مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

الفلسفةُ والشعرُ.. جبلانِ واديهما مشترَك

غسان عبد الله

هامش ثقافي

الفلسفةُ والشعرُ.. جبلانِ واديهما مشترَك

اعتدنا في مجال الفلسفة أن نتحدث عن "الفلسفة والشعر"، وهناك كتب ومقالات بهذا العنوان؛ وهذا يستدعي السؤال: الفلسفة والشعر أم الشعر والفلسفة؟ هل هناك دلالة للتقديم والتأخير في هذه الحالة؟.

أرى أن المسألة هنا هي مجردُ المنظورٍ الذي ننظرٌ منه بحَسَبِ الأرضِ التي نقفُ  عليها، فإذا كانتِ الفلسفةُ والشعرُ أشبهَ بجبَلَيْن يُطلاّنِ على وادٍ مشتركٍ بينهما؛ فإن هذا يتوقف على الجبل الذي نقف على قمته:

إذا كنت تنظر إلى الأمر من منظور أرسطو الذي كان يقف على قمةِ جبلِ الفلسفة في عصرهِ، ستجدُ أن الفلسفةَ عندهُ هي الأصلُ والمرجعُ والمعيارُ حينما يميّزُ الشعرَ بقوله: "إن الشّعرَ أكثر من التاريخ حظّاً من الفلسفة"؛ لأن التاريخ يعبِّر عن الجزئي، في حين أن الشعر يعبِّرُ عن الكليّ.

ولقد أفاضَ الفلاسفةُ في تفسيرِ هذا القول الذي لا يزالُ صالحاً حتى يومنا هذا؛ لأن الشعرَ الحقَّ يشاركُ الفلسفةَ في أنه يقدِّمُ لنا رؤيةً كليةً للوجود، ولكنها مكثّفةٌ في اللغةِ الشعرية؛ إذ إن الشاعرَ لا يعبّرُ عن هذه الرؤيةِ بلغةِ التّصوراتِ الفلسفيةِ المجرّدة، وإنما يعبِّر عنها في طابعها الحسِّي الملموسِ الذي يتجسدُ فيه المعنى والدلالةُ بلغةٍ لا يمكن استبدالُها، أي من خلالِ الكلماتِ بصوتياتها وإيحاءاتِها التي تومئ إلى المعنى.

وإذا كنت تقفُ على جبلِ الشعر مثلما وقَفَ الشعراء الكبار، فسترى أن الفلسفةَ لن تُعينَكَ بلغتِها التقليديةِ على رؤيةِ المشهدِ الذي تراهُ من قمةِ جبلِ الشعر. ذلك أن لغةَ التصوراتِ المجرّدةِ لن تُعينكَ على الإمساكِ بتجربةِ الحياةِ في طابعها المحسوسِ والملْتَبسِ والغامضِ أحياناً. ولهذا فإننا نجدُ أن بعض الفلاسفةِ قد مالوا إلى التعبير عن رؤاهم الفلسفيةِ بلغةٍ لا تخلو من الحالةِ الشعرية. هذه الصلةُ الوثيقةُ بين الشعرِ والفلسفةِ نجدها ماثلةً بوضوح في الحضارات الأقدم عهداً من عالم قدماء اليونان. ولذلك يقول أحدُ المفكّرين: "إن السؤال الذي يكون مطروحاً في هذه الصيغة: "لغة شعرية أم دينية؟" هو سؤالٌ سيكونُ دون اللياقةِ حينما نكون في مواجهةِ تقاليدِ الفكرِ الهنديِّ أو الصينيِّ؛ وسيكون أمراً خلواً من المعنى أن نسألَ عما إذا كان ينبغي من حيث المبدأ اعتبار لاوتسي شاعرًاً أم مُعلِّماً دينيّاً أم فيلسوفاً!.

