مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

قراءة في الانتخابات المغربية.. فوز التجمع الوطني للأحرار وهزيمة مدوية للإسلاميين

توفيق المديني

قراءة في الانتخابات المغربية.. فوز التجمع الوطني للأحرار وهزيمة مدوية للإسلاميين

جرت الانتخابات التشريعية في المغرب، يوم الأربعاء8 سبتمبر/أيلول 2021، حيث بلغ عدد الناخبين نحو 18 مليون ناخب، ووصلت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات إلى 50.18%، حسب ما أعلنته وزارة الداخلية المغربية.

وأسفرت نتائج الانتخابات التشريعية المغربية عن فوز حزب "التجمع الوطني للأحرار" الذي حلَّ في المرتبة الأولى بـ 97 مقعداً بعد فرز 97% من الأصوات، متبوعاً بحزب "الأصالة والمعاصرة" بـ 82 مقعداً، وحزب "الاستقلال" بـ 78 مقعداً، وحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بـ 35 مقعداً، في حين حصل حزب "الحركة الشعبية" على 26 مقعدا و"حزب التقدم والاشتراكية" على 20 مقعداً وحزب "الاتحاد الدستوري"، على 18 مقعدا و"العدالة والتنمية" 12 مقعداً فقط.

ظاهرة عائلات الإقطاع السياسي الانتخابية المرتبطة بالملك والليبرالية

وتميزت الانتخابات التشريعية في المغرب بظاهرة "العائلات الانتخابية" التي تمثل الإقطاع السياسي المرتبط بالقصر الملكي والعولمة الليبرالية المتوحشة، بعدما تشكّلت اللوائح الانتخابية للأحزاب السياسية في عدد من الدوائر من أفراد العائلة الواحدة، عوضاً عن إتاحة الفرصة لأعضاء آخرين من هذه الأحزاب، إذ تم ترشيح بعض السياسيين في البلاد لأبنائهم وأقاربهم في القوائم الانتخابية، ما أثار انتقادات واسعة، كما طرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام معايير النزاهة والكفاءة والمنافسة الشريفة عوضاً عن معايير النسب والجاه والارتباط العائلي والولاءات الشخصية.

وهي ليست المرّة الأولى التي تبرز فيها على الساحة السياسية في المغرب ظاهرة "العائلات الانتخابية"، التي تدخل غمار التنافس من أجل الظفر بمقاعد الجماعات والجهات والبرلمان، إذ عرفت أول انتخابات نُظمت في المغرب عام 1963 استعانة الملك الحسن الثاني الراحل بعائلات "الأعيان" و "الوجهاء" من أجل تثبيت نفوذ أحزاب الإدارة الموالية كليا للقصر الملكي، و مواجهة الأحزاب الوطنية، التي يغلب عليها الطابع اليساري و الشعبي .علماً أنَّ هذه ظاهرة "العائلات الانتخابية"، انتقلت لاحقاً إلى الأحزاب الوطنية بدورها، بعدما رأت في العائلات الانتخابية عاملاً مساعداً على تغطية المساحة الانتخابية وتعزيز حضورها في المشهد المجتمعي.

من هو زعيم حزب "التجمع الوطني للأحرار" الفائز في الانتخابات؟

حصل حزب "التجمع الوطني للأحرار" الذي يترأسه الملياردير المغربي عزيز أخنوش، على 97 مقعداً في الانتخابات التشريعية، والفضل في ذلك يعود إلى الإنفاق المالي بلا حساب، بل بجنون، الذي أنفقه زعيمه وهو رجل أعمال ثري جداً، على معقله السياسي في الساحل الجنوبي للمغرب، وأنعم على أهل المنطقة بالتعليم والصحة والوظائف. وكانت الدعاية السياسية والإعلامية لحزب "التجمع الوطني للأحرار" تروّج لزعيمه عزيز أخنوش، أنَّه سينهي فترة عدم الرخاء التي رافقت حكومة حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي، من أجل الفوز في هذه الانتخابات.

