مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

على وشك انتهاء المعركة الاقتصادية الأمريكية ضد إيران

على وشك انتهاء المعركة الاقتصادية الأمريكية ضد إيران

يعتبر الاتفاق النووي مع إيران من أهم القضايا المطروحة على جدول الأعمال الدولي. ويبدو أن الولايات المتحدة تتحرك نحو مثل هذا الاتفاق، في حين أن الإيرانيين، بصفتهم تجاراً أذكياء، يفرضون مطالب مفرطة على الأمريكيين.

هذا الوضع يضع إسرائيل في واقع من عدم اليقين بخصوص المستقبل وتوقع عدم توقيع الاتفاق. هنا يجب أن نسأل أنفسنا ماذا ستفعل الولايات المتحدة وما هي السياسة التي ستتخذها مع إيران إذا لم يكن هناك اتفاق. لقد فشلت السياسات الأمريكية والإسرائيلية المتّبعة خلال العقد الماضي لوقف البرنامج النووي الإيراني، خارطة ارتكزت على معركة اقتصادية خانقة وضربات تشغيلية تتمثل مهمتها في تأخير التقدم في المشروع قدر الإمكان.

أفغانستان هي في الحقيقة الزئبقة (وردة الزئبق) التي تبشّر بقدوم الخريف عندما يتعلق الأمر بالسياسة الأمريكية. لا مزيد من المغامرات العسكرية على قدسية إصلاح العالم ونشر الديمقراطية. لذلك، فإن الخيار العسكري الأمريكي ضد المشروع النووي الإيراني، والذي لم يكن مفضّلاً أبداً، هو تقريباً غير وارد تماماً. هذا يعيدنا في الواقع إلى استخدام الحرب الاقتصادية. هناك جدل مستمر بين الخبراء حول فعالية العقوبات الأمريكية ضد البرنامج النووي الإيراني. الخلاصة تشير في الواقع إلى الجانب السلبي، حيث يتكيف الإيرانيون في النهاية مع واقع اقتصادي أكثر صعوبة. إنهم يستمرون بمفردهم على الرغم من العقوبات الشديدة المفروضة عليهم. التوقّع بأن تؤدي العقوبات إلى احتجاجات حاشدة حتى سقوط النظام لم يصمد أمام اختبار الواقع، ومن الصعب تصديق أنّ تدهور الأوضاع الاقتصادية سينجح في انهيار النظام الإيراني في المستقبل.

يأتي هذا الموقف أولاً وقبل كل شيء من قدرة النظام الإيراني على إظهار تكيّف لا يصدّق مع سياسة العقوبات. لقد تعلّم كيف يتعايش معهم، وخصوصاً كيفية الالتفاف عليهم. وبقدر ما يتعلق الأمر بالنظام في إيران، فقد طوّر الرئيس والطبقة الحاكمة والحرس الثوري لأنفسهم اقتصاداً مغلقاً يستمر في الصمود والازدهار في ظل نظام العقوبات. في الحقيقة الولايات المتحدة تدير المعركة بمفردها تقريباً. إنها تواجه صعوبة بالغة في فرض العقوبات وضرب قلب النظام الاقتصادي للمرشد الأعلى والحرس الثوري، ونتيجة لذلك ينجح الإيرانيون في الصمود.

ومن المفارقات أن الولايات المتحدة هي التي تدفع الثمن الباهظ لسياسة العقوبات الاقتصادية التي تنتهجها. الاستيلاء الكامل على منظومة تحويل الأموال العالمي (Swift) من قبل الأمريكيين، سوية كون الدولار هو العملة المركزية للتجارة العالمية، والسيطرة الأمريكية الكاملة على كل تحويل للدولار في العالم، وسياسة العقوبات ضد الصين وروسيا وعدد من البنوك حول العالم، خلق عملية عرضت للخطر بشكل كبير الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي، وعملياً شكل تهديداً استراتيجياً على الولايات المتحدة.

تقود الصين حالياً عملية استراتيجية مدعومة من روسيا، ومن دول "متضررة" من الولايات المتحدة (بما في ذلك الدول العربية) وبتشجيع من مجموعة واسعة من البنوك حول العالم، والتي يتمثل هدفها الأساسي في تطوير نظام بديل لتحويل الأموال في جميع أنحاء العالم على أساس العملة الرقمية. الهدف الرئيسي هو تحييد قدرة الولايات المتحدة على السيطرة على الاقتصاد العالمي. يسمح الصينيون اليوم بالفعل للإيرانيين بالتداول بعملتهم الرقمية الصينية من خلال الالتفاف على العقوبات الأمريكية.

يدرك الأمريكيون جيداً التوجُّه الصيني ونهوض النظام الدولي أمامهم. الآن كل ما تبقّى لديهم هو اتخاذ قرار استراتيجي: هل نحارب ذلك أم محاولة التقليل من الأضرار من خلال الاستعداد لاستيعاب "المعارضة" التي نشأت من أجل محاولة الحفاظ على الوضع الراهن قدر الإمكان. على أي حال، وفي أي خيار يختاره الأمريكيون، يجب أن نتوقّع تغييراً جذرياً في الاستعداد الأمريكي حتى بالنسبة للتحركات الاقتصادية بعيدة المدى ضد إيران.

ترتبط قضية المعركة ضد إيران أيضاً بالتهديد الاستراتيجي الأوسع للأمريكيين ضد الصينيين. يدرك الأمريكيون جيداً أن سياسة العقوبات التي فرضوها قد تآكلت بالكامل تقريباً وأن الخيار العسكري غير وارد. يبدو أنه من ناحية الأمريكيين فإن الاتفاق مع إيران هو بحكم الظروف والأقل شروراً. على القادة في إسرائيل أن يستوعبوا ويدركوا أنه عملياً نظام العقوبات الاقتصادية تآكل وأننا بقينا وحدنا في المعركة ضد النووي الإيراني، بكل ما يعنيه ذلك.

مركز القدس للاستراتيجية والأمن – الدكتور أودي ليفي (خبير في محاربة الأموال)

ترجمة وإعداد: حسن سليمان