مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

اشتمونا.. انتقدونا.. لكن دعونا نحلُمْ..

غسان عبد الله

أول الكلام

اشتمونا.. انتقدونا.. لكن دعونا نحلُمْ..

إلى الذين يعملون في عين رضا الرحمن إلا أنهم يواجِهون انتقاداتٍ عدةً، انتقاداتٍ ربما تكون آثمةً لأنها تصدر عن أناس يفترض بهم أن يكونوا أكثرَ الناسِ حرصاً على مشاعر الآخرين، ثمة وسيلة قد تكون ناجحةً في مواجهة هؤلاء..

وأنا الآن أقول: "اقرأوا أول كلامي هذا.. فإن الذي سأخطُّه ليس من وهم أو من خيال بل هو من صميم الحياة.. فقد علمتنا الحياة ما لم نتعلمه من كتبٍ قرأناها بتمعن.. وحفظناها عن ظهر قلب.. إلا أننا وعلى الرغم من أننا نعيش هذه الحياة.. لم نحفظ قطُّ(وللأسف) مفردةً من مفرداتها.. وهذه بعضُ نتفٍ من مفردات من الحياة"..

الرقعاء السخفاء سبوّا الخالقَ الرازقَ جلَّ في علاه، وشتموا الواحد الأحدَ لا إله إلا هو، فماذا أتوقع أنا وأنتَ ونحنُ أهلُ الحيفِ والخطأِ؟؟.. إنما نحنُ بشرٌ.. ومتعرِّضونَ دائماً لألسنةِ حدادٍ.. فماذا نرجو.. وماذا نأمل؟؟. إننا سوف نواجه في حياتنا حرباً ضروس لا هوادةَ فيها من النقد الآثمِ المرِّ، ومن التحطيمِ المدروسِ المقصودِ، ومن الإهانةِ المتعمّدةِ ما دمنا نعطي ونبني ونؤثّر ونسطعُ ونلمعُ، ولن يسكتَ هؤلاءِ عنا حتى نتّخذ نفقاً في الأرضِ أو سلَّماً في السماءِ فنفرّ منهم، أما ونحن بين أظهرهم فلننتظر منهم ما يسوؤنا ويُبكي أعيننا، ويدمي مُقَلَنا، ويقضُّ مضاجِعَنا، ولننتظر ذلك من أعزِّهم علينا، من الذين لا نتوقع منهم الإساءة.

إنَّ الجالسَ على الأرضِ لا يسقُطُ، فلنبقَ كما نحنُ على أرض البساطةِ.. ولا نرتفعْ حيث لا يُحمدُ الارتفاعُ.. إن الناس لا يرفسون كلباً ميتاً، لكنهم يغضبون لأننا تجاوزناهم صلاحاً، أو علماً، أو أدباً، نحن عندهم مذنبون لا توبةَ لنا حتى نُثْبِتَ العكسَ، ونتركَ مواهبَنا ونِعَمَ الله علينا، وننخلعَ من كلِّ صفاتِ الحمد، وننسلخَ من كلِّ معاني النُّبْلِ، ونبقى بليدين! ساذجين أصفاراً محطمةً، مكدودةً، هذا ما يريدون بالضبط.

إذاً فلنصمد لكلامِ هؤلاء ونقدِهم وتشويهِهم وتحقيرهم.. ولنثبتَ لأنفسِنا أننا نحن - نحنُ، ولا نحاول إثباتَ شيءٍ لهم، لأننا نكون قد أعطيناهم الحقَّ فيما ليس لهم به أيُّ وجهِ حقَّ.. فمن قال إنَّ منْ نريدُهُ أن يستمعِ إلى نجاوانا واحدٌ من الذين في آذانهم وقرٌ؟.. ولنكن كالصخرةِ الصامتةِ المهيبةِ تتكسّرُ عليها حبَّاتُ البَرَدِ لتُثْبِتَ وجودَها وقدرتَها على البقاءِ. إننا إن أصغينا لكلام هؤلاء وتفاعلنا به حقّقنا أمنياتَهم الغاليةَ في تعكير حياتنا وتكدير عمرنا..

ألا فلنصفحِ الصفحَ الجميلَ، ألا فلنُعرضْ عنهم ولا نكونَ في ضَيْقٍ مما يفعلون. إنّ نقدهمُ السخيفَ ترجمةٌ محترمةٌ لنا ولطاقاتنا الكامنةِ التي تحرِّكُ فيهم مارِدَ الغِلِّ، وبقدرِ وزنِنا يكونُ النقدُ الآثمُ المفتعل.