على الرغم من أنَّ عزيز أخنوش لا يملك أي شخصية كاريزمية، ولا ذلك الحضور القوي في تاريخ المشهد السياسي المغربي، لكنَّه يُعَدُّ صديقاً شخصياً للملك محمد السادس، وتابعاً للنظام الملكي بشكل ظاهري وباطني. ويُتَهَمُ أخنوش في العديد من الأوساط السياسية المغربية بإنفاق أموال خارج إطار الدعاية الانتخابية، وبأنَّ حزبه جزء من القوى التي تمكنت من ترويض الإسلاميين نيابة عن الملك.

وبما أنَّ عزيز أخنوش صديق للملك، فهو مرشح لتولي رئاسة الوزراء بعد فوز حزبه "الأحرار" بالانتخابات التي جرت يوم الأربعاء الماضي. لكنَّ المحللين والخبراء والنقاد في المغرب يعتقدون أنَّ وصول رئيس حزب "التجمع الوطني للأحرار" أخنوش إلى رئاسة الحكومة، لن يحدث التغيير المنشود الذي ينتظره الشعب المغربي. فالحقيقة الساطعة في المغرب مهما كانت نتيجة الانتخابات، أنَّ الملك سيظل أعلى سلطة في المجالات السياسية والعسكرية والأمنية والدينية. إضافة إلى ذلك أنَّ رئيس الحكومة المغربية المقبل عزيز أخنوش، متهم في المغرب، بأنَّه رجل أعمال اعتاد التعامل مع أنداده من أصحاب المال والأعمال، وحين يحاول الحديث إلى الناس خارج دائرته المغلقة، تخونه لغة اللسان وتعبيرات الجسد. ولا يجد منطقةً وسطى يرتاح فيها. ولغة مساعديه لغة عمّال مع ربّ عملهم، يسمها الخوف والشّعور بالتبعية والدونية.

سقوط مدوِيّ للإسلاميين في الانتخابات التشريعية بالمغرب

وصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي في المغرب بقيادة أمينه العام السابق عبد الإله بن كيران إلى رئاسة الحكومة المغربية، بعد فوزه بأغلبية المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 25 نوفمبر 2011. وشكل عبد الإله بن كيران زعيم حزب العدالة الحكومة الجديدة طبقاً للدستور الجديد المُقِر في صيف 2011، وهو قاد عمليّة تحوّل انتقالية منظّمة للديمقراطية برعاية الملك محمد السادس.

لكنَّ بعد عشر سنوات من رئاسة الحكومة المغربية، ها هو حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي، الذي كان حاكماً في المغرب، يتقهقر بشكلٍ كبيرٍ إلى المرتبة الثامنة بـ 12 مقعداً، ويفشل الأمين العام لحزب "العدالة والتنمية"، سعد الدين العثماني، في الظفر بمقعد نيابي في دائرة الرباط المحيط. فقد فشل حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي في تحقيق الانتظارات الحقيقية للشعب المغربي في مجال التنمية المستدامة، والعدالة الاجتماعية، وتغيير النظام الملكي إلى ملكية دستورية حقيقية تكون السلطة الفعلية فيها لرئيس الحكومة، إذ نجح النظام الملكي برئاسة الملك محمد السادس في  ترويض الإسلاميين، لا سيما حين قام الملك محمد السادس بالمقايضة التاريخية مع أمريكا: اعتراف إدارة ترامب السابقة بالسيادة المغربية على أقاليم الصحراء الغربية مقابل التطبيع الكامل مع الكيان الصهيوني، الأمر الذي جعل حزب العدالة والتنمية يصدر بياناً لم يوقعه الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني، واكتفى بتوقيعه نائبه، وحاول أخذ العصا من الوسط، منوها بالانتصار الكبير الذي حققه المغرب في قضية الصحراء المغربية، مؤكدا تعبئة الحزب خلف الملك لترسيخ سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، مذكّرا بمواقفه الثابتة من الاحتلال الصهيوني، وما يقترفه من جرائم، خاتما بيانه بجملةٍ يُستشَف منها تنديده بالتطبيع، تلميحا لا تصريحا، من خلال استنكاره محاولات الاحتلال الصهيوني تطبيع علاقاته واختراق المجتمعات الإسلامية.

