مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

تفكك لبنان والمدلول بالنسبة لإسرائيل

تفكك لبنان والمدلول بالنسبة لإسرائيل

إن استمرار تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، إلى جانب الفوضى السياسية في البلاد، يزيد من حدة المأزق الذي تواجهه الحكومة الجديدة في إسرائيل فيما يتعلق بسياستها تجاه لبنان.

يبدو أن على إسرائيل في كل الأحوال تبنّي مقاربة أكثر استباقية وعدم قبول التداعيات السلبية عليها مما يجري في لبنان كأنها قدر من السماء، خصوصاً في السيناريو المتطرف وهو سيطرة حزب الله الكاملة على الدولة وجعلها تحت رعاية إيران، شبيهاً بسوريا. قد يؤدي رفع العقوبات عن إيران بعد عودة الولايات المتحدة المحتملة إلى الاتفاق النووي إلى تسريع هذا السيناريو. في خضمّ ذلك، يجب فحص ما إذا كانت التطورات الأخيرة في لبنان تخلق فرصة للجيش الإسرائيلي لإلحاق ضرر كبير بقدرات حزب الله العسكرية ووقف محاولات إنتاج "معادلة ردع" جديدة، والتي تشمل إطلاق النار من لبنان بعد المواجهات في الحرم القدسي.

تخلّي سعد الحريري في الخامس عشر من شهر تموز عن التكليف بتشكيل الحكومة في لبنان يعبر عن الدوامة التي توجد فيها الساحة السياسية في هذه الدولة. ويأتي ذلك على خلفية الضائقة السكانية المتزايدة التي تواجه أزمة اقتصادية حادة تعرفها الدولة تتسبب في صعوبات معيشية ونقص حاد في السلع الاستهلاكية الأساسية: الغذاء، الكهرباء، الوقود، المياه والأدوية، وكذلك غياب البنى التحتية الأساسية التي يفترض بالدولة أن توفرها لسكانها. المنظومة الحكومية اللبنانية، التي ينقصها حكومة تؤدي مهامها منذ نحو سنة، تكاد تكون مشلولة تماماً وليس بوسعها أن تتخذ القرارات اللازمة كي تتصدى للأزمة. كذلك الجهات الأمنية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، الذي يعاني هو الآخر من الضائقة الاقتصادية، تجد صعوبة في تنفيذ مهامها. خطوة الحريري أثبتت أيضاً مرة أخرى ركاكة وعجز القيادة الثرية والفاسدة، من كافة الطوائف، بما فيها حزب الله، التي تركّز بشكلٍ أساسي على حفظ قوتها ومكانتها، دون إبداء أي استعداد لتنازلات لصالح مصالح كافة المواطنين.

لا يظهر أي حلٍّ في الأفق. والمساعدة الخارجية تتلكأ: الدول الغربية التي فقدت الأمل في تلبية مطالبها بتشكيل الحكومة وتعزيز الإصلاحات كشرط للمساعدة، تدرس فرض عقوبات على القيادة اللبنانية؛ روسيا والصين مستعدتان للمساعدة شريطة أن تضمنا المقابل لاستثمارهما: تَطلُّع نصر الله لتلقّي المساعدة من إيران لا يتحقق بعد، وذلك ضمن أمور أخرى بسبب الخوف في لبنان من أنَّ تلقِّي هذه المساعدة ستبعد إمكانية تلقّي الدعم الدولي الواسع. 

إن دراسة السيناريوهات المحتملة للتطورات في لبنان لا تبشر بالخير: السيناريو الأكثر ترجيحاً في الوقت الحالي هو فترة طويلة من الأزمة في خصائصها الحالية، والتدهور المستمر إلى حد التفكك الكامل وحتى الانقسام في البلاد، وحتى اندلاع حرب أهلية ثالثة.  السيناريو المتطرف الآخر هو استيلاء حزب الله الكامل على لبنان وتوسيع سيطرة إيران عليه.

