مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع في رسالة شهر رمضان: مشروعَ الفتنةِ المذهبيةِ لم يحققْ أهدافَهُ.. والصراعَ في الأمةِ هو صراعٌ سياسيٌّ بين نهجِ مقاومةٍ تقودُهُ إيران، ونهجِ استسلامٍ للشيطانِ الأكبرِ أمريكا

العدد رقم 280 التاريخ: 2021-04-16

حروف (النصب) كثيرة وحروف (الجزم) يعلوها الغبار!

غسان عبد الله

أول الكلام

حروف (النصب) كثيرة وحروف (الجزم) يعلوها الغبار!

60عاماً ركَلْتها خلفي، أو هي ركلتني.. كل الاحتمالات صحيحة... يااااااااااااه، كيف يعدو العمر؟ كيف يعدو كأرنب مطارد؟... و(كجلمود صخرٍ حطّه السيلُ من علِ) وكيف ذابت السنون كأحلام البؤساء؟.. وكيف تلاشت كمعاشات المتقاعدين؟ وأماني الكادحين.. وذنوب الصالحين.. وكيف تاهت كالكلاب الضالة؟ وجاعت كقطط الشوارع وليس ثمة طعام!!.. وكيف تبَعَثَرَتْ كأصدقائي الطيبين؟؟ وكيف تشظّتْ كأفراحي؟..

60 أنظر إليها خلفي وأجمع ما يكفي من اللعاب لأبصق عليها.. لكنني لا أبصق، أدّخر لعابي للسنوات المقبلة لا شك أنها أسوأ وتحتاج لعاباً كثيراً ومركزاً... إذن.. قبل 49 خرجت إلى الظلام. 

60 سأماً، قضيت أغلبها على مقاعد التعليب/التعذيب.. كلّ صباحٍ أحمل أسفاراً لا أفهمها، وأعود بعد جرعةٍ من الصياح.. لا أفهمُ كيف لا أفهمها.. تم تعليمي/تعليبي على نحو رائع.. درستُ فاندرست.

في مادة التربية الوطنية كانت درجاتي متدنية.. على الرغم من الصياح الذي أسكبه كل صباح في الطابور.. فهمتها وحفظتها بالخيزران والعصا... وفي الرياضيات تعلمت أن الطريق المستقيم أقصر الطرق، وآمنها أيضاً.. وأنه الطريق الوحيد الذي لا يؤدي إلى السجن.. وأن الزوايا الحادة مؤلمة جداً!!.. وأن 100 تساوي 1 و 1 لا يساوي شيئاً.. وفي الإنشاء والإملاء تعلمت ألا أكتب خارج السطر.. وأن الحرف حتف وخسف ونسف.. وفي العربيةِ تعلمت أن ما بلغ النصاب من البقر فهو شَعْب!!.. وما بلغ النصاب من الظلم فهو حاكم.. وما بلغ النصاب من الوجع فهو مواطن.. وما بلغ النصاب من الألم فهو أنا!!.. وأن (الوطن) يوجد في المعاجم وبلاد الأعاجم.. وحين ضبطني معلم العربية، أبحث عن مفردة (وطن) في المعجم، رمقني قائلاً: انتهت الحصة. وتعلمت في اللغة أن (الثروة والثورة) تتضادان، وأن من يملك الأولى لا يحتاج الثانية.. وأن (كَتَبَ وكَبَتَ) مفردتان: الأولى إفرازٌ للثانية.. وأن (سرق) تأتي بمعنى (وهب) في لغة بني عَرَب!!.

وفي الحديث تعلمتُ أن أكذب.. وأكذب.. وأكذب.. وأتحرّى الكذب حتى يُكْتَبَ عني (صحفيّاً).. وفي النّحو تعلمت أن حروف (النصب) كثيرة وأن حروف الجزم يعلوها الغبار.. وأن المواطن مجرورٌ ومنصوبٌ وحظُّهُ مكسور، والفاعلَ حقيرٌ مستترٌ.. وتعلمت أن الضمائرَ تُباع.. كلها تُباع.. فقط تتفاوت الأسعارُ.. وفي الرياضةِ تعلمتُ أن الدربَ طويلٌ طويل.. وليس ثمةَ تكسي.. وأن الأحذية أنواع كثيرة أفخرها ماركة مواطن.

وفي الجغرافيا تعلمت أن الجهات ثلاثٌ: "شمالٌ وشرقٌ وغرب!!".. وأن المناخ مناسبٌ للّصوص النبلاء ليقوموا بأعمالهم الشريفة!!.. وأن العالمَ العربيَّ يصدّر الكلامَ ويستورد الأفعالَ.. وفي القانونِ تعلّمتُ أن للمواطنِ الَّنسْف.. ولابن الزعيم ما يريد وزيادة.. وأن الأوطان تورَّث كالأبقارِ والحمير!!.. وفي التفسير تعلمت أن (مواطن) تعني: جسداً مسجّى على قارعة الذلّ.

60 عاماً.. رأيتني أعصر خمراً ويسكرُ غيري!!.. وأصنع خبزاً ويشبع غيري!! تخرّجْتُ مواطناً صالحاً للاستهلاك يقترف الأكل والنوم والتفريخ باقتدار.. ويتعاطى بعض الأحلام (في حدود ما يسمح به الليل)... أنجزت كثيراً من الأكل والنوم وقليلا من الحياة!!.

60..... الحمدُ لله سأنهي النصف الأولَ من حياتي بأقلِّ الخسائر... أفترضُ أنني سأعيشُ مئة عامٍ من العزلة، لأن عمر الأشقياء طويل!!!.

60 خرجتُ منها نصفَ إنسانٍ بنصفِ أحلامٍ.. وبأوجاعٍ كاملة.. وأوهامٍ فائضة وأحلامٍ مسلولة ومسلوبة.

60 لو استدبرْتُ من أمري/عمري ما استقبلتُ.. لفضّلتُ أن أموتَ بالحصبةِ أو الفالج..

60 خرجتُ منها مواطناً/ روبوتاً.. هو جسرُ عبورٍ.. بضمانٍ مدى الحياةِ لا يتعطل ويُدار عن بعد بالريموت كونترول ويعمل في مهنة المتاعب.

غسان عبد الله

إخترنا لكم من العدد