مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

الإنسانُ والسُّلطة

نبيل علي صالح

الإنسانُ والسُّلطة

لمْ تستقرْ أحوالُ المجتمعاتِ البشرية - التي كانت تتنقّل من تجمعات في موقع هنا وهناك، وتحاربُ بعضَها بعضاً بحثاً عن أمكنة و"ملاذات" آمنة لها من مسكن ومأكل ومشرب - إلا عندما تمكّن الإنسان من بناء أسس (سياسية واجتماعية) عقلانية صحيحة لقيامة الدول وإنشاء قواعد سياسية وفكرية رصينة لانتخاب النظم والسلطات التي تقبض على عناصر القوة ومواردها المتعددة منعاً للخصومات وفصلاً بين المختلفين والمتناقضين.

طبعاً نحنُ هنا لسنا بصددِ الدّخول في عملية تحقيبٍ زمني طويل أو رصد تاريخي وفكري معياري عميق لكل أشكال وتمظهرات الحكومات وتحولات السلطات التي قامتْ وتشكَّلت عبر مسيرة تاريخ الحركة البشرية، منذ أن بدأ الإنسان بالاستيطان ضمن تجمعات قروية ريفية بسيطة إلى أن وصل إلى هذه الدول الكبرى والحضارات البشرية الهائلة في تنوعها وقوتها وضخامة إنتاجيتها.. بل نريدُ فقط التأكيد على الأهمية التاريخية الكبرى لعملية إنشاء الدول وتأسيس الحكومات، وما قامت به من أدوار ووظائف جوهرية في تثبيت أسس الاستقرار وإنشاء الكيانات السياسية وبناء مواقع قوية لتلاقي الحضارات والأمم المتعددة والمختلفة.. مع قناعاتنا طبعاً بأنّ البشرية خسرتْ كثيراً من طاقاتها ومقدراتها، وتكلفت فواتير باهظة الثمن للغاية من مواردها وثرواتها البشرية والطبيعية في سبيل الوصول إلى تثبيت أركان ودعائم المشتركات التعايشية الإنسانية بين بني البشر، رغم التعقيدات والسلبيات التي ترافقت مع عملية التثبيت تلك.. حيث أننا نعلم – في مدى التاريخ البشري كله - المدى الذي بلغته كثير من أنظمة الحكم البشري في صناعة الحروب وتفجير الصِّراعات وإثارة الفتن والقلاقل بين الدول والمجتمعات بحثاً عن غنائم وموارد، وتعزيزاً لمواقع النهب والسيطرة والهيمنة.. كما نعرف خلال معظم مواقع ومراحل التاريخ البشري، كيف كان الحكام يتسلمون مقاليد السلطة بشكل روتيني من باب الحظ البحت تارةً، كأن يولدوا في الوقت المناسب والمكان المناسب وللعائلة المناسبة فقط، أو كأنْ يتآمروا مع القوى الخارجية للوصول إلى مواقع الحكم في بلدانهم، ولم يكن أي كان قادراً على فرض أية رقابة عليهم وعلى أفعالهم وارتكاباتهم وربما خياناتهم بحقّ أبنائهم ومجتمعاتهم وتبديد ثروات بلدانهم، بل كانت آراؤهم تُطاع وأوامرهم تُنفذُ حرفياً دون نقاش، وكان الجميع غالباً ما يرضخ لنزواتهم ومطامعهم مهما كانت النتائج مكلفة وجنونية وفوق حدود التصور والمعقول.. إنه الطمع والرعب والخوف من القمع واستباحة الحرمات وعدم وجود أخلاق أو قيم قانونية رادعة.

نعم إنه جموح التسلط والهيمنة والتحكم بالبلاد والعباد، وهي حالة قائمة – كما قلنا - لدى كثير جداً من نخب الحكم البشري على مر التاريخ كله التي غالباً ما كانت بعيدة عن معايير الضمير والأخلاق، وغير متطابقة البتة مع موازين الحق والعدل والمساواة.

