مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

عملية التحرُّر من "جلبوع": الأبعاد والدلالات

عملية التحرُّر من "جلبوع": الأبعاد والدلالات

وَصَف الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين زياد النخالة، عملية التحرر التي نفّذها مجاهدو حركة الجهاد (خمسة من الجهاد، وواحد من فتح)، من سجن "جلبوع" "بأنّهم قامات حرية يأتون على قدر ويلوحون بالنصر القادم لشعبنا، ويطرقون أبواب الحرية ويكسرون بكل ما تعني الكلمة هيبه الأمن الصهيوني".

وأضاف: "ستة رجال من مقاتلينا الأبطال ينقلون المعركة بكل قوة واقتدار إلى قلب العدو ويخترقون كل إجراءاته الأمنية..". ما الذي تعنيه هذه العملية؟ وما هي الاحتمالات المتوقعة والتداعيات؟..

ضربة للمنظومة الأمنية

وجّه مجاهدو حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ضربة شديدة القوة للمنظومة الأمنية الصهيونية، حين استطاع ستة من المجاهدين: محمود عارضة، ومحمد عارضة، ويعقوب قادري، وزكريا الزبيدي، وأيهم كمامجي، ومناضل نفيعات، تحرير أنفسهم، من معتقل "جلبوع" شديد الحراسة، والواقع في منطقة بيسان شمال فلسطين المحتلة بالقرب من بحيرة طبريا، في السادس من الشهر الجاري، ليُشكّل ذلك إخفاقاً أمنياً كبيراً للكيان الصهيوني بشكل عام، ولرئيس وزراء الاحتلال نفتالي بينيت - الذي لم يمض سوى أقل من شهرين على تسلّمه منصبه - بشكل خاص. وستبقى ارتدادات هذه العملية قائمة وتزداد اتساعاً مع نجاح المجاهدين في البقاء مُتخفّين، ما سيكون له ارتدادات كبيرة على المستويين السياسي والأمني داخل الكيان.

لقد بدأت بعض الأصوات داخل الكيان ترتفع وتصف المقاتلين من الجهاد الذين تحرروا بأنّهم "من أكثر المناضلين جرأة من أجل الحرية"، كما كتب ذلك جدعون ليفي في صحيفة "هآرتس". وتزداد حالة توجيه التهم داخليّاً، فالجيش الإسرائيلي يُحمّل على الرغم من مشاركته في أعمال البحث عن المجاهدين المحررين، مسؤولية الإخفاق للشاباك، ويعلن أنّه يساعد في عملية البحث عن المجاهدين المحررين. ويقرّر زيادة قواته المشارِكة في مساعدة الشرطة بجهود ملاحقة الأسرى المحررين من سجن جلبوع إلى 3 كتائب قتالية و7 سرايا. في حين يعترف مسؤول كبير في مصلحة السجون الإسرائيلية في تصريح إلى "إسرائيل اليوم": "فشلنا، هناك إخفاق كبير هنا، السجناء، والأمنيون تحديداً، يبحثون دائماً عن ثغرة للهروب من خلالها، وحقيقة إنّهم نجحوا. وهذا فشل كامل للنظام الأمني والاستخباراتي للسجن ودائرة السجون كلها". واعتبر رامي عوفاديا (المسؤول الكبير في مصلحة السجون سابقاً) في تصريح لقناة كان العبرية: أنّ هروب الأسرى الفلسطينيين من سجن جلبوع يمثّل فشلاً لمصلحة السجون مشابه لذلك الفشل وتلك الخسارة "لإسرائيل" في حرب يوم الغفران "حرب 73". واعتبر الصحفي ذي ماركر أنّ موازنة سنوية تبلغ 3.77 مليار شيكل لمصلحة السجون لم تكفِ لمنع هروب 6 أسرى!!. وقال يمكن إلقاء اللوم على مهندس بناء السجن، أو حارسة السجن التي نامت، لكن من يتابع أرقام موازنة مصلحة السجون يعلم مسبقاً حجم الكارثة، ويعرف أنّ المسؤولين عن هروب الأسرى الأمنيين يجلسون أعلى بكثير من برج الحراسة في سجن جلبوع.

