مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

البرلمان الجزائري الجديد أمام التَحَدِّيَاتِ الاقتصادية

توفيق المديني

أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر يوم اليوم الثلاثاء الماضي، أنَّ حزب جبهة التحرير الوطني، أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، هو الذي فاز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات التشريعية التي أُجْرِيَتْ يوم السبت12حزيران2021، وهي أول انتخابات تشريعية بعد اندلاع الحراك الشعبي في 19شباط 2019، وبعد الاستحقاقين الماضيين، الانتخابات الرئاسية في كانون الأول 2019، والاستفتاء على الدستور في تشرين الثاني 2020.  

فقد شارك في هذه الانتخابات التشريعية  أكثر من 13 ألف مرشح، يمثلون 1483 قائمة عبر 58 ولاية(محافظة) في البلاد، منها 837 قائمة للمستقلين و646 قائمة تمثل 28 حزباً، وحصل حزب جبهة التحرير الوطني على 105 مقعداً، وهو أقل بكثير من 204 مقاعد التي يحتاجها  لتشكيل أكثرية في البرلمان الجديد المؤلف من 407 مقاعد، بينما حصل حزب حركة مجتمع السلم الإسلامي(حماس) على 64 مقعداً ومرشحون مستقلون على 78 مقعداً، يليها حزب التجمع الوطني الديمقراطي(الأرندي) بنحو 57 مقعداً، وحزب جبهة المستقبل 48 مقعداً، وحزب حركة البناء الوطني(منشقة عن حماس وتمثل تيار الإخوان المسلمين في الجزائر) 40 مقعداً، وحزب جبهة الحكم الراشد 3مقاعد، وحزب صوت الشعب 3 مقاعد، وحزب جبهة العدالة والتنمية التي يقودها الإسلامي المخضرم جاب الله مقعدان. 

وتشير النتائج الأولية غير الرسمية إلى محافظة حزب جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي بالإضافة إلى حركة مجتمع السلم على تصدرهم.  كما أشارت إلى إحداث كل من حزب المستقبل وحركة البناء المفاجئة بتفوقهم وحصولهم على مقاعد في عدة ولايات. 

في قراءة تاريخية للانتخابات الجزائرية، يمكن إجراء مقارنة بين انتخابات 1991، وانتخابات 2021، على الرغم من الاختلاف العميق والمتعدد الأوجه بينهما.  ومكمن التشابه، أن كليهما يأتي بعد اندلاع انتفاضة شعبية، أجبرت السلطات على تقديم تنازلات وتعديل الدستور، وانفتاح أكثر نحو قوى المعارضة، وسياق دولي شهد سقوط العديد من الأنظمة. 

أما أوجه الاختلاف فكثيرة، أبرزها أن انتخابات 1991 كانت تأسيسية لمرحلة الانفتاح الديمقراطي والخروج من عهد الحزب الواحد، أما انتخابات 2021 فتسعى لتكريس التداول السلمي على السلطة والخروج من "ديمقراطية الواجهة".  ولكنَّ أبرز اختلاف بين تشريعيات 1991 و2021، أن حزباً معارضاً استطاع قيادة الحشود الغاضبة لاكتساح الانتخابات في دورها الأول ألا وهو "الجبهة الإسلامية للإنقاذ "بقيادة الراحل عباسي مدني، بينما يفتقد الحراك الشعبي لسنة 2019 لأي زعامة أو حزب يوحده، ناهيك عن الاختلافات العميقة بين أطيافه، ودعوة غالبيتها للمقاطعة، ما يجعل التغيير الجذري عبر صناديق الاقتراع مستبعداً. 

وخلال 30 عاماً تغيرت خريطة تمثيل الأحزاب في البرلمان، لكنَّ باستثناء انتخابات 1991، فقد فاز الحزبان المواليان للسلطة (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي) في جميع الانتخابات التي أجريت.  وتنقسم الأحزاب في الجزائر إلى ثلاث عائلات سياسية كبيرة، تتمثل في: التيار الوطني، وأغلب أحزابه موالية للسلطة، والتيار الإسلامي، والتيار العلماني المنقسم بين يساريين وليبراليين. 