وبالتالي عندما تختل معادلة العدالة والحق في المجتمعات والأوطان، تتفجّرُ معها حتماً الكثير من الأزمات وتبرز الكثير من التعقيدات، وتنقشع عن زلازل وتصدعات مجتمعية بنيوية شديدة الخطورة على الناس وحياتها ومعايشها.

ونحن في بلداننا العربية شكلنا دولاً وأنشأنا نظماً وحكومات وأسسنا سلطات، ولكن هل كانت تلك النخب والحكومات والسلطات على قدر المسؤولية الأخلاقية والقيمية في البناء والإعمار وتحقيق التنمية الحقيقية؟!.. ولماذا عَجز العربُ عموماً عن بناء مواقع نوعية قوية "عادلة" لدولهم وسلطاتهم التي كانت وما زالت قوية على شعوبها وضعيفة أمام رعاتها (وأعدائها!) الخارجيين؟!!.. ثم لماذا لم تتمكن كثير من السُّلطات العربية من تحقيق العدالة بين الناس ولو بالحدود الدنيا؟!.. هل عَجِزوا عن التوفيق بين حرية الوطن (وطنهم وليس وطن الغرباء!!!!)، وحرية جماعاته المتنوعين المشكِّلين له، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه في واقعهم العربي من هيمنة الصراعات والحروب والعنف الدموي الأعمى، وما أفرزه منَ مآسي وأحقاداً وويلات إنسانية مستمرة، كانت - وما زالت - لها تكاليفَ باهظة حاضرة ومستقبلية، رهنتْ كل شيء للمجهول، ووضعت أمن الناس وأمانهم على أكفِّ عفاريت الأرض وشياطينها الكبار والصغار؟!!.

إنّ هذا الواقع السلطوي المهيمن في عالمنا العربي، والذي يستند في استمرارية وجوده وتثبيت مواقع قوته، على ركائز خارجية، لا مناص من إسقاطه في قادمات الأيام العربية (سواء كانت أياماً أم سنوات أم عقوداً)، لأنه خَطِر ومُكلف، ورموزه مستمرون في التمكين لأنفسهم بصرف النظر عن الخسائر والتكاليف التي لحقت وتلحق بمجتمعاتهم وبلدانهم.. وثروات العرب بمعظمهم تذهب هدراً وهباءً منثوراً على هذا الصعيد السلطوي.

نعم، إننا نتصوّر أنَّ طريق التغيير الحقيقي في مجتمعاتنا المتخلفة ما يزال طويلاً، وهو لا يعني أن مجرد مجيء تيار ما إلى السلطة، يحمل أفكاراً معينة هو الحل، وهو المنقذ لهذه المجتمعات التي ترزح تحت أعباء التخلف والظلم السّياسي والاجتماعي، بل إنه يعني أنَّ مجيء بنية جديدة ونظام جديد وتصور جديد لمفهوم وبِنية الحكم والسلطة هو المنقذ لأشكال التأخر التي نعيشها (وربما يتعيش كثيرون عليها)..!!.

هذا التصور الجديد لمفهوم الحكم وآليته يجب أن يقوم على الحقوق والمواطنة ونظام الحريات العامة.. وهذا ما نفتقده في مجالنا التاريخي العربي والإسلامي إلى يومنا هذا.. على الرغم من أنه نظام حقوقي مدني مرسّخٌ ضمنياً (ضمن آليات نظرية لم يتوسع مجال اكتشافها وتظهيرها نظرياً) في بنية التفكير الديني الإسلامي، وإنساننا العربي المسلم حتماً سينفتح عليه وينسجم معه، ليس فقط لأنه يحظى بالشرعية الدينية، بل لأنه يتلاءم مع فطرته وأخلاقه.

