مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

معركة "سيف القدس" المواجهة والمُراكمة.. سرايا القدس نموذجاً

معركة "سيف القدس" المواجهة والمُراكمة.. سرايا القدس نموذجاً

لم يرضخ الشعب الفلسطيني للغزوة الصهيونية؛ فقد واجه تلك الغزوة منذ بداياتها ـ أي منذ العام 1882 ـ، ومرّت تلك المقاومات بأشكال مختلفة، لكن الثابت كان ولا يزال هو الاستمرار بتلك المقاومة رغم تغيّر الظروف، وثبات بعضها.

وفي جولة الصراع هذه "سيف القدس" ضد العدو الصهيوني؛ حوّلت حركات المقاومة في فلسطين، وبالتحديد حركتا الجهاد الإسلامي وحماس، السياسة من كونها فن تحقيق الممكن، إلى فن تحقيق ما يبدو مستحيلاً.

وفي الوقت الذي يظن فيه كثيرون ـ وبعضهم يعتقد ذلك ـ أن موجة التطبيع العاتية، والاستيطان المستمر والذي يأكل الأخضر واليابس، والتهويد المتصاعد، واستطاعة الكيان الصهيوني الحصول على بيئة مناسبة له من خلال التطبيع، ومواجهة المقاومة، والتمدّد في افريقيا، والتدخل في العديد من ملفات المنطقة، وعقد الصفقات.. قد قرّب حسم الصراع لصالح الكيان.. يتفاجأ الجميع، كما تفاجئوا في العام 2000 عندما تفجّرت انتفاضة الأقصى، ولتتفجّر الهبّة الجماهيرية في باب العامود في القدس، بعد محاولاتٍ عديدة للمستعمرين الصهاينة بدعم من الأجهزة الأمنية والسياسية الصهيونية للسيطرة الكاملة على القدس، لكن المقاومة الفلسطينية، وغرفتها المشتركة، وعلى رأسها سرايا القدس، وكتائب القسام، وجّهت في العاشر من أيار/مايو من العام الحالي تحذيراً للعدو الصهيوني الذي لم يلتزم به فبدأت المقاومة بمعركتها "سيف القدس"، التي اعتبرها الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، بأنها "تشكل مخرجاً وطنيّاً للشعب الفلسطيني، وللمشروع الوطني الذي راوح في مربّع التسويات العدمية لأكثر من ربع قرن"، وأن "فلسطين تعود اليوم إلى قلب الاهتمامات العربية والإسلامية شعبيّاً ورسميّاً، وإلى قلب الاهتمام الدولي"، ودعا إلى "التحرك للاستفادة من هذه المتغيرات ومنع محاولة إجهاض ما تم إنجازه بكل قوة".. فما هو الدور الذي قامت به سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين أثناء المعركة؟ وما هي الإنجازات التي تحقّقت؟ وما هي حدود المواجهة والردع التي أرستها المقاومة؟.

خاضت المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها سرايا القدس وكتائب القسام معركة غير متماثلة مع جيش العدو الصهيوني؛ إذ أن الحروب النظامية بشكليها الكلاسيكي والحديث قد تلاشت. وذكرت "روجينا خليل الشختورة" في مجلة (الجيش العدد 348 - حزيران 2014)، أن الحروب النظاميّة بشكليها الكلاسيكي والحديث قد تلاشت، ولم نعد نشاهد في العقدين الأخيرين مثل هذا النوع من الحروب لا بين الدول الصغرى، ولا بين الدول الكبرى. فالأخيرة تحشد موارد ضخمة وتقنيّات متقدّمة في الحروب المحدودة، بينما تقاتل الدول الأصغر بموارد محدودة لكنّها تتسلّح بإرادة قويّة. ويصف أحمد قاسم حسين، الباحث في (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات - 24/6/2021)، المواجهات العسكرية بين قوى المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي (2008/ 2009، 2012، 2014، 2021)، التي كانت ساحتها الأساسية قطاع غزة المحاصر منذ خمسة عشر عاماً، بأنّها حروب غير متناظرة، نظراً إلى التفاوت في القوة العسكرية بين الطرفين من ناحية، وبسبب التكتيكات والاستراتيجيات التي تتبعها قوى المقاومة الفلسطينية في مواجهة القوة الهائلة لجيش الاحتلال الإسرائيلي من ناحية أخرى.

