مجلة البلاد الإلكترونية

إبقاء الملف الحكومي جامداً يجعل الجميع شركاء في الجريمة الكبرى الناتجة عن اللامبالاة في التعاطي مع قضايا الوطن

العدد رقم 273 التاريخ: 2021-02-26

الشعر بين الإلهام والطبع

غسان عبد الله

هامش ثقافي

الشعر بين الإلهام والطبع

يدور الجدل حول مصدر الإبداع، بين أن يكون مصدره الإلهام الذي يتأتّى لذي الطَّبع أو الموهبة، أو أن يكون الحذق الفنّي الذي يتأتّى للمجتهد في تجويد عمله. وهو خلاف يدور بين الشعراء والنقاد قديماً وحديثاً.

وإذا كان هناك من النقّاد من ينكر الإلهام مصدراً للعبقرية الفنيّة، فإن الشعراء لا يكادون يتخلّون عن فكرة أن الإلهام هو المصدر الأول للتجربة الشعرية. حتى أولئك الذين عبّروا عن أن الشعر عَرَقٌ وجهدٌ شاقٌّ من الشعراء لا ينكرون ضرورة الإلهام منطلقاً لشرارة العمل الشعريّ، وإنما هم يرون أن ذلك لا يكتمل بمجرد إملاءات اللحظة الإلهامية، بل لا بدّ من الجهد الواعي لبلورة القصيدة من صورتها الأولى التي لا تخلو عادة من الغموض والالتباس إلى تشكّلها النهائيّ القادر على البقاء والتواصل.

وبعيداً عمّا أُلِفَ عن الشعراء من عُجْبٍ بالذات وإضفاء هالةٍ من الخصوصية على أنفسهم وعلى ما يصنعون ليمتازوا عن غيرهم من الناس، فإن طبيعة المادّة التي يشتغل عليها فَنّهم تجعل لفنّهم خصوصية حقيقية تبرّر دعواهم تلك. ذلك أن صاحب فنّ آخر غير الشعر يمكنه أن ينكر الإلهام كما ذهبَ البعضُ إلى أن الإلهام أكذوبةٌ أو وهمٌ لا حقيقة له أمّا الشاعر الذي يتعامل مع أخصّ الخصوصيات الإنسانية، وهي اللغة، بما تعنيه من روابط لا حدّ لها بالذاكرة الشخصية والذاكرة الجمعية فحريٌّ أن يجد في نفسه ما لا يعرف كنهه، ممّا قد لا يجده الآخرون في أنفسهم، وحريٌّ أن يدهش في لحظات وعيه لما وجدتْه نفسُه قبل أن يدهش الآخرون.

ولو لم يكن هنالك ذلك الباعث الخفيّ وراء إبداع الشاعر كما يزعم بعض النقّاد وبعض حرفيّي الفنون الأخرى لأمكن للصنّاع المجتهدين أن يتعلّموا إبداع ما يبدعه الشعراء المطبوعون فيبدعوا إبداعهم. وإذن لا تقاس العملية الفنّية في الشعر بعملية فنية لأي فنّ آخر، وذلك لخصوصية المادة المُشتَغِل عليها الشعر.

وإذا لم يكن القدماء من النقّاد العرب قد عوّلوا على مصطلح (الإلهام) إلاّ قول الجاحظ: "وكل شيء للعرب كأنه إلهام" فإنهم قد عوّلوا مكانه على مصطلح (الطَّبع)، الذي يعني أن في طبائع بعض الناس ما ليس في طبائع بعضٌ آخر، وذلك ما يمنح الفئة الأولى من الطاقة الفنّية ما ليس لدى الفئة الأخرى. وكذلك لم يستعملوا مصطلح (الموهبة) وإنما شملوه مع (الإلهام) بمصطلح: (الطَّبع). وهم بهذا يَبدون أكثر اعتدالاً في نظرتهم إلى هذه المسألة. نعم، إنها مسألة طبعٍ لا مسألة إلهام.. لأنها تتعلّق بالطبيعة الإنسانية نفسها لا بوَحْيٍ يُوْحَى إليها متنزّلاً من عَلٍ.. طبعٍ يتولّد نتاجَ عوامل موروثة أو مكتسبة، وليس وليدَ منبعٍ خارجيّ يَهَبُ للشاعر ما لا يَهَبُ لغيره.. ومن ثمّ فهو يتصل بالطبيعة النفسية والذهنية الوراثية من جهة وبالتجربة الإنسانية من جهة أخرى.