فقد اختار إذن حزب العدالة والتنمية التلميح لا التصريح، وترك لشبيبته التي يترأسها وزير في الحكومة إصدار بيانٍ تؤكد فيه موقفها المبدئي الرافض للتطبيع، وكان هذا الموقف لحزب العدالة والتنمية مخيّباً لآمال الجماهير المغربية الذين اعتقدوا أن الحزب قد يقوم بخطواتٍ احتجاجية تجاه القرار الملكي، من قبيل التنديد والاستنكار، بله بتقديم الاستقالة والخروج من الحكومة.

ومن الواضح أنَّ موقف الحزب المائع من التطبيع، وعجزه عن حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في المغرب، وعدم قدرته على إصلاح النظام الملكي المغربي، أسهم إسهاماً كبيراً في إحباط الجماهير المغربية، وفي التخلي عنه من قبل الناخبين المحبطين. فقد أقرَّ القيادي في حزب "العدالة والتنمية" لحسن العمراني، الخميس الماضي، بهزيمة حزبه في الانتخابات البرلمانية، وذلك في أول رد فعل من قيادة الحزب الإسلامي.

وكتب العمراني، في تدوينة له على صفحته في "فيس بوك": "انهزمنا انتخابياً، ويلزمنا الاعتراف بذلك، واستخلاص ما يلزم من نتائج، والأهم اتخاذ الخطوات العملية الضرورية. الهزيمة مؤلمة، ولكنها ليست نهاية المسار".

إلى جانب الموقف المائع من التطبيع، يدفع حزب ثمن خيارات تحالف أحزاب الإسلام السياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية ما يسمى مرحلة "الربيع العربي" على مستوى العلاقات الخارجية، إذ اعتبرت أمريكا الانتخابات المغربية خلال محطاتها الثلاث منذ سنة 2011، مندرجة ضمن مسار سياسي سليم. كما تعامل الموقف الفرنسي في اتجاهه العام منذ عام 2011 الذي شهد تحولات بالمغرب مع صعود الإسلاميين، على أساس أن المجتمعات العربية لها توجهات نحو اختيار الإسلاميين في الانتخابات، لكن في الحالة المغربية اعتبرتهم فرنسا "إسلاميي الملك"، وأن الحالة المغربية انتقال سياسي مؤطَّر ومنضبط من حيث الإيقاع. وكان حينها رئيس الدبلوماسية الفرنسية عام 2011 آلان جوبي قد صرَّح بأن إسلاميي العدالة والتنمية لديهم مواقف حداثية ومعصرنة؛ وهو ما دفع مجلة (le point) الفرنسية إلى أن تصف تلك التجربة عام 2011 بعنوان كبير" إسلاميُّو الملك". ومنذ ذلك الحين وضعت فرنسا إطاراً عامّاً للتعامل مع حزب العدالة والتنمية لا يزال مستمرّاً. ويبدو أن إدارة حزب العدالة والتنمية للمدن سوف تمثِّل في نفس الوقت مساحة لإدارة العلاقة مع فرنسا الشريك الاقتصادي والسياسي التاريخي للمغرب.

الطبقة الغنية والوسطى، والفقراء في المدن، لم يصوتوا للإسلاميين

في المحطات الانتخابية السابقة، يعرف حزب العدالة والتنمية تركيبة الطبقات التي صوَّتت لصالحه من الطبقة الغنية والمتوسطة والفقيرة، ولذلك فإن ردَّه سيتركز في المجال الاقتصادي بسبب وجود شعور عام مشترك لدى هذه الطبقات بأهمية التوازنات الاقتصادية للدولة، وهي الزاوية التي شكَّلت نقطة ارتكاز أساسية في خطاب العدالة والتنمية السياسي، وفي برنامجه الحكومي للسنوات الماضية.