وعلى الرغم من التفوق العسكري في هذه الحروب غير المتكافئة، لم تستطع "إسرائيل" - كما يذكر الكاتب أحمد قاسم حسين -، من تحقيق نصر أو حسم المواجهات لصالحها، وفشلت في تحقيق الأهداف التي تضعها عند كل مواجهة، مثل ضرب البنية التحتية للمقاومة، وإضعاف قدراتها، وردعها عن إطلاق الصواريخ تجاه العمق الإسرائيلي، بل على العكس، ازدادت قوة المقاومة الفلسطينية نسبياً في قطاع غزة على مستوى الكفاءة القتالية (التدريب، والتعليم، والتطوير)، والكفاءة الفنية (التحضير، والتجهيز، وإدارة المعركة)، خاصةً في معركة "سيف القدس".

حصاد وترقّب

إن المتتبّع لمسيرة الجهاد يدرك جيداً أن خوضها مع بقية فصائل المقاومة الصراع ضد الاحتلال ناتج عن فهم واضح لطبيعة الصراع ضد العدو الصهيوني وتحالفاته، وبالتالي فإن استمرار الصراع ضدّه هو الأنسب والأقدر على تحقيق نتائج مهمة للشعب الفلسطيني تُقرّب من إمكانيّة النصر والتحرير. ولذلك عندما توقّف صوت الصواريخ والمدافع، اعتبرت سرايا القدس في بيان صادر عنها في (21/5/2021)، أن "توقّف صوت الصواريخ والمدافع والبارود.. لن توقف مسيرتنا الطويلة وسيستمر درب جهادنا الشاق، حيث كانت القدس في معركة سيف القدس واحدةً من محطاتها الممتدة، والتي خضناها بكل جرأة وقدرة تعبيراً حقيقياً عن انتمائنا في سرايا القدس وفصائل المقاومة للقدس والمقدسيين".. وأنّها ومعها المقاومة "ما زالوا في حالة استنفار"، وأنّهم سيبقون حاضرين وفق قاعدة "وإن عدتم عدنا". وأشارت سرايا القدس إلى أن معركة سيف القدس هي "محطة فاصلة تضاف إلى سجل المقاومة الخالد بمداد من شهداء ودماء وعطاء كبير منقطع النظير، استطاع شعبنا المجاهد عبرها أن يضع كيان العدو في مأزقٍ وجوديٍ وتاريخي لم يسبق له مثيل". وأكّدت على "هزيمة نتنياهو وقيادة جيشه المهزوم، - الذين - ألحقنا بهم جميعاً إلى جانب جبهتهم الداخلية الهشّة خسارةً نكراء وإذلالاً يومياً، وودعنا خلال هذه المعركة شهداء أفذاذ ساروا على طريق القدس من سرايا القدس وكتائب القسام وهم: الشهيد القائد حسام أبو هربيد، والشهيد القائد سامح المملوك، والشهيد القائد باسم عيسى، وإخوانهم الشهداء الذين رسموا لنا جميعاً ملامح نصر القدس وطريق المواصلة والفلاح من دمهم الراعف حباً وانتماءً لفلسطين". وذكرت السرايا أن المعركة قد "أفشلت كل محاولات العدو لفصل القدس والضفة والداخل المحتل عن ميدان فعلنا المقاوم"، مشيرة إلى "تحويل مدن ومواقع ومغتصبات العدو فيما يعرف بغلاف غزة مكاناً غير قابل للحياة"، بفعل "دك على مدار أيام المعركة "تل أبيب" ومدن المركز بمئات الصواريخ"، و"أثبتنا قولاً وفعلاً أن الكيان الصهيوني قابل للهزيمة، وأن الرهان عليه خاسر".