حزب المقاطعة للانتخابات

جرت الانتخابات التشريعية في الجزائر يوم 12حزيران2021، في ظروفٍ صعبة يمر بها الاقتصاد الجزائري، إثر أزمة تدّني أسعار النفط، المصدر الأساسي لمدخولات الدولة، وتداعيات جائحة كورونا، وانعكس ذلك على الواقع المعيشي للمواطن، إذ ساد فيه الخوف من الامتناع عن التصويت، باعتبار أنَّ "حزب المقاطعة" أصبح الحزب الأول في الجزائر، حسب آراء المحللين الجزائريين. 

فالظاهرة الجديدة التي باتت تسيطر على المشهد السياسي الجزائري، وباتت تقلق أركان الدولة الجزائرية وبقية الأحزاب السياسية سواء المؤيدة للسلطة أو المعارضة، تكمن  في العزوف الشعبي عن المشاركة الانتخابية، حيث أصبحت فئات واسعة من الشعب الجزائري تتعامل تجاه الاستحقاقات الانتخابية بنوع من السلبية القاتلة، واللامبالاة، ليقينها التام بأن كل مظاهر المشاركة السياسية لم تعد تحقق الأهداف المرجوة، لاسيما عملية التغيير الحقيقية في البنية السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية للدولة الجزائرية.

وكان الناخبون الجزائريون الذين يرزحون تحت وطأة غلاء المعيشة، يعبّرون عن معارضتهم للطبقة السياسية الحاكمة من خلال الصمت ومقاطعة الانتخابات التشريعية، فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 23. 3% وهو الرقم الأدنى تاريخياً، بحسب الأرقام الرسمية غير النهائية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات الثلاثاء الماضي.  ومن أصل 24 مليون شخص يحق لهم الاقتراع، أشارت السلطة إلى أنَّ 5.  6 ملايين شخص أدلوا بأصواتهم، علماً بأنَّ أكثر من مليون من هذه الأصوات اعتبرت لاغية، ليكون الرّقم النهائي أقرب إلى 20%، أي 18 مليون عازف عن الانتخابات في الجزائر. 

فقد دأبت السلطة الجزائرية على تقسيم الجسم الانتخابي إلى ثلاثة أقسام: الأوّل منها مشارك ومنخرط في الفعل السّياسي، الثّاني يمكن اعتباره أغلبيةً صامتةً لا يُعرف لها اتّجاه سياسي، فيما يشير القسم الأخير إلى قطاع المقاطعين الذين يمكن العثور عليهم، غالباً، بين أحزاب الكتلة الديمقراطية المؤيدة للحراك الشعبي، (حزب جبهة القوى الاشتراكية، حزب التجمع من أجل الثقافة و الديمقراطية(وهما حزبان أمازيغيان متمركزان في مناطق القبائل الكبرى والصغرى، تيزي أوز وبجاية)، وحزب العمال التروتسكي بقيادة لويزة حنون، وحزب العمال الاشتراكي، والحركة الديمقراطية الاجتماعية (وريثة الحزب الشيوعي)، وهي أحزاب المعارضة التي اعتادت على تبنّي خطاب رفض المسارات السياسية التي تشرف عليها السُّلطة. 