وأثارت عملية التحرّر سخرية الصحافة الإسرائيلية، ليس فقط من سلطات السجن، بل من المنظومة الأمنية بأكملها بما في ذلك أجهزة الموساد والشاباك والمخابرات العسكرية (أمان)، للتبريرات العديدة التي قدّموها بشأن نجاح عملية التحرّر؛ من خلال قيام الشركة التي شيدت سجن "جلبوع" بنشر تصميمات مباني السجن على موقعها على شبكة الإنترنت، ما جعل الأسرى المحرّرين يكتشفون نقاط ضعفها، والتغلّب عليها. وطُرحت أسئلة أخرى: لماذا لم تكتشف تلك الأجهزة قيام الشركة بنشر تصميمات مباني السجن؟! ولماذا لم تستفد من تجارب عديدة لتحرُّر الأسرى؟ وماذا عن توقيت اكتشاف عملية التحرّر؟ ومن الذي قام باكتشافها؟ وماذا عن ترويج "إسرائيل" لقدرتها الفائقة للتعامل مع الأخطار الطارئة؟ ولماذا فشلت ولم تستطع اكتشاف عملية التحرر إلا بعد ساعات ومن خلال بلاغ قدّمه أحد المستوطنين هناك؟! وماذا عن فتحة النفق التي خرج منها المُحرّرون وكانت قريبة للغاية من أبراج الحراسة ومن أسوار السجن المزودة بكاميرات ومعدات إلكترونية متطورة لتأمينه من مثل هذه المحاولات؟!.

هشاشة الأمن

ومن كل ذلك يتّضح أن عملية التحرر قد كشفت مجدداً هشاشة البنية الداخلية "الإسرائيلية" القائمة أصلاً على رفض الفشل والخوف منه، والعمل على تجنّبه، فكيف الحال بمن استطاع أن يُثبت فشلهم وعدم قدرتهم على التغلّب عليه؟! وهذا يعني أن انتصار الفلسطيني هو انتصار للحق، كما يقول الكاتب عصمت منصور، وأنّ هذا الانتصار والتأكيد على الوجود فالفشل نقيض النجاح، وعندما تفشل هي، ننجح نحن ومن ينجح يستطيع أن يحافظ على وجوده في غابة الموت والرعب والتصارع الغريزي على الحياة التي انتجتها الصهيونية، على انقاض فلسطين المتسامحة ومحط الرسالات ومهد الحضارات. ويرى منصور أنّ أجهزة أمن الاحتلال بعد أن لم تحصل على طرف خيط يوصلها للمجاهدين المحررين، فإن عصمت منصور يرى أن التقديرات تشير إلى الاستمرار في عمليات البحث لأيّام أو أسابيع. فإنّ معضلة مديرية السجون التي تقف بين تحريض الإعلام والشارع والسياسيين من جهة وما بين توصيات الشاباك بالتّروي وعدم الضغط أكثر: ضغط أكبر على الأسرى سيُؤدّي إلى تفجّر الأوضاع داخل وخارج السجون، وعدم تنفيذ خطوات عقابية سيكسر هيبتهم أمام الأسرى. ويبدو أنّ التحذير الذي وجّهته حركات المقاومة للعدوّ من مغبّة القيام بإجراءات تنكيلية ضد الأسرى، قد فعل فعله، ويبدو أن هذا التهديد قد ألجم الكثير من ردود الفعل التي يضاف لها الوضع السياسي الداخلي الإسرائيلي والخوف من تفكّك الائتلاف الهش الذي يرأسه حالياً نفتالي بينيت الذي وجد نفسه في إخفاق واختبار وموقف حرج، يترافق مع تدنّي ثقة الناخبين به وبوزير حربه بني غانتس كما تشير إلى ذلك استطلاعات الرأي "الإسرائيلية". في مقابل ارتفاع أسهم رئيس المعارضة بنيامين نتنياهو، الذي يراه 40% من المستطلعة آراءهم أكثر جدارة من بينيت في رئاسة الحكومة. وهذا يعني أنه مع استمرار تداعيات عملية التحرُّر، واقتراب موعد التصويت على الميزانية في الكنيست، فإن فرص انهيار حكومة بينيت قد تجد طريقها إلى ذلك سريعاً، وهذا سيُدخل إسرائيل في دوامة انتخابات جديدة.. وفي كل الأحوال فإن حصول تداعيات عديدة وارتدادات كبيرة وتبعات أمنية وسياسية داخل الكيان، منها إقصاء العديد من القيادات الأمنية والاستخباراتية نتيجة هذا الفشل، في محاولةٍ هدفُها امتصاص غضب الرأي العام "الإسرائيلي"، وخصوصاً أهالي "قتلى العمليات".

إن عملية التحرُّر "الأسطورية" تثبت أن الشعب الفلسطيني لديه من الحيوية والقدرة على الانتصار، وتثبت من جديد أن النصر يصنعه المجاهدون: من النفق، ومن خارج النفق.

هيثم أبو الغزلان