ما هو المدلول بالنسبة لإسرائيل باستمرار الأزمة في لبنان. في إسرائيل توجد مقاربتان للرد على هذا السؤال:

• تفكك لبنان سيء لإسرائيل – مؤيدو هذه المقاربة، التي تعكس فرضية بان لإسرائيل مصلحة في لبنان مستقر ومؤيد للغرب، يعتقدون بأنه على الرغم من المكانة السائدة لحزب الله في لبنان، فإنه حتى الآن ليس القوة الحصرية وأي تدهور إضافي في وضع الدولة الداخلي، سيعزِّز مكانته، وبالتالي قد يؤدي إلى تغيير التوازن السياسي في لبنان في غير صالح إسرائيل، ولا سيما على المدى البعيد. حيث أنه، هكذا تتحقق رؤية نصر الله بتحويل لبنان إلى دولة إضافية تحت رعاية إيران وجزءاً لا يتجزّأ من المحور الشيعي. حتى منذ بداية الأزمة الاقتصادية – السياسية المستمرة في لبنان، نصر الله زعم أن على الاقتصاد اللبناني فك ارتباطه عن الغرب والتوجه شرقاً وتطوير علاقات مع إيران والعراق وسوريا. وهكذا، من المعقول ان تفكك لبنان سيقوده إلى الحضن الدافئ لإيران ومع الأيام سيصبح نقطة استيطان إيرانية إضافية في المنطقة، كما في بسوريا.

تفكُّك لبنان جيد لإسرائيل – الذين يفكرون على هذا النحو، ولا سيما الذين يدعون بان لبنان مسيطر عليه من قبل حزب الله منذ الان، يعتقدون بانه كلما اشتدت المصاعب الداخلية في هذه الدولة، يغرق حزب الله في التصدي للازمة (بما في ذلك في وضع التفكك) سيكون من الصعب عليه ان يتوجه الى المواجهة مع إسرائيل، وسيتبنى نهجاً كابحاً أكثر تجاهها. ووفقا لهذا الفهم، حتى لو دفع حزب الله الى أن يختار في نهاية المطاف أن يسيطر بالقوة وأن يستولي رسمياً على الحكم في لبنان – الخطوة التي حرص على تجنبها حتى الآن في ضوء الفضائل التي يمنحها له الوضع الراهن للإبقاء على قوته العسكرية المستقلة وتأثيره السياسي على ما يجري في الدولة من خلف الكواليس من خلال حلفائه – هذا السيناريو كفيل بان يخدم مصالح إسرائيلية، على الرغم من عيوبه. ما وراء ذلك، في هذا السيناريو، الذي يُستفاد منه تطابق كامل بين الدولة اللبنانية وحزب الله، سيكبر هامش عمل وشرعية إسرائيل للعمل في لبنان، خصوصاً في حالات مواجهات عسكرية أو في حربٍ شاملة.

من هاتين المقاربتين بالنسبة للمصلحة الإسرائيلية تجاه لبنان المنهار تنشأ أيضاً مفاهيم مختلفة بالنسبة للسياسة التي على إسرائيل أن تتبناها اليوم: الذين يعتقدون بأن غرق لبنان في أيدي حزب الله هو إيجابي، يؤيدون سياسة عدم التدخل، ناهيك عن أن قدرة إسرائيل للتأثير على ما يجري في لبنان محدودة جداً. ويدّعي أصحاب هذه السياسة بأن على إسرائيل أن تمتنع عن التدخل في التطورات الداخلية في لبنان وبالتأكيد ألا تساعده، باستثناء المساعدة الإنسانية المباشرة أو غير المباشرة، إذ أن كلّ مساعدة أخرى ستقوي حزب الله. وبالتالي على إسرائيل أن تواصل تركيز جهودها على أضعاف المنظمة.

في المقابل يُزعم أنه لا زال هناك عدم تطابق كامل بين لبنان وحزب الله والمصلحة الإسرائيلية بلبنان موالٍ للغرب ومستقر لا تزال على حالها. صحيح أن حزب الله هو اليوم الجهة الأقوى في لبنان عسكرياً وسياسياً، لكن ليس كلّ اللبنانيين يُعتبرون مؤيدين للمنظمة بل إن الأزمة القاسية التي تضرب البلد زادت من مستوى الانتقاد لها بسبب ما تقوم به في الساحة الداخلية. وعليه، على إسرائيل محاولة المشاركة في جهود تحديد كل سبيل من أجل تعزيز جهات القوة الإيجابية من وجهة نظرها، المعارِضة لحزب الله، من أجل منع سيطرته الكاملة على مؤسسات الدولة ومجمل مواطنيها، وتحويل لبنان تحت رعاية إيرانية. كل هذا بداهةً من دون إهمال الجهود الدبلوماسية والعسكرية لإضعاف حزب الله.