هل تتجه الجزائر لخيار تشكيل حكومة وحدة وطنية؟

أسفرت النتائج الأولية للانتخابات التشريعية، التي أعلنت عنها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عن خريطة سياسية جديدة وتوازنات مغايرة لما كانت عليه الأمور قبل الحراك الشعبي، على الرغم من أن هذه التوازنات الجديدة نسبياً، فهي لم تفرز أغلبية رئاسية. وينص الدستور على أن يقود الحكومة وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، ورئيس للحكومة في حال أسفرت عن أغلبية برلمانية، ولن تقلب الأمور رأساً على عقب على صعيد إتاحة الفرصة لقوى المعارضة لتشكيل أغلبية نيابية وتشكيل حكومة، لأنها أيضاً لم تفرز أغلبية معارضة. وتبدو الأمور في اتجاه وجود تفاهمات مشتركة على تشكيل أغلبية رئاسية تتيح للرئيس تبون، الذي خاض المعترك الرّئاسي الأخير في نهاية سنة 2019 من دون أنْ يملك في الوقت الحالي حزباً خاصاً، واعتمد على المجتمع المدني، بعيداً عن أحزاب الموالاة القديمة، المتكونة من حزب جبهة التحرير الوطني، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، اللذين يشكلان الطبقة السياسية التي أفرزتها الممارسات السياسية السّابقة، لتشكيل حكومة موسعة، أو حكومة وحدة وطنية، وهو ممر يبدو إجبارياً بالنسبة لكل الأطراف، نتيجة الاختلالات الداخلية الكبيرة سياسياً واقتصادياً وتعقّد المشاكل الاجتماعية في البلاد وتراجع مداخيل النفط وتآكل احتياطي الصرف. 

لقد أشار التعديل الدستوري (نوفمبر/ تشرين الثاني 2020) إلى نوعين من الحكومات، يمكن أن تفرزهما الانتخابات التشريعية، في أحدهما يمكن أن تتشكّل من أغلبية تفـوز، لا تكون من مناصري برنامج الرّئيس عبد المجيد تبون، وفي الآخر تكون مناصرة له، وتتشكّل ببرنامجه. فقد ضبطت المادة 103 من الدستور المعدل في 2020 شكل الحكومة وفق التوصيف التالي: "يقود الحكومة وزير أول في حال أسفرت الانتخابات التشريعيــة عــن أغلبية رئاسية"، في حين "يقود الحكومة رئيس حكومة، في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية". 

الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة، لم تفرز أغلبية رئاسية، أي مؤيدة للرئيس عبد المجيد تبون، لكنًّها في الوقت عينه، لم تفرز أيضاً أغلبية معارضة قادرة أن تشكل حكومة مستقلة عن برنامج الرئيس، وهو المعطى الذي يقود إلى تبني مقاربات وسيناريوهات حول الشكل الذي سيطبع الجهاز التنفيذي المقبل. 

التصريحات الأولية التي صدرت عن قادة بعض الأحزاب التي فازت بغالبية المقاعد في البرلمان الجزائري الجديد، لم تقدم مشروعها السياسي على أنَّه مشروع معارض لبرنامج رئيس الجمهورية، ويمكن الاستناد في هذا إلى ما صادر عن رئيس حركة مجتمع السلم(64مقعداً)، عبد الرزاق مقري، في الندوة الصحفية التي عقدها يوم الأربعاء الماضي، والتي أكَّد من خلالها أنَّ حركته ستقف إلى جانب الرئيس في مسعى محاربة الفساد، وفي هذا التصريح إشارة إلى الاستعداد للانخراط في المشروع الرئاسي من حيث المبدأ، لاسيما وأنه تحدث عن تلقيه عروض سياسية بشأن إقامة تحالفات. 

على الرغم من أنَّ رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون، لا ينتمي إلى أي تكتل سياسي، والأحزاب التي تسيطر اليوم على غالبية المقاعد في المجلس الشعبي الوطني (البرلمان الجديد)، دعمت غيره في صورة كل من حزب جبهة التحرير الوطني (105 مقاعد) والتجمع الوطني الديمقراطي (57 مقعداً)، اللذين وقفا إلى جانب المرشح عز الدين ميهوبي، كما دعمت حركة البناء الوطني (40 مقعداً) مرشحها ورئيسها عبد القادر بن قرينة، وكذلك الشأن بالنسبة لجبهة المستقبل (48 مقعداً) التي دعمت رئيسها عبد العزيز بلعيد، فيما بقيت حركة مجتمع السلم على الحياد، فإنَّ أحزاب الموالاة سابقاً (حزبي جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي)، لن يتخندقا في لواء معارضة برنامج الرئيس تبون، فقد أعلنا من خلال تصريحات قيادتيهما خلال الحملة الانتخابية، عن استعدادهما للتوافق مع المشروع الرئاسي، وهو معطى سيصب في صالح خيار الوزير الأول. 

