشفت قدرة الرّدع لدى المملكة وحلفائها.

ستة أعوام جرى فيها تعطيل للقانون الدولي الإنساني، والرياض بقيت عاجزة عن أن تكون عميلاً ناجحاً في سياق تأمين المصالح الأمريكية في المنطقة وباب المندب، والتي تصبُّ بالطبع في خِدمةِ مصالح إسرائيل. الخيبة السعودية واضحة جداً على لسان المُحلِّلين السعوديين والإعلام المموَّل سعودياً جرّاءَ مواقفِ واشنطن الإعلامية والسياسية بالدرجةِ الأولى والتي تحاولُ أن تنأى بنفسها إعلامياً بالحدِّ الأدنى عن الرياض وتقديمها إلى العالم مسؤولاً وحيداً عن الحرب في اليمن، وعن أزمته الإنسانية الأكبر في التاريخ المعاصر، وذلك يستتبع أن تتحمّل الرياض على كاهلها ملف إعادة الإعمار في اليمن، وأن تتحمل لوحدها مواجهة ملفات جرائم الحرب!.

السعودية "فضحت" السلاح الأمريكي

لا شيء أصدق من ميدان الحرب، وهذا الأمر عبّر عنه بغضب الرئيس الأمريكي السابق ترامب الذي اتّهم السعوديين بعدم إجادة استخدام السلاح الأمريكي، وبعث بكتائب أمريكية كاملة إلى السعودية لإدارة منظومات الدفاع الجوي باتريوت منذ العام 2019م، كما تواجدت منظومات القِبَّة الصهيونية بإدارة ضباط إسرائيليين، وها هم اليوم يدافعون عن آخر معاقِلِهم في شرقي اليمن.

لكن الصواريخ اليمنية واصلت الانهمار على المنشآت السعودية وواصلت المسيَّرات اليمنية طيرانها دون عوائق في السماء السعودية، واستهداف مطار "أبها" بشكل متكرر خلال الأيام الماضية، والذي أصبح وضعه في الميدان اليمني منــذ العام 2020م بائساً حيث يفقد كل يوم مزيداً من الأراضي في كل جبهة.

صمود اليمن وقرار بايدن

بايدن ليس حرصاً على اليمنيين تبنّى هذه السياسة، فالفضل في التوصّل إلى هذا التحوّل المحوري في سياسته الخارجية تجاه اليمن يعود بالدرجة الأولى إلى صمود الشعب اليمني في وجه العدوان، وامتلاكه أسباب القوة على شكل منظومة صواريخ متطورة جداً ضربت العُمقَ السعوديَّ بدقةٍ متناهية، في إطار سياسةِ الدفاع عن النَّفس، والرّد على الغارات العدوانية، والحصار الخانق.

فقد نفَّذ سلاح الجو المُسيَّر هجوماً على مطارَي "جدة وأبها الدوليَّيْن" يومَيْ السبت والاثنين الماضيين. وأوضــحَ متحدّثٌ باسم القوات المسلحة العميد "يحيى سريع" أن سلاح الجو المسيَّر استهدف بطائرتي صماد 3 وقاصف k2 مطاري جدة وأبها الدوليين وكانت الإصابة دقيقة نتج عنها توقف المطارين لساعتين متتاليتين وأضاف أن القوة الصاروخية للجيش واللجان الشعبية دكّت قاعدة "الملك خالد" الجوية في خميس مشيط، بصاروخ باليستي دخل الخدمة لأول مرة.

وعلى عكس ما يُظهره تحالف العدوان في وسائلِ إعلامه باستهدافِ الحوثيين لمواقع مدنية، فإن المطارات المدنية السعودية تحتوي قواعد عسكرية يتم استخدامها للأعمال الحربية العسكرية ضد اليمن وتنطلق منها الطائرات المسيرة لقصف الأراضي اليمينة!.

النّية الأمريكية الخبيثة المُبطَّنة!

وما هي إلاَّ عَدوةُ فرس تفصل الجيش واللجان الشعبية اليمنية عن دخول آخر أكبر مُعسكر حُلفاء أمريكا و"إسرائيل" في مأرب وتحريره!. وهكذا وبعد انسداد أُفق الاحتلال العسكري لليمن - وذلك ما يقِرُّ به قادة أمريكيون وصهاينة - "صنعاء" من الجهة المُقابلة تعرب بوضوح عن موقفها من الحصار بأنه لا يختلف عن الحربِ بالنار، وتقولها بوضوح "وقفٌ للعدوان ورفعٌ للحصار أو ليستمرَّ القتال"، فميزان القوة أصبح في الملعب اليمني!.

بالعودة إلى السياسة الأمريكية المرتقبة في مواجهة كل هذه الخيبات، يلجأ الديمقراطيون الأمريكيون بعد وصولهم إلى البيت الأبيض إلى الحيلة والتصريحات الإعلامية الرنَّانة بوقف السلاح إلى الرياض، وشطب أنصار الله من قائمة الإرهاب، بهدف مغازلة الطرف اليمني وتخدير الجيش واللجان الشعبية عن دخول "مأرب"، حتى يتسنى لها ترتيب أوراقها من جديد!.