إننا لن نستطيعَ أن نُغلِقَ أفواهَ هؤلاءِ ولن نستطيعَ أن نعتقلَ ألسنتَهم لكننا نستطيعُ أن ندفنَ نقدَهم وتجنِّيهم بتجافينا لهم، وإهمالِنا لشأنهم، وإعراضنا عن أقوالهم!. (فلنقل موتوا بغيظكم) بل نستطيع أن نصبَّ في أفواهِهم الخردلَ بزيادةِ فضائلنا وتربيةِ محاسِننا وتقويمِ اعوجاجنا.. واطِّلاعِنا على ما ينمّي قدراتِنا ومواهبَنا الدفينةَ.. إن كنا نريد فعلاً أن نكون مقبولين عند الجميع، محبوبين لدى الكلّ، سليمينَ من العيوبِ عند العالمِ، فقد طلبنا مستحيلاً وأمَّلْنا أملاً بعيداً.. إذن لماذا لا نقولُ لمن يريدون أن يتسيَّدوا في النقدِ وفي الإبداعِ ويريدونَ عرشَ الوَرقْ.. قولوا ما شئتم عن عطايانا.. اشتمونا.. انتقدونا.. لكن دعونا نحلُمْ..

أخيراً إليكُم ما حرَّكتْهُ فيَّ الكلماتُ في هذه الرؤية:

في قريةِ إبداعٍ.. في غيهبِها‏ اجتمعَ الأصحاب‏.. جيوشُ النقدِ..‏ الفريسيون..‏ وحوشُ الغابْ‏.. قالوا: هذا زمن الجوعِ‏ لن يجرؤ فيكم، من يتسيّدَ فينا.!‏ فالذئبُ الرابضُ خلفَ الباب‏.. آتٍ من شطآنِ الحُلُمِ يصدَحُ في كفيهِ الطيرُ‏.. ويثرثرُ في عينيهِ الخير‏..

سيهدّمُ جدرانَ الحرمان‏.. وستُزهِرُ أشجارُ الرّمان‏.. ويميلُ إلى كلّ خرافِ القرية‏ يذبحُها‏ يُطعِمُنا.. نشبعُ.. نشبعُ‏.. نهتفُ‏.. نصرخُ.. نرقصُ فوقَ الأشلاءِ من غير عناء‏.. فليأتِ الذئبُ إذن‏ ولتأتِ الأغلالُ‏ فليأت الذئبُ!!‏.. حتى لو علّق..‏ فوقَ الهامِ‏ شِسع نعال‏..

نادى شخصٌ من حاشيةِ الذئب:‏ يا أبناءَ القريةِ المجتمعينَ‏ في غيهبِ هذا الجرح‏.. الذئبُ أتى..‏ الذئب أتى..‏ قوموا.. أدّوا للذئب فرائضَ طاعته..‏ نهضَ الكاتبُ الأكبرُ..‏ أجْلَسَهُ فوق العرشِ/الأحداق‏.. سلّمه الفريسيون الأعناقْ..

بعد استباب الصمت‏ ابتسم الذئب وقال:‏ يا أصحابَ الحزنِ‏.. أنا سيّدُ هذي الفلوات‏ وأميرُ الصحراء‏.. فاستمعوا:‏ من والاني سأقرّبُه‏ وأدرُّ عليهِ فيضَ نعيمي‏ فيطولُ الجوزاءْ‏.. لكن من حاولَ أن يعصي أمري‏ سينالُ عقابي‏.. ويؤول إلى ماءٍ في نهر دماءْ.. أدُهِشْتمْ؟‏ لا يأخذُكُم في الأمرِ عَجَبٌ هذا إيقاع العصر‏؟!..

شاعرٌ قام فقال:‏ يا مولايَ.. قبلكَ كان الفردوسُ يباباً‏ وصباحُ القريةِ ليلاً‏.. زِدْنا غيثاً وسحاباً.. مُرْنا..‏ نُوغِلُ في ذبحِ خرافِ القريةِ فتكاً..‏ فلكَ الفيضُ ولكَ الكلِمُ.. ولمثلِكَ فلتُشْرَعُ أبوابُ النقدِ..

ثارت وشوشةٌ بين جيوشِ النقدِ:‏ "مَنْ ذاك الآتي..؟‏ يتعثّر بين الظلمةِ والضوء‏؟.. هذا صاحبُ كتابِ الأنسِ وشاعرُ فيافي الصبرِ.. ومُشرِعُ نوافذِه على وقعِ الشعر.. يتلمَّسُ ركناً بين الجمعِ.. يتأمَّلُ نارَ الكلمات‏.. يتصفّحُ تلك الآمالَ المنطفئةْ‏.

وبقلبٍ أبيضَ صلى‏، حملَ الصبر على الصبر، والجوعَ على الجوعِ‏.. وقال:‏ يا سيّدَ هذي الفلوات‏.. خذ ما تبغي.. خذ‏ واركُزْ في كلِّ الربوات الراياتِ.. لا نطمعُ في شيءٍ ترغبُ فيه‏ وافعلْ ما شئتَ..‏ لكن.. اتركنا‏ نحلم..!!‏.

غسان عبد الله