ولكن للأسف، هذا الإنسان الذي خلقَه الله تعالى الإنسان وأكرمه بالعقل، ووفّر سبل العيش ومسالك الحياة المتنوعة أمامه تهيئةً لإقامة مجتمعات الحق والحرية، وطلب منه أن يؤسس فعلياً لمواقع الإنسانية والعدالة؛ هذا الإنسان طغت عليه مصالحه وأنانياته، واستغرق في ذاتياته وجزئياته وسلطوياته ونزعاته الأولى، فتضخمت ذاته وتجبّر واعتبر نفسه محور الوجود كله، نَسِي اللهَ فأنساه اللهُ نفسه، ونسي أيضاً معنى الوجود وقيمة الحياة وهدف الخَلْق.. وكان بديهياً أن يفضي هذا المناخ من الحرمان والتجبّر والظلم والتفاوت إلى اشتعال بؤر الصراعات وتفجر حركة العنف في المجتمعات البشرية منذ مراحل نشأتها الأولى.. نعم إنه الظلم والتكبر، وانتشار المظالم وتضييع الحقوق في كثير من أمم العالم وحضاراته على الرغم من وجود الرسالات والرسل.

.. وفي مواجهة هذا الواقع، بقيت القيم الدينية المعيارية هدفاً أسمى للمسيرة البشرية على الرغم مما خالطها من شوائب وما اعترى تطبيقاتها من ثغرات وأمراض وتعقيدات.. حيث كان يُدْعَى لها على أعلى المستويات والأصعدة الفكرية وغير الفكرية.. كما بقيت الحقوق – بالمعنى السلوكي - شبه معدومة في كثير من حضارات العالم ومجتمعاته رغم تمكن بعض تلك الحضارات من إعطاء الحقوق قيمة أكبر من حضارات ومجتمعات أخرى.. ولعل التناقض الأكبر الذي وقع عندنا في حضاراتنا الشرقية، هو – كما قلنا سابقاً - عدم الاهتمام العملي الحقيقي – لا النظري - بمنظومة الحقوق الفردية الإنسانية، وإعطاء القيم الدينية الاهتمام الأكبر والأبرز، بل ومطالبة الفرد الملتزم دينياً بتطبيق القيم دون اكتراث يذكر بواقعه المعاش.

ومن خلال مراجعتنا للتراث الديني عموماً، وللعقائد الدينية والأديان ومنها ديننا الإسلامي، نجدها غنية بثقافة القيم والحقوق على الصعيد الكلامي النظري، لكنها تبدو فقيرة للأسف بها على الصعيد العملي التطبيقي.. إلا ما رحم ربي... أدى هذا الواقع العملي الفقير بالحقوق الفردية إلى انكشاف الفرد وعريه أمام أزمات الواقع وطغيان السلطات القائمة النازعة تاريخياً إلى العنف وتكبيل الفرد وتقييده بقيمه وسحب البساط الحقوقي من تحته، إذا صح التعبير.

من هنا أهمية حديثنا هنا عن موضوعة السلطة والحقوق، والتي تشكّلُ – في نظري - مرحلة سابقة على التطبيقات القيمية، بل يمكنني القول إنها أهم وأعظم من القيم في نقطة اشتغالها الأولى.. لأنها هي الطريق التي يجب تعبيدها للوصول إلى احترام الناس للقيم الدينية والإنسانية والأخلاقيات الخاصة والعامة.. فكيف يمكن أن تُقنع إنساناً جائعاً ومحروماً ومظلوماً - ولا يملكُ قوت يومه - بأنه يجب عليه أن يكون أخلاقياً ومطبِّقاً للقيم الدينية والأصالة الأخلاقية؟!!!. لا يمكن أن يقتنع.. ولن يكون -إذا اقتنع تحت الضغط- التزامه بها حقيقياً وواعياً وصحيحاً..!!.

والإنسان أي إنسان، مطلق إنسان، لا يمكن ولا يجوز أن تُعطى له السلطة المطلقة، لأن "السلطة المطلقة مفسدة مطلقة" كما قالت العرب، وظهر في التاريخ القديم والحالي.. فعندما يعطى الإنسان (أي إنسان) صلاحيات مطلقة وسلطة شاملة وكاملة، فإنه –بالضرورة وبحسابات المصلحة والأنانية، وحتى لو كان في أعلى درجات ادعاء (المعصومية)- سيدخل العنصر الذاتي والشخصي والنرجسي في فكره وسلوكيته وممارسته لسلطته وصلاحياته وعموم التزاماته الأخرى.. فيطغى على عمله وتعاملاته مع الآخر، وهنا تكمن مشكلة المشاكل..

