مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

روسيا تنسحب من اتفاقية الاجواء المفتوحة.. هذه هي أسبابنا

ابتسام الشامي

روسيا تنسحب من اتفاقية الاجواء المفتوحة.. هذه هي أسبابنا

على مسافة أيام قليلة من لقائه الرئيس الأمريكي جو بايدن في مدينة جنيف السويسرية، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قانون انسحاب بلاده من معاهدة الأجواء المفتوحة.

وعلى الرغم من أن إجراءات الانسحاب الروسي كانت قد بدأت منذ بداية العام الحالي، إلا أن التوقيع عليها في هذا التوقيت يحمل رسالة إلى الرئيس الجديد، الذي لم يتراجع عن قرار سلفه دونالد ترامب، على الرغم من أنه كان من المعارضين لانسحابه، بالنظر إلى ما تتيحه الاتفاقية من رقابة على الأنشطة العسكرية الروسية.

ما هي اتفاقية الاجواء المفتوحة؟

لم يكن الانسحاب الروسي من اتفاقية الأجواء المفتوحة مفاجئاً على المستوى الدولي، فقد سبق لروسيا أن أعلنت أنها بصدد الانسحاب من الاتفاقية منذ نهاية العام الماضي، رداً على انسحاب أمريكي مماثل نفذه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي استهوته قرارات قطع صلات بلاده بعدد من الاتفاقيات الدولية الهامة، ما أدى إلى فقدانها توازنها وفاعليتها، وهو ما ينطبق على اتفاقية الأجواء المفتوحة التي تعتبر من أهم الاتفاقيات الموقعة بين موسكو وواشنطن في أعقاب نهاية الحرب الباردة، بلحاظ بعدها الرقابي على الأنشطة العسكرية. فالاتفاقية الموقعة عام 1992 من قبل أربع وثلاثين دولة، تمتد جذورها إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، عندما اقترح الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور أن تسمح بلاده والاتحاد السوفييتي السابق القيام برحلات استطلاع جوية فوق أراضي بعضهما البعض، غير أن الرفض السوفييتي للفكرة آنذاك أدخلها إلى الأدراج، قبل أن يعيد الرئيس الاسبق جورج بوش الأب احياءها عام 1989، إلا أن دخولها حيز التنفيذ تأخر حتى عام 2002.

وتقوم فلسفة الاتفاقية على ما يسمى بتعزيز الشفافية ونزع عوامل التفجير بهدف تقليل فرص الصراعات العسكرية بين اعضائها، حيث تسمح لجيش بلد موقع عليها، تنفيذ عدد محدد من الرحلات الاستطلاعية فوق بلد عضو آخر بعد ابلاغه بالرحلة قبل اثنتين وسبعين ساعة من القيام بها. ويمكن للطائرة مسح الأراضي تحتها، وجمع المعلومات والصور للمنشآت والأنشطة العسكرية. علماً أن الاتفاقية تنص أيضاً، على أن كل دولة فيها توافق على جعل كل أراضيها متاحة لطيران الاستطلاع للدول الاخرى.

أسباب الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية

وفي إطار الاتفاقية أجريت الكثير من الرحلات الاستطلاعية للمراكز والأنشطة العسكرية للدول الأعضاء فيها، إلى ان اتخذ ترامب قرار الانسحاب منها. وقد استنفر أركان الإدارة الأمريكية السابقة لتبرير الانسحاب من اتفاقية الأجواء المفتوحة بعدم التزام روسيا بها.

وفي السياق، قال ترامب للصحافيين في البيت الأبيض، في أيار من العام الماضي إن "روسيا لم تلتزم بالمعاهدة. ولذا، سننسحب إلى أن يلتزموا"، وعلى الرغم من ما احتوته العبارة من امكانية العودة عن القرار، إلا أن أي مفاوضات لم تجر مع روسيا في هذا الشأن، بل على العكس من ذلك، تصاعدت لغة الاتهام الأمريكي ضدها، وقال المتحدث السابق باسم وزارة الدفاع الأمريكية جوناثان هوفمان، إن روسيا "تنتهك بشكل صارخ ومتواصل التزاماتها" الواردة في النص، مضيفاً أن موسكو تطبقه "بأساليب تساهم في تهديد الولايات المتحدة والحلفاء والشركاء". متهماً إياها برفض السماح بتحليق الطائرات الحليفة إلى مسافة تقل عن 500 كيلومتر من كلينينغراد الواقعة بين ليتوانيا وبولندا، وتخطي الحدود الفاصلة بين روسيا وجورجيا بأكثر من 10 كيلومترات.

