مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

تَحَدّي المَعْرفَة وتَوْطِينُ العُلُوم.. العَرَبُ وقَضيَّةُ العِلمِ والْبَحْثِ العِلمِي

نبيل علي صالح

تَحَدّي المَعْرفَة وتَوْطِينُ العُلُوم.. العَرَبُ وقَضيَّةُ العِلمِ والْبَحْثِ العِلمِي

لعلَّ من نافلِ القول هنا الإشارة إلى أنَّ حقيقة أوضاعنا العربية (والإسلامية عموماً) في معظم بلدان العرب ومجتمعاتهم، لم تعد مستترة أو خافية على أحد، كما لم تعدْ الحلول والمعالجات المقدمة أو الموضوعة لها والمطلوب العمل عليها، مشفّرة أو صعبة التحقق والمنال..

فكلنا على معرفة ودراية واقعية أن حالنا سيئة، نتعيش فيها على مُخرجات الآخرين ونتاجاتهم في كل ما يتعلق بوجودنا وحركتنا ويومياتنا للأسف الشديد.. والكل بات يعي ويدرك إدراكاً تامّاً أن هذا التدهور الخطير والمأساوي لحال العرب خاصة خلال العقد الأخير، جاء نتيجة طبيعية لهيمنة التسلط والفساد والنهب والتبعية للخارج.. بحيث جعلنا هذا التدهور والتقهقر الحضاري المزمن نتذيل تصنيف وترتيب الأمم والمجتمعات في كل مؤشرات التنمية والعلم والاقتصاد والبحث العلمي وغيره.

بطبيعة الحال تلكَ الأرقام والمؤشرات البيانية والخطية والرقمية الخطيرة المعروفة، والمعبرة عن حقائق الوجود العربي، والتي تعود لسنوات طويلة مضت، لم تحرّك طوال عقود طويلة من الخسائر والمآسي العربية، قيدَ شعرةِ إحساسٍ في أجساد ووعي نخب الحكم العربي التي استمرت في التصرف – وهي صاحبة القرار الأعلى - كنخب غريبة عن واقع مجتمعاتها وبلدانها، واكتفت بالتركيز الجنوني على البقاء الأعمى في سدة الحكم على حساب تنمية أفرادها ومجتمعاتها، متجاهلةً عن قصدٍ وعمدٍ كاملين مآلات حكمها السلبية والكارثية على الفرد والمجتمع والدول ككل.

ولقد كان من أبرز تلك التحديات والأولويات التي كان من الواجب والمفروض أن تواجهها نظم العرب وحكوماتها ونخبها ومسؤولوها القابعون بالحكم منذ زمن طويل، هي تحديات البناء العلمي، أي توطين المعرفة وإنتاجها ذاتياً، أو ما يطلق عليه بـ "فلسفة العلوم"، ومحاولة دعم أعمال وسبل إيجاد علاقة معرفية وفلسفية منتجة بين الثقافة العربية الإسلامية السائدة ومجمل النتاجات والمنتجات والمكتسبات والاختراعات والمكتشفات والتطورات العلمية التي تمكن الإنسان من الوصول إليها، ومحاولة تبيئتها محلياً.. أي إيجاد بيئة (وفضاء) ثقافي وأرضية معرفية عربية إسلامية مُنتِجة للعلم والمعرفة العلمية الحقيقية الخصبة والثرية، ليس فقط من زاوية القدرة على تحقيق الاستجابة النوعية الفاعلة على مجمل التطورات العلمية الحاصلة باستمرار في صميم وجود وحركة المجتمع الإنساني، بل بالأصل والأساس امتلاك المعايير والمعادلات والنظم البنيوية المؤسِّسة للإنتاج العلمي عملياً وليس فقط نظرياً، أي امتلاك القوانين المولِّدة والصانعة للعلوم ذاتها، لا أن تكتفي تلك الثقافة فقط وحتى الآن بلعب دور المتلقِّي والمنفعل والمستهلك والمستجيب قسراً وغصباً لتلك التطورات العلمية الهائلة في عمق المعرفة العلمية الإنسانية على مستوى العلم النظري والعلم العملي فكراً وتجربةً وإنتاجاً.

وعلى هذا الطريق نسأل قومنا وأنفسنا: ما هي السبل وطرق العمل وآليات التطبيق الكفيلة بإخراج المشهد الثقافي والعملي العربي والإسلامي المعاصر – على مستوى الفلسفة العلمية وتوطين العلوم والمعارف العلمية الحقيقية - من حالة الاحتكاك والتلقي السلبي لكل ما في العصر من نتاجات تقنية وثورات تقنية معرفية وصناعية ومعلوماتية، إلى حالة الفعل والتأثير الإيجابي والمشاركة والمساهمة في صنع العلم والتقنية وإنتاجها؟!.. ولماذا لم يتمكن العرب رغم مرور عقود عديدة على استقلالهم وبنائهم لنظم سياسية (فيها استقرار نسبي)، من التمكين المعرفي العلمي وبناء مؤسسات علمية فاعلة ومنتجة هي بذاتها؟!!.

