مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع في رسالة شهر رمضان: مشروعَ الفتنةِ المذهبيةِ لم يحققْ أهدافَهُ.. والصراعَ في الأمةِ هو صراعٌ سياسيٌّ بين نهجِ مقاومةٍ تقودُهُ إيران، ونهجِ استسلامٍ للشيطانِ الأكبرِ أمريكا

العدد رقم 280 التاريخ: 2021-04-16

اتفاق التعاون الشامل بين إيران والصين.. هذا ما جنته السياسة الأمريكية على نفسها

ابتسام الشامي

اتفاق التعاون الشامل بين إيران والصين..

هذا ما جنته السياسة الأمريكية على نفسها

أرخت اتفاقية التعاون الشمال بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية الإسلامية في إيران بثقلها على الساحة الدولية، وسددت صفعة قوية للسياسات الأمريكية القائمة على فرض الهيمنة على دول وشعوب العالم لإخضاعها بسيف العقوبات والحرب الاقتصادية بعدما فشلت قوتها العسكرية في تحقيق هدف الإخضاع لدول اختارت المواجهة على الاستسلام..

وفرضت هذه الدول نفسها لاعباً قوياً نجح في تحجيم تأثيرها وإفشال مخططاتها، وما الاتفاقية التي وُقِّعت بين بكين وطهران سوى ترجمةٍ عمليةٍ لحجم التحولات الجارية عالميا التي تؤكد تراجع مكانة واشنطن وسطوتها.

الاتفاقية: هكذا بدأت

لم يكن قد مضى على توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة الـ (5+1) ستة أشهر، حتى حل الرئيس الصيني شي جين بينغ ضيفاً على الجمهورية الاسلامية مطلع عام 2016، وخلال لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين وعلى رأسهم قائد الثورة الإمام السيد علي الخامنئي، طرحت فكرة الاتفاقية، وبدأت المفاوضات بشأنها بين البلدين، وقد تزامن ذلك مع دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البيت الابيض، مفتتحاً عهده بحرب تجارية مع الصين، وتصعيد ضد إيران، انتهى بإخراج بلاده من الاتفاق النووي معها، وبفرض عقوبات هي الأقسى على طهران منذ انتصار الثورة الاسلامية عام 1979.

الحرب الأمريكية الاقتصادية المفروضة على كلٍّ من إيران والصين، أعطت دفعاً قوياً للمفاوضات الجارية بشأن الاتفاقية، ووطّدت علاقات البلدين التجارية والسياسية، فلم تستجب الصين للعقوبات الأمريكية، في ما بقي النفط الإيراني يتدفق بقوة إلى اسواقها.

وخلال الصيف الماضي، كشف للمرة الأولى النقاب في إيران عن الاتفاقية وخطوطها العريضة قبل أن تستضيف العاصمة الإيرانية مراسم التوقيع عليها في السابع والعشرين من أذار الماضي.

أهم بنود الاتفاقية

حملت الاتفاقية الموقعة بين الصين وإيران اسم "برنامج التعاون الشامل بين جمهورية الصين الشعبية والجمهورية الاسلامية الإيرانية"، وقد استهلت موادها بالإشارة إلى ان الصين وإيران تمثل كل منهما "حضارة آسيوية قديمة، كما انهما شريكان وثيقان في مجالات متعددة". وأكدت ديباجة الاتفاقية على أن الوثيقة "فصل جديد في مجال العلاقات بين الحضارتين الآسيويتين العظيمتين، الصين وإيران، والخطوة الفعالة لتحقيق الارادة المشتركة للقادة لتعميق العلاقات الثنائية، وتعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات في إطار مبادرة "طريق الحزام".

وتنص الاتفاقية على التعاون بين البلدين في جميع القطاعات الاقتصادية، الصناعية منها والزراعية والسياحية والتجارية. كما تنص أيضاً على التعاون في المجالات والأمنية والعسكرية والائتمانية. وتتحدث عن تبادل الخبرات في تدريب القوى العاملة، والتعاون التكنولوجي، فضلاً عن التعاون العسكري لتعزيز القدرات الاستراتيجية، والتشاور في القضايا المطروحة في المحافل الدولية.

الفقرة المتعلقة بالأهداف الأساسية للاتفاقية، تضمنت الإشارة إلى أن الصين ستكون "مستورداً مستمراً للنفط الخام الإيراني"، وأن الاتفاقية ترتقي "بمكانة الجمهورية الإيرانية في مبادرة الطريق والحزام من خلال تطوير النقل المتعدد الأوجه بما في ذلك شبكات السكك الحديدية والطريق السريع والطرقات البرية والبحرية والجوية".

كذلك نصت أهداف الاتفاقية على "تطوير التعاون في مجال الإنتاج الزراعي والطب والصحة والصناعات المبتكرة"، بالإضافة إلى "تنمية القدرات التجارية وتحسين بناء القدرات في التعاون الجمركي"، وتشغيل قدرات البلدين "لتنفيذ المشاريع التعدينية الكبيرة".

ومن الأهداف الاساسية التي تسعى الوثيقة إلى تحقيقها، "تطوير التعاون العسكري والدفاعي والأمني في مجالات التعليم والبحث والصناعة الدفاعية والتعاون في القضايا الاستراتيجية".

أما في القسم المتعلق بشؤون الطاقة، فقد طرحت الوثيقة مشروعات مختصة بضمان أمن الطاقة على المدى البعيد، عبر "تشجيع الشركات من كلا الجانبين على تطوير حقول النفط الإيرانية"، والبحث حول "المشاركة في إنشاء وتجهيز خزانات النفط والغاز والبتروكيماويات في البلدين"، وتشجيع المشاركة في الشركات الصينية في "الاستثمار وتمويل مشاريع الكهرباء والمياه والصرف الصحي".