الحكمةُ الفلسفيةُ نطقتْ منذُ قديمِ الزمانِ بلغةٍ شعريةٍ تشبِهُ النصوصَ المقدّسةَ المقتضبةَ، فنحن نجدها في بعض شذرات الفلاسفةِ القدماء المقتضبة التي وصلتنا من مجمل فلسفتهم الضائعة، والتي نستدل من خلالها على هذه الفلسفة. وتظلُّ كلمات بعضهم مقتضبةً، وهي تشبهً الإيحاءاتِ والتلميحاتِ التي نجدها في النصِّ الدينيِّ مثلما نجدُها في لغةِ الشعرِ، فهي تشبهُ لغةَ الكَهَنَةِ في إحدى المعابد التي تلمِّح دائماً ولا تُصرِّح أبداً.

حقاً إن روح الانسجام قد اقترنت بروح الشعر باعتباره الفن الأكثر وضوحاً في التعبير عن الفكرة بحسب فهم هيجل للشعر. ولكن هذا الفهم الهيجلي لروح الشعر في صلته بالتفلسف قد قلبه نيتشه رأساً على عقب، فجعل روح الشعر تكمن في التراجيديا أو المأساة، وهي عنده روح يسودها الغموضُ والتمرّدُ والانفلاتُ والعواطف الجياشة، لا الوضوح العقلاني؛ وبذلك فإنها تكون أكثر قدرة على التعبير عن الحياة ذاتها.

وهذه الصلة بين الفلسفة والشعر التي أعاد نيتشه إحياءها كانت ثورة على الفلسفة الأكاديمية التي فقدت مكانتها، والتي استردت مصداقيتها عندما اقتربت من حدود لغة الشعر من خلال فلاسفة الوجود.

كما أن أكثر الفلاسفة صرامةً في صياغاتهم للقضايا الفلسفية المنطقية، وجدوا في النهاية أن العالَمَ نفسه أوسع كثيراً من حدودِ اللغةِ المنطقيةِ الصارمة، واكتشفوا بعد طول تأمّلِ أن تجربتنا في فهمِ العالَم تنطوي على مناطق غامضة لها طبيعة صوفية تتجاوز حدود معرفتنا المباشرة، ومن ثم لا تستوعبها لغتنا المنطقية.

وعلى غرار كثيرين من أقرانهم سار فلاسفةٌ عظام الذين تحولوا إلى الفلسفة، ولكنهم لم يعبروا عن فلسفتهم في لغة العلم ولا في لغة الفلسفة التقليدية، وإنما من خلال لغة التأمُّلِ الانعكاسي التي تعبّر عن خبراتٍ لا يمكن وصفُها من خلالِ لغةِ العقلِ أو التصوراتِ المجرّدة، ولذلك كان البعضُ منهم يستعين بمقاطع شعرية لشعراء كبار فيما بين ثنايا سردهم الفلسفي/ الشعري.

وما نود قوله في هامشنا الثقافي هو أن الشعر لا يمكن أن يصبح فلسفةً خالصة؛ ولكن الفلسفةً أيضاً لا يمكن أن تصيرَ شعراً خالصاً. ذلك أن جَبَليْ الشعر والفلسفة يُشرِفان على وادٍ شاسعٍ لا حدود له، وكلُّ شيءٍ في هذا الوادي يكون موضوعاً لتأمُّلِ الشاعرِ والفيلسوف، فالوجود كلُّه ملك لهما. ولذلك فإن الشاعرَ الحقيقيَّ يشاركُ الفيلسوفَ في موضوعِ تأمُّلهِ، ويخالِفُهُ في أسلوبِ تأمُّلِهِ من خلالِ الّلغةِ؛ ولكنَّ الفيلسوفَ يحاول أحياناً أن يقتربَ من لغةِ الشاعر، حينما يلجأُ إلى لغةٍ أخرى غيرِ لغةِ التّصوراتِ الفلسفيةِ المجرّدةِ ليصفَ شيئاً من حقيقةِ أو ماهيّةِ الوجودِ، فيلجأُ إلى لغةٍ تتجاوزُ اللغةَ العاديةَ التي تشيرُ إلى مجالِ الوقائعِ أو ما يحدُثُ هناك في العالم؛ لأن أفقَ العالمِ أوسعُ من ذلك بكثير.

غسان عبد الله