حقيقةّ، الحصيلة العامة لمَسيرة الأحداث والتطورات التي وصلت إليها مجتمعاتنا العربية عموماً تنطوي – كما سلفَ القول - على مظاهر مقلقة ونتائج سلبية مخيبة للآمال، ومُحطِّمة للنّفوس خصوصاً هنا على صعيد بناء الطاقات والقدرات العلمية العربية والإٍسلامية بالخصوص، وبحيث تشكل تلك الأحداث - في الوقت نفسه - صدمة نفسية عنيفة لكل أصحاب الطموحات والمشاريع النهضوية العربية والإسلامية.. حيثُ أنَّ الحضارةَ العربية والإسلامية التي كان لها حضور عالمي نوعي ومميز في سالف الزمان (أي منذ أكثر من ألف عام زمن الانفتاح العلمي والتبادل الحضاري، زمن الترجمة والتأليف والنشر، وانتشار مدارس وجامعات العلوم المختلفة)، توقفتْ واستبعدتْ نفسها (أو استبعدتها ظروف وأسباب ذاتية وموضوعية) عن دورة الحياة الفاعلة والمنتجة، وساحة القرار والتأثير الدولي والحضور النّوعي المميز في معادلاتِ العالم ومختلف ملفاته وتوازناته، بدلاً من أن تكون منتمية إلى حضارات صانعة وفاعلة ومنتجة -هي بذاتها- للفكر والعلم والتقنيات العلمية بما يؤهلها للفاعلية السياسية وغير السياسية، لا أن تبقى أو تكون مجرد حضارة - كما هي الآن - منتكسة وهامشية ومتقهقِرة، ليس لها من واقع الحضارات المنتجة والناشطة والحاضرة في عصرها، إلا اسمها ورسمها وشكلها الحداثي القشري الخارجي، تتعيش على موائد (وفتات) الأمم المتقدمة الأخرى، على مستوى إنتاج العلم والمعرفة العلمية الحديثة، وتنمية الموارد والأسواق الدولية، واستثمار موارد الطبيعة وثرواتها الباطنية الهائلة التي تذهب هدراً على طريق شراء منتجات حضارة الآخرين وليس بناء مقومات وأسس قانون صناعة الحضارة داخلياً.

وفي قناعتي هناك قضيتان أساسيتان لا يمكن بدء أي نهضة علمية أو أي تطور حقيقي في مجتمعاتنا العربية (والإسلامية عموماً) من دون وعيهما وعياً عميقاً عملياً وليس فكرياً فقط:

1- تجاوز الأيديولوجيات السائدة المغلقة والرافضة للآخر والمعادية للثقافة الحديثة القائمة على العقلانية والحداثة السياسية والعلمية.. مع قناعتنا هنا طبعاً بالفرق بين الغرب الثقافي والعلمي (غرب القيم والحداثة والتنوير)، والغرب كإدارات سياسية مهيمنة.

2- التخلّي الكامل عن فكر (وعقلية ونظرية) المؤامرة التي أثبتت تحولات واقعنا العربي وأحداثه الهائلة منذ زمن، فشلها وعقمها، وأنها كانت مجرد آليات إلهاء وتخدير، لتكون نظرية الكسالى والمتقاعسين والمتثاقلين..!.. طبعاً مع قناعتنا أيضاً بوجود متآمرين، وأصحاب نوايا سيئة.. لكن عندنا نحن العرب تحولت الفكرة (فكرة التآمر والمؤامرة) من حالة ووضعية إلى قاعدة للسلوك العربي اليومي، تمنعنا من السعي والتطور والتنمية الذاتية..!!. يعني باتت مرضاً ذاتياً مُتحكّماً بكثيرٍ من مفاصلنا السياسية والعملية الحياتية..!!. وهنا المرضُ والعلّة القائمة.

هذا كله لنْ ينطلقَ من دون بناءِ كتلةٍ تاريخيةٍ واعية أو جيل ثقافي عربي يجب أن يتربّى ويتنشَّأ وينمو في ظلّ القيم العقلانية الحديثة، وعلى رأسها القيم الحقوقية المصانة، والاستقلالية الفكرية وغير الفكرية.. بحيث يكونُ هذا الجيل قادراً على:

أ- إحداثُ صدمة التغيير الإيجابي الحقيقية على مستوى وعي الذات ووعي الواقع معرفة تغييرية عقلانية صحيحة.