وبعد انتهاء المعركة أصدرت سرايا القدس بياناً بتاريخ (5-23)، عدّدت فيه إنجازاتها خلال معركة سيف القدس، التي قصفت خلالها المدن والبلدات المحتلة، أبرزها الخضيرة والقدس وتل أبيب وضواحيها وديمونا وهرتسيليا وأسدود وبئر السبع وعسقلان ونتيفوت وغان يفنا وسديروت وكافة المواقع العسكرية ومغتصبات غلاف غزة بمئات الرشقات الصاروخية وقذائف الهاون، من بينها صواريخ (براق 120)، و(براق 70)، و(بدر 3)، و(غراد)، و(قدس)، و(صاروخ القاسم)، وقذائف الهاون، و(صواريخ 107) والكورنيت.

وعلى وقع الانجازات الفلسطينية عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، لم تنجح الدعاية الصهيونية على الرغم من حديثها المتواصل عن انجازات في تسويق انتصارها، الذي خطفت المقاومة الفلسطينية صورته منذ اللحظة الأولى التي أطلقت فيها صاروخ (الكورنيت) مستهدفة آلية تقل عدداً من الضباط الأمنيين، وإطلاق الصواريخ على القدس المحتلة. وحاولت الأوساط الصهيونية تسويق ما أسمته انجازات ضد المقاومة، لكن تصريحات القادة و"فلتات ألسنتهم" عبّرت بشكل واضح عن الواقع المغاير الذي حاولوا تسويقه ولم يفلحوا. فقد اعتبر رئيس الدائرة السياسية والأمنية بوزارة الجيش الصهيوني عاموس غلعاد، في تصريح له أنه "ربما أحرزنا بعض الإنجازات العسكرية خلال حرب غزة، لكن (المقاومة) نجحت بإعادة قضايا الفلسطينيين والقدس للواجهة، مما سيعيق جهود التطبيع المستقبلية، ويزعزع استقرار أمننا بالضفة الغربية، ويدهور العلاقات اليهودية العربية". أما مسؤول الاستشارات الإعلامية الاستراتيجية ياردين فاتيكاي، فيشير إلى أن "حرب غزة شهدت انطباعاً دعائياً بين العرب واليهود بأن (المقاومة) حققت إنجازات كبيرة، بتقديم نفسها مدافعة عن القدس، وإطلاق الصواريخ على القدس وتل أبيب، والاستمرار بإطلاقها حتى آخر يوم من الحرب". وأضاف أن "أداء الجيش حقق إنجازات عسكرية مهمة، لكنه لم يحصل على صورة رمزية بارزة مثل اغتيال قادة (المقاومة)، أو إعادة الأسرى والمفقودين الإسرائيليين، مما يُصعّب تسويق الإنجازات للجمهور الإسرائيلي".

ويوافق فاتيكاي أنّ ضرراً دعائياً كبيراً لحق بإسرائيل، تمثل بالحديث عن تدمير "مترو حماس"، وهي الأنفاق.. وقال إن ما جعل تفسيرهم للتصريحات الإسرائيلية بشأن هدم "المترو" الفلسطيني في غزة، سلبياً، ما أضرّ بالدعاية الإسرائيلية حول العالم.

ونبّهت صحيفة "هآرتس" إلى وجود قلق إسرائيلي كبير من تزايد التأييد الشعبي للمقاومة في الضفة الغربية بعد ما يراه الفلسطينيون كنجاح كبير لها خلال جولة القتال الأخيرة. مشيرة إلى أن الضفة بحاجة الى انتباه إسرائيلي أكثر من الموجود حالياً، فالسلطة الفلسطينية لا تسيطر تماماً على الأوضاع كما كانت تفعل في السابق.

