مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

الصين تحاور طالبان.. تحويل التهديد إلى فرصة

ابتسام الشامي

الصين تحاور طالبان.. تحويل التهديد إلى فرصة

على إيقاع الانسحاب الأمريكي المتسارع الخطى من أفغانستان، تسارع الصين إلى بناء جسور التواصل مع بلاد الأفغان..

وهي – أي الصين - إذ تحاول ملء الفراغ الناتج عن هذا الانسحاب في بيئتها الاستراتيجية، فإنها تسعى إلى درء المخاطر المتشكّلة على حدودها، من خلال المساهمة الفعالة في منع وقوع جارتها في أتون الحرب الأهلية، بما يوسّع من مساحة البيئة الحاضنة لبعض التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش.

طالبان في الصين

استضافت بكين يوم الثلثاء الماضي وفداً رفيع المستوى من حركة طالبان الأفغانية، في زيارة عكست من جهة، حرص الحركة المتشددة على طمأنة دول الجوار الخائفة من تمدُّدِها السريع وإمكان سيطرتها على البلاد، في ظلِّ تقهقر القوات الحكومية، التي دربتها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن جهة أخرى محاولة تلك الدول احتواء الحركة والتفاهم معها على المرحلة القادمة. وعلى مسافة نحو شهر من الموعد المحدد لإتمام خروج القوات الأمريكية من بلاد جبال تورا بورا بعد عشرين عاماً من الغرق في وحولها، نقل الوفد برئاسة الرجل الثاني في الحركة عبد الغني برادر إلى بكين رسالة مفادها أن "الأراضي الأفغانية لن تستخدم ضد أمن أي بلد كان"، وفق ما أفاد به المتحدث باسم طالبان محمد نعيم، في وقت تعهد فيه المسؤولون الصينيون بدورهم "بعدم التدخل في الشؤون الأفغانية، إنما على العكس المساعدة في حلّ المشاكل وإرساء السلام".

ولئن حظيت الزيارة بقدر واسع من الاهتمام على المستوى الإعلامي بالنظر توقيتها السياسي، إلا أن ما يجدر التذكير به هنا، أن التواصل بين الجانبين قائم منذ فترة طويلة في إطار ترتيب المرحلة التالية للانسحاب الأمريكي من أفغانستان. وفي هذا السياق، كان وفد من الحركة برئاسة برادر نفسه، قد زار العاصمة الصينية نهاية شهر أيار من عام 2019، والتقى في حينه مبعوث الصين الخاص إلى أفغانستان دنغ شين جون في بكين لمناقشة محادثات السلام بين طالبان والولايات المتحدة. وقد جاء هذا الاجتماع بعد إلغاء الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب المفاوضات بين بلاده وطالبان قبل أن تستأنف لاحقاً ويجري التوصل إلى اتفاق "سلام" بين الجانبين، ينظم عملية الانسحاب الأمريكي الجارية حالياً.

الدوافع الصينية للحوار مع طالبان

انفتاح الصين على حركة طالبان ومفاوضتها، يعود بشكل اساسي إلى الخشية الصينية من استخدام الانفصاليين الإيغور أفغانستان كنقطة انطلاق للقيام بعمليات عسكرية ضدها، وهذه الخشية متأتية بدورها من كون البلدان  اي الصين وأفغانستان، يتقاسمان حدودا بطول 76 كيلومترا، هي عبارة عن مرتفعات شاهقة لا تتخللها أي معابر رسمية، لكنها تمتد بمحاذاة مقاطعة شينجيانغ ذات الأغلبية المسلمة من الإيغور والتي تخشى الصين من "تطرفها" ، خصوصا وان وحدات تابعة لمقاتلين سابقين في حركة تركستان، التي اشتهرت بمشاركتها في الحرب على سوريا، ينتشرون بين صفوف حركة طالبان، منذ نجاح الحركة في السيطرة على إقليم بادخشان وممر واخان الواقعين بالقرب من الحدود الصينية عام 2019.

نتائج الزيارة

وإلى جانب الخشية الأمنية الآنفة الذكر، فإن مواجهة النفوذ الأمريكي في منطقة شرق آسيا تبدو كأولوية أخرى على الأجندة الصينية، حيث ترى بكين أن التواجد الأمريكي في بيئتها الاستراتيجية يشكل خطراً عليها، خصوصاً في ضوء الاستراتيجية الأمريكية القائمة على المواجهة معها وصد نفوذها، من هنا فإن الحوار مع طالبان يصب في خدمة هذا الهدف أيضاً، عبر المساهمة في ترتيب البيت الأفغاني بما يمنع أي تدخل أمريكي لاحق في شؤونها تحت عناوين وذرائع مختلفة.

هذه الأبعاد حضرت في مقاربة الصحف العالمية لخلفيات المفاوضات بين بيكين وطالبان، وفي هذا السياق قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية إن الصين، بسبب قلقها من الحرب في أفغانستان "تكثف جهودها الدبلوماسية لتشجيع تسوية سياسية بعد الانسحاب العسكري الأمريكي من البلاد"، مشيرة إلى حفاوة الاستقبال الصيني للوفد الذي أجرى محادثاته مع المسؤولين الصينيين في تيانجين، المدينة الساحلية في شمال شرق البلاد. وأضافت الصحيفة، أن بكين انتزعت "تعهّداً علنياً بأن الجماعة لن تسمح للمقاتلين باستخدام الأراضي الأفغانية كقاعدة لشن هجمات داخل الصين".

بدورها ذكّرت مجلة "نيوزويك" الأمريكية بأن علاقة الصين مع أفغانستان، تعود إلى قرون مضت، عندما كانت كابول مركزاً هاماً على طريق الحرير الصيني الممتد عبر آسيا. وأشارت المجلة إلى أن أفغانستان كانت من بين الدول الأولى التي شاركت بالتوقيع على صفقات الاستثمار الصينية العالمية، ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، والتي تعتبر بمثابة النسخة المعاصرة من طريق الحرير التاريخي. ولفتت المجلة إلى أن بكين أعربت عن قلقها من تسرب الاضطرابات عبر الحدود الأفغانية المتاخمة لإقليم شينجيانغ. ونقلت المجلة تصريحات صادرة عن المسؤولين في السفارة الصينية في الولايات المتحدة تشير إلى أن بكين تسعى إلى "تجنب المزيد من توسع الصراع في أفغانستان"، وضرورة "استئناف المفاوضات بين الأفغان، لتحقيق المصالحة السياسية ومنع جميع أشكال القوى الإرهابية من استغلال الوضع للنمو في أفغانستان وعدم السماح لأفغانستان بأن تصبح ساحة تجمع للإرهابيين من جديد".

خاتمة

مما لا شك فيه أن الصين تسعى للعب دور فاعل في الساحة الأفغانية في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي منها، إما درءاً لمخاطر كامنة فيها أو لإعطاء قوة دفع لمشاريعها الكبرى وعلى رأسها مبادرة الحزام والطريق، المعروفة باسم طريق الحرير الجديد، وفي كلا الحالتين فإن الصين تربح في أمنها واقتصادها ونفوذها.

ابتسام الشامي