أمريكا قادرة على إنهاء الحرب ولم تفعل!

ووسط هذه المعمعة الأمريكية والدعوات المتتالية لإدارة بايدن، والتي لم تقــم عملياً بما ينعكس إيجابياً على الجوانب الإنسانية ويمنع حدوث الكارثة الوشيكة، ما لم تفعله أمريكا هو الانسحاب من العدوان على اليمن وإعلان وقفه نهائياً، وما لم تفعله كذلك هو رفع الحصار المطبق والشامل عن الموانئ اليمنية، ولن تفعل ذلك كما يبدو من خلال السلوك المُراوغ للإدارة الجديدة وهي مُصمِّمة على استمرار العدوان والحصار على اليمن حتى الآن!. فبإمكان الإدارة الأمريكية أن تفرج عن سفن الوقود المختطفة في البحر من قبل سُفن الحصار وطواقمها، وبإمكانها أن تُعلن وقف الحرب التي أُعلنت على اليمن من عاصمتها "واشنطن"، بإمكانها أن تثبت أقوالها بالأفعال! فما يمكن استخلاصه أن أمريكا كعادتها، مستمرة في تسويق نفسها تحت العنوان الإنساني، كدولة محترمة لها "أخلاق وقيم"!.

شكوى السعودية من "سُخريات القدر"

بعد أن صمَّت المجتمعات الدولية والإنسانية آذانها وأغمضت عيونها عن كل ما تمت استباحته من قتل وتنكيل وإرهاب في اليمن، نجد السعودية اليوم "المجرمةُ والجانية" تتجرّأ وتسبق بالشكوى بمذكرة لدى "مجلس الأمن الدولي" بشأن ما تعرّض له مطار "أبها" من هجوم من قبل قوات صنعاء الممثلة بالجيش واللجان الشعبية وادّعت بانتهاك صنعاء للقانون الدولي!. وفي إطار الرّد على هذا الاتهام، جاء في رسالة وزير الخارجية اليمني المهندس "هشام شرف عبد الله" أنه "من سخريات القدر أن الشكوى السعودية تجاهلت بل وتناست أن سلاح الطيران السعودي وكل قوّاته المسلحة تقود منذ 26 أذار 2015م على اليمن وكافة الأراضي اليمنية تحالفاً عدوانياً عسكرياً واُستخدمت فيه كافة أنواع الأسلحة والذخائر، بما في ذلك المحرَّمة دولياً واُرتكبت أبشع جرائم الحرب التي يَندى لها الجبين"!.

كما أكَّد الوزير شرف في الوقت ذاته أنه لا بد لإنجاح هذه التحركات الدبلوماسية من تهيئة المُناخ الملائم واستكمال إجراءات بناء الثقة وأهمها الوقف الفوري المتبادل لإطلاق النار، ورفع الحصار الشامل ومنه ما يتعلق بإعادة فتح مطار صنعاء الدولي وعدم عرقلة دخول السفن المُحملَّة بالمشتقات النفطية والغاز المنزلي إلى ميناء الحديدة.

المطلوب وقف العدوان والحصار!

إذا كانت أمريكا تريد أن تعتمد سياسة المُهادنة، فإن المطلوب هو وقف فوري للعدوان ورفع فوري للحصار عن اليمن، لأن إلغاء قرار تهمة الإرهاب وإنهاء الدعم بالسلاح لا يكفي!.

أمريكا ومشاريعها الاستعمارية وحلفاؤها العسكريون يتهاوون واحداً تلو الآخر من جبهة اليمن إلى العراق وحتى في سوريا.. فما الذي تبقى لواشنطن من أوراق تستخدمها لتفادي الخسارة الكاملة في اليمن؟!. ستدرك أمريكا في النهاية وزنها الحقيقي في الشؤون الدولية، وتعود إلى سياسات ما قبل القرن التاسـع عشر الانعزالية، فالعالم كُلُّه اليوم يرفض الاعتراف بالزعامة الأمريكية، ولم تعدِ الولايات المتحدة تمتلكُ الموارد لإجبارِ الجميع على هذا الاعتراف. والأيام كفيلة بكشف ما تبقى في جعبتها.

زينب عدنان زراقط

 

إخترنا لكم من العدد

إقليميات

مَسَارُ أَسْتَانَة وَاِسْتِعْصَاءَات الْحَلِّ لِلْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ

مَسَارُ أَسْتَانَة وَاِسْتِعْصَاءَات الْحَلِّ لِلْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ فِي ظَلِّ عَدَمِ تَبَلْوُرِ صِيغَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلتَّسْوِيَةِ السِّيَاسِيَّةِ قَادِرَة عَلَى حَلِّ الْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ على الرَغْمَ ...