وأشار يتسحاك بريك الجنرال الإسرائيلي، ومفوض شكاوى الجنود، وقائد الكليات العسكرية أن "إسرائيل تعاني من تهديد وجودي يتمثّل بمئات آلاف الصواريخ، كثير منها دقيق للغاية، ولها رؤوس حربية بمئات الكيلوغرامات، ومدى يصل مئات الكيلومترات التي تحيط بها من جميع الجهات، وتهدّد بإلحاق الضرر بجبهتها الداخلية في الحرب القادمة، وستكون ساحتها الرئيسية".

وإزاء تحركات الانتفاض التي حدثت خلال معركة سيف القدس في الأراضي المحتلة منذ العام 1948، يرى بريك، أن "جنود الخدمة النظامية عديمو الخبرة، وقدرتهم المهنية ضحلة، بدليل أن الجيش خلال حربي لبنان الأولى والثانية، وحروب غزة الأخيرة، لم يحقق إنجازات عسكرية وسياسية، ولم يردع (المقاومة)". ويعتبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، اللواء أهارون حليفا، أن للتعامل مع الخطر المماثل لما حدث من "الداخل الفلسطيني" خلال عملية "حارس الأسوار"، نحتاج إلى بناء قوة احتياط، شيء على غرار حرس الحدود.

تزايد المخاطر

إن التحدّيات التي تُواجه الكيان الصهيوني تتزايد وتتعمّق، إذ لم يعد قلب الكيان آمناً، وأي معركة تُخاض لاحقاً، فإنّ الجبهة الداخلية الصهيونية ستتأثّر أيضاً وتتضرّر بشكل كبير. لقد كان لتطور أداء المقاومة، وحُسن إدارتها للمعركة وما بعدها، ووضوح رؤيتها، وتحديدها لأهدافها، وحاضنتها الشعبية القوية والمتينة والمتزايدة، الأثر الكبير في تحقيق الانتصار، والعمل الدؤوب من أجل المزيد من الانتصارات اللاحقة. لقد أصبحت البالونات الحارقة المنطلقة من تخوم قطاع غزة تشكل إحدى أدوات الردع للعدو. يقول الصحفي تسفيكا يحزكيلي، المستوطن الذي يقيم في مستوطنات غوش عتصيون في الضفة الغربية، وعمل سابقاً في الاستخبارات: "نحن في وضع تتساءل فيه المؤسسة الأمنيّة: هل نشن تصعيداً من أجل بالونات! ونعيد الجميع إلى الملاجئ؟ بذلك يتضح أن هذه البالونات تردعنا من حيث لا ندري". ويمكن الإشارة في السياق ذاته، إلى النجاح الفلسطيني في إجبار المستوطنين الصهاينة على إخلاء مستوطنة "أفيتار" المقامة على جبل "صبيح" ببلدة بيتا جنوب نابلس بالضفة الغربية، ما يؤكد أن الاحتلال لا يفهم إلا بلغة القوة والمزيد منها. ولذلك قال عضو الكنيست من حزب "ميرتس" يائير غولان في تصريحات إذاعية: إن خطة إخلاء "أفيتار" كانت سيئة جداً وتُشكّل خطراً على مستقبل إسرائيل.

 لقد باتت النماذج البطولية الفلسطينية التي تتكاثر على كل الأرض الفلسطينية، تُشكل نماذج ملهمة للأجيال الصاعدة في طريق التحرير والنصر والعودة، وأصبحت سرايا القدس وكل الأجنحة العسكرية المقاومة نموذجاً يُحتذى به مقاومة ونصراً وفداء، فهل ترتقي الجهود من أجل التوصّل لمشروع وطني فلسطيني مقاوم وجامع يقود النضال والجهاد قريباً أم..؟!.

هيثم أبو الغزلان

إخترنا لكم من العدد