ونوصي حكومة إسرائيل بتحديث السياسة تجاه لبنان في النظر إلى المدى البعيد وفحص تداعيات تفكُّك الدولة اللبنانية على إسرائيل بخاصة وعلى المنطقة بعامة. على إسرائيل أن تتبنى نهجاً فاعلاً، يرى في التطورات الحالية في لبنان فرصة أيضاً للتأثير على مستقبل هذه الدولة وعدم القبول كقدر من السماء المكانة السائدة لحزب الله فيها بل وإمكانية سيطرته عليها في السيناريو المتطرف. ليست هذه توصية لتدخّل إسرائيل المباشر في شؤون لبنان الداخلية، مثل تلك المحاولات السابقة التي فشلت ولا حتى للتجنيد للمساعدة المباشرة للبنان: في كل الأحوال، فإن قدرة إسرائيل على المساعدة محدودة، إذ أن معظم اللبنانيين يعتبرونها "دولة عدو". كل عروضها للمساعدة للشعب اللبناني، بما في ذلك عرض وزير الدفاع بيني غانتس في 6 تموز لنقل مساعدة إنسانية من خلال القوة الدولية، رفض رفضاً باتاً. وبالتالي مطلوب بلورة سياسة فيها ما يدعم في نفس الوقت المصلحتين المركزيتين لإسرائيل من حيث أنه لا يزال يوجد مجال لتحقيقهما: المصلحة الأمنية في التصدي للتهديد الذي يمثله حزب الله، إلى جانب المصلحة في جار مستقر ومؤيد للغرب في الشمال.

لتحقيق مصلحة لبنان مؤيد للغرب ومتحرر من التعلق بإيران – على إسرائيل أن تحفز شركاءها في الغرب ولا سيما الولايات المتحدة وفرنسا، المشاركتَيْن في مساعي المساعدة للبنان وكذا أصدقائها الجدد في الخليج على العمل بقوة أكبر لتقديم مساعدة فورياً وهادفة للشعب اللبناني في ظل المطالبة بالرقابة المتشددة على نقل المساعدة منها من سقوطها في أيدي حزب الله ومؤيديه.  وفي إطار ذلك، من الأهمية بمكان على نحو خاص التنسيق مع الأمريكيين قطع قنوات نقل المساعدة من إيران إلى حزب الله، إذا ما رفعت العقوبات عن إيران في أعقاب الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة على العودة إلى الاتفاق النووي. من ناحية إسرائيل توجد أهمية أيضاً لمواصلة تعزيز قوة الجيش اللبناني (بالطبع دون أن تنقل له أسلحة من شأنها أن تعرِّضَ أمنها للخطر (والذي اثبت حتى الان بانه الجهة الوحيدة القادرة على حفظ النظام الداخلي في الدولة، وكذا فحص الأفكار لتوسيع التواجد – التدخل الدولي من جانب جهات ليست أعضاء في المحور الشيعي (الولايات المتحدة وفرنسا من جهة، وروسيا، والصين ويحتمل حتى تركيا من جهة اخرى).

كل ذلك بالتوازي مع مواصلة الجهد الدائم لإضعاف حزب الله سواء بخطوات سياسية – اعلامية لتشويه سمعته وتثبيت تعريفه بالساحة الدولية كمنظمة إرهابية، أم بالفعل العسكري. على المستوى العسكري، إلى جانب الحاجة الى مواصلة الاستعداد لإمكانية المواجهة في الحدود الشمالية، مطلوب الفحص فيما إذا كانت الأزمة في لبنان تخلق لإسرائيل فرصة لمس اكبر بقدرات حزب الله والعمل بتصميم أكبر لمنع محاولة حماس، إيران وحزب الله تثبيت "معادلة ردع" جديدة تجاه إسرائيل، تخلق ارتباطاً بين المواجهات في الحرم وفي القدس بإطلاق النار نحو إسرائيل من شمال الدولة رداً على ذلك، مثلما حصل في أثناء حملة "حارس الأسوار" وأحداث إطلاق النار في 20 تموز في أعقاب المواجهة العنيفة في الحرم في التاسع من آب.

مركز أبحاث الامن القومي - أورنا مزراحي

ترجمة وإعداد: حسن سليمان