ب- إدراكُ حركة بناء المصالح التي تربطنا بالآخر، وقياسها ومعايرتها من دون حمولات فكرية هوياتية مغلقة، ومقاربتها من زاوية التبادل المصلحي والإسهام الحضاري.

ج- إعادةُ النظر بالركائز التي تحكمُ حاضرَنا العربي على صعيد التربية والاقتصاد والعلوم..

د- وربّما الأهم من ذلك كلّه، هو تعميقُ فكرة الإصلاح الديني الحقيقي، وضرورة الاجتهاد النوعي في التراث الدّيني ذاته.. فالدينُ هو المجالُ الثقافي والسياسي الاجتماعي الأقوى والأهم والأكثر فاعلية وحضوراً في حركة حياة المجتمعات العربية والإسلامية، وهو العنصر المهيمن على حياتهم وسلوكياتهم الذاتية والموضوعية، يدورون حوله ويعتبرونه محور حركتهم وحياتهم الخاصة والعامة.. لهذا إصلاح هذا التراث الفكري -الذي يستمد معاييره من نصوص جاءت زمنياً قبل 1400 سنة- هو المدخل لإصلاح وتطوير حياة تلك المجتمعات.. بل يمكن القول هو المدخل الأساسي والإجباري لنهضتهم وتقدمهم المنشود.. ونكرر: ليس لأن الخلل قائم في الدين وتقاليد الناس وثقافاتها التاريخية وعاداتها الموروثة، فكل الأمم والحضارات لدى أهلها وناسها عادات وتقاليد تعود لمئات وآلاف السنين، وإنما الخلل في بناء قدراتنا العلمية (وقبلها إشادة هيكل الدولة القوية القادرة العادلة)، قائم جوهرياً في هيمنة عوامل تتعلق بالسياسات المطبقة وطبيعة الجغرافيا السياسية التي تحكّمتْ بكثير من وقائع المنطقة وتحولاتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، والتي دفعت الغربَ السياسي الاستعماري للهيمنة كلياً على منطقتنا، سابقاً بذاته عسكرياً، واليوم عبر نخب زَرَعَها، وتوازنات وَضَعَها ورَسَّخَها لتتحكم في سياسات العالم (وبالتالي المنطقة) وموازينه كافة.

إن طريق التحرر والحرية ومن ثم البدء بمسيرة النهوض (العلمي وغير العلمي) طويلة ومضنية وشاقة، وهي يجب أن تبدأ من ضرورة أن نخرج كعرب من أن نكون مجرد حاشية أو هامش أو ظل باهت للآخرين، بقطع النظر عن أفكارهم وطروحاتهم وانتماءاتهم وقناعاتهم.. فما بالنا فيما إذا كانوا مجرد أناس عاديين خياليين منفصلين عن واقعهم، ومضلِّلين للرأي العام ومزيِّفين للحقائق الواضحات، وتابعين لخطوط فكرية مسبقة الصنع، ويقسرون الحقائق لصالح القوالب الجاهزة.. غير منتجين وغير مؤثرين وغير قادرين على العطاء الحقيقي للإنسانية جمعاء.. العامل البسيط في أي موقع للإنتاج والعمل، والمهندس الذي يصمم ويشرف وينتج، والطبيب القاعد في عيادته أو العامل في مشفاه، الخادم للناس، والذي يخفف معاناتهم وآلامهم.. كل هؤلاء وغيرهم من العاملين لخير مجتمعاتهم ونهضتهم العلمية وغير العلمية، هم من الجنود المعروفين والمجهولين، وفيهم خير للبشرية أكثر من أولئك الناعقين ليلاً نهاراً وراء الميكروفونات وفي مختلف وسائل الميديا.. وهم يقبضون أموالاً طائلة من جيوب غيرهم من حيث لا يشعرون أو لا يشعرون.. من هنا المطلوب قليلاً من العقلانية والهدوء الفكري والواقعي، ومن هنا يجب أن يكون الإنسان هوَ.. هو.. لا أن يكون هو الآخر، أو الآخرين!!.

نعم، إن من أهم مشاكلنا في هذا الشرق، والتي تتسبب لنا بمزيد من الارتكاس الحضاري، هو التبعية العمياء والانقياد المكلف وراء الاشخاص والقادة والزعامات وغيرهم.. مع أنّ الحق أولى أن يُعرفَ فيتّبع.. والإمام علي(ع) – ونحن نحتفل هذه الأيام بذكرى بيعته العطرة (عيد الغدير المبارك) -، كان يقول: "اعرف الحَقَّ تعرفُ أهْله".. ويقول: "يُعرفُ الرجالُ بالحقّ.. والحقُّ أولى أنْ يُعرَفَ فيتبع..".

نبيل علي صالح