مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

حارس الاسوار: انتصار تكتيكي، خسارة استراتيجية

حارس الاسوار: انتصار تكتيكي، خسارة استراتيجية

خلاصة: أنهت إسرائيل الحرب في غزة بإنجازات تكتيكية رائعة ولكن مع دونية استراتيجية كبرى تذكّرنا بالإنجازات الكمية الأمريكية في حرب فيتنام في مواجهة الخسارة الاستراتيجية الأمريكية في هذه الحرب.

بعد عشرة أيام من القتال، انتهت الحرب الرابعة بين حماس وإسرائيل منذ سيطرة المنظمة الإسلامية على قطاع غزة عام 2007. مثل سابقاتها، انتهت الحرب دون حسم واضح، لكن الانطباع أن الصدام الحالي كان مختلفاً تماماً عن جولات القتال السابقة من حيث اللغات وأساليب التفكير المختلفة لحماس وإسرائيل ما عكس هاوية أيديولوجية ومفاهيمية.

في الوقت الذي تميز فيه التفكير الإسرائيلي طوال القتال بالمنطق التكتيكي – الكمي، كان تفكير حماس استراتيجياً – نوعياً. وقد انعكس هذا بشكل جيد في الجدل الداخلي الإسرائيلي الذي ركز على الإنجازات الكمية للقتال مثل عدد الأهداف التي تم استهدافها وعدد مقاتلي حماس الذين قتلوا، وعدد الصواريخ التي تم إطلاقها أو تدميرها، وعدد الأنفاق المدمرة، ومدى الأبراج الشاهقة التي دمرها سلاح الجو وما شابه ذلك. من وجهة النظر هذه، فإن طبيعة القتال، بمعني أي معركة غير مباشرة جوية، أثبت وزاد من ترسيخ الفكر الإسرائيلي بأن بعلق آمال على محاولة تحقيق أكبر عدد ممكن من الإنجازات في المدلول على إلحاق أضرار بـ "الأهداف".

في هذا الجانب، قام الجيش الإسرائيلي بالفعل بعمل جيد، وتمت المعركة بشكل جيد بالتنسيق بين الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، في حين تمكّن حتى المستوى السياسي المتنازع سياسياً من الحفاظ على الانسجام والتعاون المبارك. لقد عانت حماس بلا شك من أضرار جانبية جسيمة في الجانب العسكري، ولكن هذا هو مكمن المشكلة لأن المنطق التكتيكي الكمي لم يخذل إسرائيل فقط في تحقيق نتيجة عسكرية غير قابلة للتفسير تماماً، بل أن حماس نفذت المعركة بمنطق مختلف تماماً بالتركيز على أغراض استراتيجية معركية.

من وجهة النظر هذه، كانت حماس أكثر نجاحاً مما كان متوقعاً. فهي لم تبادر فقط للمعركة بواسطة إطلاق صواريخ على القدس يوم العيد وبذلك فاجأت اسرائيل (كما اعترف بذلك جزء من كبار مسؤولي المؤسسة الأمنية) بل نجحت أيضا في خلق تموجات وفعل حرب خارج حدود القطاع. الخلافات في العلاقات اليهودية العربية التي ظهرت في إسرائيل وأعمال الشغب في المدن المختلطة جنباً إلى جنب مع التسخين في الضفة الغربية كانت آثاراً جانبية للحرب في قطاع غزة، وفي الواقع تمكنت حماس من توحيد المنظومة الفلسطينية بأكملها (في غزة والضفة الغربية) في عرض موحد للإرهاب والعنف، وهكذا، وبعد سنوات عديدة من النجاح، فككت منطقاً رئيسياً في السياسة الإسرائيلية يقوم على دق إسفين بين أجزاء المنظومة الفلسطينية من أجل إضعافه.

بالإضافة الى ذلك أدارت حماس الحملة من منظور إقليمي ودولي شامل. إن وضع القدس كنقطة رمزية للمعركة، على عكس جولات القتال السابقة التي وضعت موضوع "الحصار" على غزة في قلب القتال وأهدافه، أتاح له قيادة معسكر الإرهاب و "المقاومة" الإقليمي، بما في ذلك على حساب حزب الله الذي اضطر خلال الأسبوع الماضي على استيعاب إطلاق صواريخ من قبل جهات فلسطينية من أراضي لبنان نحو إسرائيل، خطوة يمكن أن تتطور كنمط عمل دائم ضد إسرائيل.

حددت حماس في المعركة الأخيرة جدول الاعمال اليوم في الشرق الأوسط عندما لم تعد المعركة في غزة "جول قتال" محلية بينها وبين إسرائيل بل تعبير، أو حجر زاوية، للمعركة الكبرى ذات أبعاد استراتيجية تحصل في الشرق الأوسط بين مدرستين أيديولوجيتين تمثلان المعسكرات الإقليمية:

المدرسة الاقتصادية – البراغماتية لـ "رجال العقول"، والتي نصبت إسرائيل نفسها كهيئة رائدة لها إلى جانب الدول الغنية الكارهة للمخاطرة في المنطقة. إنها مدرسة ركزت على سياسة تركز على دفع أجندة اقتصادية وكانت وراء الاتفاقيات الإبراهيمية وكذلك وراء ظاهرة منصور عباس، وقد حددت في الواقع "صفقة القرن" لإدارة ترامب.