الاتفاقية المسقوفة زمنياً بخمسة وعشرين عاماً، لن تقتصر على التعاون الثنائي وانما الاقليمي ايضا من خلال مشاريع من شأنها أن تشكل فرصة لبعض الدول للاستفادة من عوائدها. وفي هذا السياق تشير وثيقة التعاون إلى توريد الغاز الإيراني إلى الصين وباكستان، "وتصميم وتنفيذ برنامج مشترك لتطوير ونقل موارد الطاقة في العراق، ومشاركة الصين في "إنتاج ونقل الكهرباء بين إيران والدول المجاورة".

وعلى المستوى الداخلي الإيراني، فإن الصين بحسب الاتفاقية، ستكون معنية بجذب رأس المال لتجديد كهرباء خطوط سكك الحديد الرئيسية في إيران، وتطوير المطارات، ونقل تكنولوجيا صناعة الطائرات، وإطلاق مشاريع الإسكان على شكل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتطوير شبكة الموانئ، والتعاون في بناء المدن الذكية.

كذلك يشمل التعاون بين الصين وإيران الجانب المالي والمصرفي، حيث تقترح الوثيقة إقامة مشروع مشترك لتسهيل تجارة البضائع بين البلدين، وفتح فروع أو مكاتب تمثيلية للبنوك الإيرانية في المناطق الاقتصادية الخاصة الصينية، وإنشاء بنك صيني - إيراني مشترك.

أمريكا قلقة

أمام هذا المستوى من التعاون والشراكة الاستراتيجية بين بلدين على قائمة الاستهداف الأمريكية، سارع الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى التعبير عن القلق، وهو قلق أبدى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني تفهمه له، مشيراً في تغريدة له على حسابه الرسمي في موقع تويتر، إلى أن "قلق بايدن في محله تماماً، لأن ازدهار التعاون الاستراتيجي في الشرق، يسرِّع من أفول الولايات المتحدة"، وهو ما أكدت عليه أيضاً تحليلات أمريكية، وأخرى اسرائيلية لتداعيات الاتفاقية وثقلها في ميزان العلاقات الدولية. وفي هذا الإطار، رأت مجلة "نيوزويك" الأمريكية أن العلاقات الإيرانية مع الصين "قد تمثل تحديا لنهج واشنطن المتشدد" ونقلت المجلة الأمريكية عن خبراء قولهم إن "الشراكة الاستراتيجية بين إيران القوة الإقليمية الوحيدة في الشرق الأوسط، والصين أهم منافس لها في النظام الدولي العالمي، يمكن أن تعرض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط للخطر، ولا سيما في الخليج".

وفي سياق متصل رأت صحيفة يديعوت أحرنوت الاسرائيلية، أن "اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين الصين وإيران تظهر تعميق التعاون العسكري بين الطرفين، ما قد يؤدي إلى موطئ قدم صيني في منطقة ذات أهمية استراتيجية عالية للولايات المتحدة". وبحسب معلّق الشؤون العسكرية والأمنية في موقع يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي، فإن الاتفاقية "ستمنح إيران عجلة خلاص لاقتصادها المنهار وإمكانية لتجاوز العقوبات الأمريكية، وستكسب الصين وجوداً استراتيجياً في المنطقة وترفع مكانتها كقوة اقتصادية، بينما ستعاني الولايات المتحدة من ضربة قاسية لموقعها في المنطقة".

الضّرر اللاحق بالولايات المتحدة الأمريكية جرّاء الاتفاقية، ينسحب أيضاً على الكيان الغاصب بحسب القراءات الإسرائيلية للحدث، وهو ما توقّف عنده الخبير الإسرائيلي دان شيفتان، الذي رأى في الاتفاقية، تهديداً استراتيجياً لإسرائيل وفق تعبيره قد يتطور إلى أبعاد وجودية، بحيث قد يجد الشرق الأوسط نفسه مرة أخرى في حرب باردة بين القوى العظمى، بطريقة تهدّدها. وأضاف رئيس برنامج الأمن الدولي بجامعة حيفا، في مقالةٍ له في صحيفة "إسرائيل اليوم"، إلى أن "ما يحصل حالياً أمام نواظر إسرائيل يتمثّل في أن المساعدات الصينية الضخمة تعني تقديم الدعم للنظام الإيراني في طهران، في محاولتها لفرض هيمنتها على المنطقة، كجزء من حرب باردة أخرى، وقد تتطور مع مرور الوقت بين الولايات المتحدة والصين، وهذه الهيمنة من شأنها أن تشكل تحديا استراتيجيا لإسرائيل على نطاق لم تشهده منذ حرب يوم الغفران 1973".

خاتمة

مما لا شك فيه أن الاتفاقية أشعلتِ الأضواء الحمر في الولايات المتحدة الأمريكية وكيان العدو، نظراً لما تمثله من تحدٍّ لها في مكانتها الدولية وهيمنتها العالمية، ولما توفِّره من نموذج فعال في العلاقات الدولية، قائم على الشراكة والتعاون وفق استراتيجية رابح رابح التي تعتمدها الصين في إعادة إحياء طريق الحرير عبر مبادرة الحزام والطريق. على أن طريق الاتفاقية لن تكون معبّدة، والانظار تتجه إلى الترجمة العملية للقلق الأمريكي من الاتفاقية، والتي قد تأتي على شكل عقوبات أو محاولات سياسية لقطع خطوط التواصل بين بكين وطهران.

ابتسام الشامي

إخترنا لكم من العدد