ولقد مال النقّاد العرب القدماء إلى احترام الطَّبع وازدراء الصَّنعة المسرفة والنفور منها، إذ تَكْشَف عن تعمّل صاحبها وتكلّفه وعَرَقه. وما ذلك إلاّ تمجيد منهم لصفاء الشعريّة من أدران النَّظْمِيَّة والافتعال. ومع هذا فقد كانوا يدركون ما للصَّنعة من أهمية لاستكمال ما يجود به الطَّبع من إلهامات.

إن المسألة هنا أدقّ إذن مما دُرج على عَزْوِ آراء النقاد القدماء إليه من تعصّب للقديم ضِدّ الجديد المولَّد، أو من انتماء شفاهيّ لم يستوعب التجربة الكتابية بَعْد، إذ تتعلّق المسألة بطبيعة الشِّعْر، من حيث هو. تلك الطبيعة التي تخاطب مباشرة طبائع الناس، بما تنشده من تأتّ صادقٍ، نفسيّا وفنّياً، في إحداث استجاباتها الإيجابية لدى المتلقّي. وهو مسلك مرهف لا يزيغ عنه الشاعر نحو الفكريّة أو الصناعيّة إلاّ أحدث ردّة فعله النابية في نفس المتلقّي. لأن المتلقّي يَنشد الشِّعْر للشِّعْر، وليس لمأربٍ آخر، من ضروب الفكر وأشكال التأمّل، ذات اللذات المختلفة الأخرى. وبرهان هذا أن الشِّعْر في العالم كلّه اليوم قد ترجّل عن تلك المطايا المتباينة، التي طالما حُمِل عليها، أو ربما حُمِلت عليه، ليتّجه إلى صفو الغنائية بمفهومها الواسع الحديث، الذي يَتسع للعالم من خلال رؤية الشاعر ووعيه الإنساني.

ونحن نتحدث في هذه الصفحة من همومنا الثقافية عن ألقاب الشعراء، كان لا بدّ من تلك المقدمة للوقوف على ثلاثة مستويات في الممارسة الشعرية، عبّرتْ عنها بعض ألقاب الشعراء في العصر الجاهلي، هي:

1- الطبع، الذي يتكئ على الإلهام أو أول خاطر.

2- الصنعة.

3- الإفراط في الصنعة المفضي إلى التكلّف.

فلقد كان لقب (المهلهل) مثلاً يحمل التعبير عن المستوى الأول من الركون إلى أول بادرة، دون عناية بالصنعة الفنيّة. مستهجنين هذا الاعتماد الصرف على الطبع. وقد تقدّم أن أحد الأوجه الإشاريّة للقب المهلهل هو: سخف النسج في شعره. وبالنتيجة رداءة شعره. قال (ابن منظور): (ويقال: هلهل فلان شعرُهُ، إذا لم ينقّحه وأرسلَهُ كما حضره، ولذلك سُمي الشاعر مُهَلْهِلا). فهلهلة الشعر إذن قد تكون لعجز الشاعر أو لإهمال الصنعة والرضا بأول خاطر. وهذا المستوى من الاعتماد على الطبع وحده مستهجن.

في الختامِ نقول إن للشعرِ آفاقاً رحبةً تدعونا إلى وقفاتِ تأملٍّ لهذا الكائنِ المطبوعِ في ما يعتلجُ بنفس وروح صاحبه.. ولعله من المفيد القول إن الشعر حينَ يصلُ إلى عمق المتلقي يغدو يوماً بعد يوم تعبيراً عن الطبائع البشريةِ لا حرفةً أو صنعةً أو إلهاماً أعطي للشاعر دون غيره. ونختم بهذه الوقفة:

ولولا الشِّــــــــــــــــــعْر ما كانتْ لُغَاتٌ

ولا اقْتَرَحَ الخَيَالُ مَدَى الطُّمُوحِ!

غسان عبد الله

 

إخترنا لكم من العدد

إقليميات

مَسَارُ أَسْتَانَة وَاِسْتِعْصَاءَات الْحَلِّ لِلْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ

مَسَارُ أَسْتَانَة وَاِسْتِعْصَاءَات الْحَلِّ لِلْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ فِي ظَلِّ عَدَمِ تَبَلْوُرِ صِيغَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِلتَّسْوِيَةِ السِّيَاسِيَّةِ قَادِرَة عَلَى حَلِّ الْأَزْمَةِ السُّورِيَّةِ على الرَغْمَ ...