مدرسة "أهل المشاعر" في "معسكر المقاومة" التي تركز على سياسات الهوية القديمة القائمة على الترويج للرؤى المثالية والطوباوية التي تعطي الأولوية للمستقبل على الحياة في الوقت الحاضر.

في العقد الماضي، اكتسبت المدرسة البراغماتية ميزة واضحة في المنطقة تحت رعاية الإدارة الأمريكية، ويبدو أن المعركة في غزة كانت تحدياً تم تحقيقه من خلال ثلاثة عوامل: تغيير الحكومة في الولايات المتحدة وابتعاد الرئيس بايدن وحكومته التقدمية عن سياسات سلفه؛ ضعف النظام السياسي في إسرائيل وخاصة ضعف نتنياهو الذي أعتبر بأنه محور استراتيجي مركزي ورادع؛ وتقدير جهات المقاومة بضعف الغرب (بما في ذلك إسرائيل) على خلفية صعوبات الأداء الداخلي لديهم طوال أزمة كورونا.

وبينما اتسم العقد الماضي باستقرار أمني نسبي في المنطقة، وضعف عناصر "المقاومة"، وتراجع مركزية القضية الفلسطينية، جاءت المعركة في قطاع غزة لقلب هذا الواقع وجر ورائها كل رجال السياسة الهوية: هؤلاء من في القطاع، ووسط عرب إسرائيل، ووسط الفلسطينيين في الضفة الغربية. حولت المعركة في القطاع التصادم التكتيكي بين الجانبين الى تصادم استراتيجي بين المدارس والتوجهات ووجهات النظر العالمية والمعسكرات المختلفة. في هذا الصدد، أتيحت لإسرائيل فرصة استثنائية لتحويل غزة وحماس إلى نوع من الدرس الإقليمي والدولي من أجل استعادة نقطة التوازن السابقة للمنظومة وإعادة تأسيس الأجندة الاقتصادية البراغماتية.

للقيام بذلك، تعين عليها تغيير استراتيجيتها تجاه غزة وتحديد أغراض عملياتية مختلفة تؤدي بالمعركة التي تنتهي بانهيار كامل لقواعد القوة العسكرية لحماس. هذا الأمر يستوجب بالطبع التخلي عن الممارسة المألوفة للمعركة الجوية لصالح معركة تجمع بين الجو وبين المناورة البرية. ولكن يبدو أن الفجوة اللغوية بين المقاربة التكتيكية - الكمية ونهج حماس الاستراتيجي النوعي عكس الصعوبة الإسرائيلية في فهم طابع وأهمية المعركة الحالية الفريدة في قطاع غزة فيما يتعلق بسابقاتها والسياق الواسع الذي تخاض فيه.

لكن في أعقاب ذلك واصلت إسرائيل استخدام نفس المنطق العملياتي العسكري الذي كانت تمارسه في الجولات السابقة واعتبرت هذا القتال من جولات القتال المزمنة الأخرى التي تخوضها ضد المنظمة في غزة. في هذه الظروف انهت المعركة بإنجاز تكتيكي رائع لكن بدونية استراتيجية كبيرة تذكر بالإنجاز الكمي الأميركي على ضوء الخسارة الأميركية الاستراتيجية في حرب فيتنام (1959 -1975). لذلك هناك آثار واضحة بخصوص السياسات الشرق اوسطية على كل مستوى يمكن تصوره تقريباً.

يد "رجال المشاعر" حالياً هي العليا. لقد وضعت حماس نفسها كلاعب استراتيجي مهم يتجاوز الساحة الفلسطينية من خلال النجاح في تقويض وتكسير النموذج الاقتصادي البراغماتي لـ "صفقة القرن"، ودق إسفيناً بين اليهود والعرب في إسرائيل، وإعطاء الإرهابيين الإقليميين أسباباً وجيهة لمواصلة تحدي إسرائيل. هذه ليست بشرى سارة لـ "رجال العقول" واللاعبين الراضين والراغبين بالعيش في الشرق الأوسط، وأي تصحيح في المسار الناشئ يتطلب أولاً وقبل كل شيء استيعاباً معرفياً للمعنى الحقيقي للحرب الأخيرة، ناهيك عن نتائجها الحقيقية. ومن الأفضل الإسراع.

مركز بيغن السادات – الدكتور دورون متسا (باحث في مركز بيغن السادات وشغل سابقا مسؤوليات في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي)

ترجمة وإعداد: حسن سليمان