أما كتلة المستقلين (78 مقعداً)، والتي تعدُّ الكتلة السياسية الثانية في البلاد بعد حزب جبهة التحرير الوطني، فقد استفادت من دعم السلطة السياسية الجزائرية، وبالتالي فهي تدين بالولاء للرئيس جراء التسهيلات التي وضعها بين أيديها في المرسوم الذي تضمن القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، وهي الأقرب إلى دعم البرنامج الرئاسي، منه إلى دعم مشروع سياسي آخر. 

 في الواقع الجزائري، الذي يسيطر عليه وباء كورونا الذي أثر بشكل كبير على الجزائريين، وفاقم من مصاعب الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة، ويعاني أصلاً من آثار انهيار أسعار النفط والقيود على الاستثمار المحلي والأجنبي، وارتفاع نسبة العاطلين عن العمل بين الشباب إلى الثلث، يعتبر الرئيس عبد المجيد تبون المنفتح على الإسلاميين، والمًجَسِّد للخيار الدستوري هذه الانتخابات بأنَّها "انطلاقة جديدة لمسيرة التجديد الوطني المبنية على قيم المصارحة والثقة والشفافية ومحاربة الفساد بكل أشكاله، وتثبيت أسس الاختيار الديمقراطي الحر الكفيل بإرساء دولة المؤسسات والحق والقانون وبناء الجزائر السيدة القوية". 

والحال هذه، فإنَّ السيناريو الأقرب لتجسيد خيار الوزير الأول (وهو خيار الرئيس)، هو تشكيل حكومة وحدة وطنية متكونة: من حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي وتكتل الأحرار (المستقلين)، الذين يسيطرون جميعهم على 240 نائب، التي تشكل الغالبية المطلقة في البرلمان الجديد، إضافة إلى ضم أحزاب أخرى لم تعلن معارضتها لبرنامج الرئيس تبون، أمثال حزب جبهة المستقبل، وحركة البناء الوطني، حيث لا يستبعد أن ينخرطا في دعم البرنامج الرئاسي، إذا ما توصلا مع الطرف الرئاسي إلى توافقات بشأن تسيير المرحلة المقبلة، والتي تبقى بحاجة إلى دعم جميع الفرقاء السياسيين، وخصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الجزائر. 

خاتمة

المنطق والعقل يقولان أنَّ الجزائر بحاجة لتشكيل حكومة وحدة وطنية منسجمة مع مشروع الرئيس عبد المجيد تبون، لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، نظراً لاعتمادها على صادرات النفط والغاز المتراجعة وانخفاض مستويات احتياطاتها من العملة الصعبة، إِذْ استخدمت الحكومات المتعاقبة الاحتياطي الأجنبي الذي تراجع من 200 مليار دولار في 2014 إلى 29 مليار دولار في العام الحالي، وهو كل ما تبقى في الخزينة العمومية من احتياطي الصرف، وهو مقدار قد يفي بالحدِّ الأدنى من حاجات البلاد حتى نهاية العام المقبل. ومثل هذا الوضع لا يَفُكُّهُ رئيسٌ، أو حكومةٌ، أو حزبٌ، أو تيارٌ بمفرده. 

ويكمنُ معيار التحول الديمقراطي في الجزائر، في إفساح المجال لإعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية، ومنها البرلمان الذي يجب أن يلعب دوراً كاملاً في الرقابة على الحكومة وتسيير الشأن العام، كما أنَّ على الحكومة الجديدة أن تلتزم تجسيد القطيعة مع الممارسات السابقة. فمن دون حكومة وحدة وطنية، وبرنامج يحدد الأولويات المستعجلة، ورؤية تشترك في صياغتها الأحزاب السياسية المؤمنة بالتحول الديمقراطي (موالاة ومعارضة)، سيكون من الصعب على الجزائر الخروج من المأزق الراهن. كما أنَّ كل محاولة لإعادة إنتاج المقاربات الخاطئة والمضللة، التي اعتادت أحزاب الموالاة على تبنِّيهَا، ستكون إسقاطاتها مُدَّمرةً على الدولة والمجتمع في الجزائر. 

 

 

 

إخترنا لكم من العدد