ويتضمن التصويت في المدن غالباً بُعداً ورسالة سياسية على خلاف التصويت في القرى، وتعتبر الدلالة السياسية الأهم لخارطة توزيع الأصوات هي الميول الانتخابية التي أظهرتها الطبقة الوسطى والغنية التي صوَّتت على العدالة والتنمية في المدن. وإذا كان هذا التصويت لا يكتسي طابعاً ثقافيّاً؛ حيث إن هذه الطبقات لم تصوِّت بالضرورة على النموذج الثقافي والفكري لحزب العدالة والتنمية، فإنه ينبغي الأخذ بعين الاعتبار كذلك أنه تصويت لطبقات مثقفة أو تعتبر الأكثر تثقيفاً وتسييساً بالمغرب، ولا يخلو من كونه تصويتاً على طريقة حزب العدالة والتنمية ونموذجه التدبيري وإدارته للتنمية والمدن. ولدى الطبقة الغنية والمتوسطة خياراتها الثقافية والفكرية الخاصة بها، والتي لا تستطيع السلطة ولا حزب مثل العدالة والتنمية التأثير فيها ولم تتمكن كذلك أحزاب اليسار في الماضي من التأثير فيها. وهو نموذج اجتماعي يمزج بين الحس الديني والانفتاح في آن واحد.

أما المغاربة الفقراء الذين ينتمون إلى الفئات الشعبية هشاشة، وسكان مناطق الظل المنسية، فلم يطرأ أي تغيير ملموس على حياتهم، وفقدوا  فقدت ثقتهم في تحسين ظروف معيشتهم، في ظل المنظومة نفسها التي تحكم المغرب منذ سنة 2011.فقد عان المغاربة الفقراء  كثيراً من الإسقاطات المدمرة للأزمة الاجتماعية والاقتصادية المستمرة من دون حلولٍ تجني ثمارها الفئات المتضرّرة منها، الأمر الذي قاد إلى نوعٍ من الإحباط والاستياء الشعبي العام، وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة العاجزة عن الاستجابة لمطالب الناس المشروعة، المتمثلة في حقوقهم الرئيسية في التعليم والصحة والعمل والسكن.

وزاد من مفاقمة هذا الوضع الفساد في دواليب الدولة، حتى كاد يتحول إلى عقيدة مقدسة يصعب النيل منها، وهو ما كشفت عنه أزمة وباء كورونا وتداعياته القاسية على الاقتصاد، ما رفع من نسب الفقر داخل المجتمع، وبالتالي من منسوب خيبة الأمل لدى فئاتٍ عريضةٍ من المغاربة، فقدت ثقتها في المسار الانتخابي الذي يعيد إنتاج المؤسسات نفسها التي لا تحكم، فيما النظام الحاكم الذي يختزله "المخزن" والمتمركز حول القصر وشخص الملك، لا يُنتخب ولا يَخضع ممثلوه لأي محاسبة كيفما كان نوعها.

خاتمة

عندما خلف والد الراحل الحسن الثاني في يوليو عام 1999، كان الملك محمد السادس هو الملك 23 من السلالة العلوية التي تحكم المغرب، وهي أقدم سلالة في التاريخ المعاصر. ومع أن الملكية في المغرب تتحول تدريجياً إلى نظام "ملكي دستوري"، فإنَّ هناك قوى سياسية مغربية عديدة، تضم في صفوفها: حركة الشباب، والتيارات العلمانية، وحركة العدل والإحسان التي كان يقودها الراحل الشيخ عبد السلام ياسين، تدعو إلى إقامة ملكية برلمانية على الطريقة البريطانية، إذ تقول حركة 20 فبراير2011تاريخ بدء الحركة الاحتجاجية الشعبية التي عمت المدن المغربية الرئيسية:" إننا نريد ملكاً يسود، لكنه لا يحكم".

في ظل نظام ملكي يسود فيه الحكم الفردي المطلق، لا تعني خلافة أمير "جيد" لملك "قاس بلا جدوى" حسب تعبير الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، أنَّ الملكية المغربية أصبحت سلطة وصاية مستحبة من قبل رعاياها. إلى أين انتقل - لكي لا نتكلم عن الجمهوريين المغاربة – دعاة تطور الملكية المغربية "على الطريقة الإسبانية"، عبر تحويل سلطة مطلقةـ يقودها "أمير المؤمنين" إلى ملكية دستورية، إن لم تكن برلمانيةً؟.