وكانت وكالة "أسوشييتد برس" قد نقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن روسيا قيدت الرحلات فوق موسكو والشيشان وقرب أبخازيا وجنوب أوسيتيا، الأمر الذي يجعل من الصعب القيام بالاستطلاع في كلينينغراد، الجيب الروسي بين ليتوانيا وبولندا الذي يضم أسطول البلطيق.

الموقف الروسي من الانسحاب الأمريكي

وعلى الرغم مما ساقته الإدارة الأمريكية السابقة من اتهامات لروسيا لتبرير الانسحاب من اتفاقية الأجواء المفتوحة، إلا أن فكرة الانسحاب لاقت اعتراضات كبيرة في الأوساط الأمريكية الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، وكان الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن من بين الذين اعترضوا على الانسحاب الذي حصل على مسافة أشهر قليلة من وصوله إلى البيت الابيض، لكن اعتراضه هذا لم يترجمه عملياً بالعودة عن قرار سلفه كما يفعل اليوم بخصوص الاتفاق النووي مع إيران. وإذا كانت روسيا قد "أبطأت" مسار الخروج من الاتفاقية، في رهان ضمني على امكانية التفاوض مع الإدارة الجديدة للعودة إلى الالتزام بمقتضياتها، فإن توقيع الرئيس الروسي على قانون الانسحاب يعد رسالة في صندوق الرسائل السياسية المتبادلة مع البيت الابيض، لاسيما وأن الرئيس الجديد اتخذ خطاً تصعيدياً ضد روسيا متهما إياها بالتدخل في شؤون بلاده وتشكيل خطر عليها.

على أن الانسحاب الروسي من الاتفاقية، وإذ جاء رداً على الانسحاب الأمريكي منها، إلا أن موسكو ارتأت وضعه في سياق رفع التهم الموجهة إليها بانتهاك الاتفاقية، وفي هذا السياق اتهمت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، الولايات المتحدة برفض منح ما يكفي من أذونات التوقّف لطائرات المراقبة الروسية، وبتخفيض النطاق الأقصى للتحليق عبر إلغاء فترات الراحة للطواقم الروسية في مطارات التزود بالوقود، وفرضها قيوداً لم تنص عليها اتفاقية الأجواء المفتوحة، على مستويات الارتفاع، وقامت بتأخير إصدار التأشيرات للموظفين الروس المعنيين بمهام المراقبة.

ووفق ما قالته زاخاروفا في قناتها الخاصة عبر "تلغرام" فإن الولايات المتحدة "كانت تحث الدول الأعضاء، وتحديداً جورجيا، على انتهاك الاتفاقية" مشيرة إلى أنها توقفت عن استقبال البعثات الروسية منذ عام 2012.

وكشفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، أن الأمريكيين" كانوا يرسلون طائرات قديمة، في حال فنية سيئة، للقيام بمهام الاستطلاع فوق الأراضي الروسية، وهو ما كان يعرض حياة الموظفين الأمريكيين والمواطنين الروس للخطر".

وشملت اتهامات زاخاروفا بعدم احترام نصوص اتفاقية الاجواء المفتوحة، كلاً من بريطانيا وفرنسا، اللتين امتنعتا عن تقديم المعلومات المطلوبة حول إجراءات القيام برحلات مراقبة فوق مناطق نائية في أراضيهما، منذ العام 2002، وبالتالي منع روسيا من مراقبتها"

كذلك، اتهمت المسؤولة الروسية بريطانيا والنرويج وكندا بفرض قيود على مستويات الارتفاع، وكندا برفض توفير عدد إضافي من أذونات التوقف لطائرات المراقبة الروسية. منتقدة القيود المفروضة على تحليق روسيا فوق المناطق المحظورة وفي المجال الجوي الخطير الذي تفرضه بولندا وتركيا، وهو ما اعتبرته انتهاكاً لاتفاقية الأجواء المفتوحة".

خاتمة

مما لا شك فيه أن الانسحاب الأمريكي ومن ثم الروسي من اتفاقية الأجواء المفتوحة أضعفها وأفقدها حجر الزاوية الذي ارتكز إليه بنيانها، وعلى الرغم من الاتهامات المتبادلة بين موسكو وواشنطن وعواصم الدول الأخرى المشاركة في الاتفاقية، بالمسؤولية عن انتهاك بنودها، يبقى أن العامل الأساسي في ما جرى أنها فقدت بالمعنى التقني أهميتها مع وجود الأقمار الصناعية القادرة على توفير مسح لأجواء الدول ومراكزها العسكرية وأنشطتها التسليحية، وبالتالي يمكن القول إن الدول الموقعة عليها، "استغنت" عن خدماتها في مجال التجسس والمراقبة، وتحولت تالياً إلى اتفاقية يدار النقاش بشأنها بأبعاد سياسية لا عسكرية.  

ابتسام الشامي

 

 

 

إخترنا لكم من العدد