لهذا السلطة – أية سلطة - يجب أن تقيّد بالقانون الناظم لحركة الفرد والمجتمع والدولة، والمساءلة الدورية الفعالة أمام الجهات القانونية والمؤسسات المنتخبة التي أنتجها وأبدعها الإنسان في حركته التاريخية بالعقل والمسؤولية..

لاحظوا معي أنّ النبي الكريم محمد(ص) نفسه، وأمير المؤمنين الإمام علي نفسه(ع)، قيّد كل منهما حركته العملية والحياتية بالنص والقانون، بمعنى أن مرجعية الحركة الاجتماعية للممارسة الفردية والجماعية المؤسسة يجب أن تبنى على معيارية القانون ورصانته وقوة تطبيقه وإلزاميتها المستمدة من سلطة الشعب والجمهور.

لقد التزم كل من النبي والإمام (وهم المعصومان في الإرث الديني) بقواعد وأحكام القانون ومرجعية النص القانوني، وكان يلتزمان به دوماً، وفي ذلك دلالة واضحة على قدسية النص القانوني، وعلى أولويته، وأبديته، بمعنى تناسبه مع تطورات العصر، زماناً ومكاناً..

وإذا كان كل من الرسول المعصوم(ص) والإمام المعصوم(ع)، قيّدا نفسيهما بقيد النص والقانون، فالأولى ممن هو دونهما مرتبة اجتماعية وحياتية، أن يلتزم بالقانون، وخاضعاً للمساءلة، وأن يكون عمله وتصرفه محكوماً ومقيداً بالنص القانوني المسؤول.

لهذا أتصورُ - كما كتبتُ أكثر من مرة - أنّ جوهرَ أزمة المنطقة العربية عموماً (التي ما فتئنا نعاني منها، وتئن وتتوجع مجتمعاتُنا تحتَ وطأتها منذ زمن ليس بالقصير) يكمن في أزمة سلطاتها ونخبها.. في طغيانها وفشلها الواسع والذريع وعجزها الكبير عن بناء الدّول المؤسسية القوية والفاعلة، والقادرة على أن تردّ على تطلعات الأفراد والشعوب في الوصول لازدهارها وتحقُّقِ نهضتها الحقيقية، وأن تقدّم (تلك الدول) لهم (للناس والشعوب) المنافع والمكتسبات المادية والمعنوية من خلال حسن إدارة الموارد والثروات الهائلة التي توافرت (وتتوافر) بين يديها.

فضلاً عن ضرورة إشعارها بالكرامة والحرية وباقي الحقوق، وتأمين فرص العمل والترقي الاجتماعي التي افتقدوها طيلة زمن طويلة.

نعم لا يوجدُ أيُّ حلٍّ حقيقي، ولا خطوة نحو الأفق المفتوح، من دون إيجاد معالجة لأزمة السلطة والفرد العربي، من خلال تأسيسِ الدول أو الدولة المدنية، دولة المواطنة، دولة الحقوق والتنمية الإنسانية الحقيقية، دولة التقدّم التقني والعلمي والاقتصادي، التي يكون فيها "للفرد-المواطن" وليس "الفرد-الرعية" الدور الأكبر والأعمق والمشاركة الواعية والمسؤولة في عملية البناء والتأسيس، والانتفاع منها وبها..

ولا يوجد محفِّز على العمل والتطور والإنتاج والمشاركة المؤثرة والمسؤولة في عملية التنمية الصحيحة أكثر من إعطاء الناس حقوقها وتوفير بيئة وجوّ قانوني عادل لاشتغالها.

نبيل علي صالح

 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد

إقليميات

مَسَارُ أَسْتَانَة وَاِسْتِعْصَاءَات الْحَلِّ لِلْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ

مَسَارُ أَسْتَانَة وَاِسْتِعْصَاءَات الْحَلِّ لِلْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ فِي ظَلِّ عَدَمِ تَبَلْوُرِ صِيغَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلتَّسْوِيَةِ السِّيَاسِيَّةِ قَادِرَة عَلَى حَلِّ الْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ على الرَغْمَ ...