لقد استعادت السلطة الملكية السلطات القليلة التي ظلت بين أيدي الحكومة بعد الإصلاحات الدستورية لسنة 2011. والسؤال الذي يطرحه المثقفون الفرنسيون الذين يعرفون بدقة واقع المملكة المغربية أمثال جيل بيرو، وجان بيار توكواو الخ: هل تهم السلطة هذه الملك محمد السادس الذي لا يمتلك مشروعاً ورؤية لبناء دولة حديثة؟ فمحمد السادس لا يعطي انطباعاً بأنَّه يستوعب الصعاب التي يعيشها مواطنوه ولا حتى أنَّه يملك رؤية واضحة لما يمكن فعله للشروع لكي يحل المعضلات المستعصية التي يعاني منها المغرب.

لقد كتب إينياس دال كتابه: الملوك الثلاثة - المملكة المغربية من الاستقلال إلى يومنا هذا - بشكل بسيط ومن دون زخارف، وخصص صفحات كثيرة للحديث عن الإسلاميين والطبقة السياسية المسيطرة. ويعتبر الكتاب ذا أهمية تاريخية، نظراً لأنَّه شـــامل، وموثّق، وبصورة إجمالية لا يكيل المديح للسلالة العلوية الحاكمة. هل يجب أن نرى العلاقة بين السبب والنتيجة. والكتاب غير موجود الآن في المغرب (حيث إنَّ الكاتب تعرض للسب والشتم من قبل قسم من الصحافة).

وتبدو الصفحات المخصصة للملك محمد السادس نقدية ما دامت صورة الملك تبتعد عن الصورة الوردية المعروفة عنه. لقد تم تصوير الملك كرجل متزن وهادىء، وديموقراطي في الصميم. بيد أن الكاتب إينياس دال الذي قضى وقتاً طويلاً في المغرب، وبعد تمحيص في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، قدم لنا صورة مناقضة تماماً للملك الغريب الأطوار والغامض، والشحيح، خاصة حرصه الشديد على ضمان نمط حياته الملكية في حال نفيه.

ويسخر الكاتب إينياس دال من المصاريف الباهظة للملك محمد السادس بقوله "فملك الفقراء ليس ملكاً فقيراً" حسب وصف وزير الخارجية الفرنسي السابق ميشال جوبير، الذي ينتقد محافظته على جهاز أمني حاضر وقوي. وكان البروفسور ريمي لوفو، المطلع جيداً على أوضاع المغرب والمشتبه قليلاً في كونه خصماً عنيداً، قد طرح أساساً السؤال في أواخر العام 2000: "أنا أطرح الأشياء بكل سذاجة: هل محمد السادس سيستمر في عمله كرجل أعمال؟ ففي نظام هو في طريق التحول الديموقراطي لا يمكن للملك أن يكون مستثمراً. ولا يمكنه أن ينافس المستثمرين. وفي هذه الحالة يجب أن يعزز موقعه كحكم". فمحمد السادس، وهو المقاول الأول والمستثمر الزراعي الأول، وصاحب الثروة الكبرى في البلاد، والذي يمسك بكل السلطات الدستورية، هو في الوقت نفسه الخصم والحكم. ومنذ خمس سنوات لم تكن الهيمنة الملكية على عالم الأعمال بهذه القوة. فهل "ملك الفقراء" قد أصبح ملك الأغنياء؟ إن الملك يدافع عن نفسه في ذلك.

ليس من شك في أنَّ انتظارات الشعب المغربي كبيرة، وهي ناتجة من السياسات التي كانت متبعة خلال عقود متتالية. ويتطلب أي إصلاح ديمقراطي...أو أي تغيير حقيقي في المغرب، إحداث انقلاب فعلي في العلاقات بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، بما يسمح بالانطلاق من تطوير أجهزة الدولة، وتحسين عمل المؤسسات، أي وضع القوانين الأساسية لتطور ديمقراطي سليم، يسير في اتجاه ترسيخ دولة الحق والقانون، وتقوية دور الأجهزة الحزبية، والنقابات، وجمعيات المجتمع المدني. ولو تحقق مثل هذا الانقلاب في العلاقة بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، فإن تحولاً راديكالياً سيطرأ على طبيعة الديمقراطية عينها: فمن ديمقراطية تمثيل ستتحول أيضاً إلى ديمقراطية مشاركة.. والديمقراطية إما أن تكون تشاركية وإما لا تكون ديمقراطية أصلاً.

توفيق المديني