مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

التّراثُ الإسلاميُّ بينَ القطيعةِ والاندِماج.. هَلْ منَ الضّروري إيجادَ صلةٍ مع التّراث؟!

نبيل علي صالح

التّراثُ الإسلاميُّ بينَ القطيعةِ والاندِماج.. هَلْ منَ الضّروري إيجادَ صلةٍ مع التّراث؟!

تنبعُ أهمية السّؤال السابق - وما يمكن أن يثيره من أفكار وهواجس حول طبيعة العلاقة المفترض أن تنشأ (عقلياً وعلمياً) مع التراث الإسلامي، بل وضرورة أن تكون تلك العلاقة (المعرفية العملية) منتجة وفعالة - من كون هذا التراث الإسلامي – بما يحتويه ويختزنه من أفكار وتصورات ورؤى وخطابات وقيم وأحكام ونظم اجتماعية وغيرها - يحظى بالقبول الطّوعي لدى غالبية المسلمين..

كما ويعطي مؤمنيه ومتّبعيه مناخاً من الاستئناس الروحي والراحة التلقائية إذا صح التعبير، ويحوزُ لديهم على فائق الاهتمام الروحي والتاريخي الأكبر كميراث ديني وثقافي وحضاري وقيمي جمالي وإنساني، تمتزجُ فيه قيم الدين مع عادات المجتمعات العربية والإسلامية، بحيث أنه تحوّل إلى ناظم معرفي وسلوكي معياري راسخ، وقاعدة حضارية وإنسانية مركوزة في وعي إنسان هذه المجتمعات، تعمّقت فيها روحية الالتزام بقيم الدّين وأحكامه مع سلوكيات التعاملات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية..

يعني أنَّ هذا التّراث باتَ مهيمناً على الكيان النفسي والتركيب الشعوري والعملي للفرد المسلم فيما يتصل بممارسته لحياته الخاصة والعامة على السواء.. بما يعني أنّه (وهذه نتيجة معرفية تاريخية أثبتتها أحوال بلداننا ومجتمعاتنا العربية والإسلامية) من الاستحالة بمكان بدء أية مسيرة إصلاحية أو تقويمية أو تغييرية لواقع المسلمين – تدفعُ تلكَ المجتمعات للإنتاج والفعالية الوجودية الحقيقية القائمة على تفجير قيم وقوانين العلم والعقل والإنتاج العلمي العقلي - من دون الأخذ بعين الاعتبار هذا الانتماء القوي والفعال للفرد المسلم إلى حضارته وتراثه التاريخي، وبالتحديد منه تراثه وميراثه الحضاري الإسلامي الذي يَعتبرُ (ذلك الفرد المسلم) الالتزامَ به (بما فيه من أحكام وقواعد وبيّنات ووغيرها) نوعاً من الالتزام بالأمر والحكم الإلهي، ومخالفته إثم وذنب يسجل عليه..!!.

ولكن هذا التراث (الذي يتمظهر في حركة الانتماء للإسلام ليس فقط كرأسمال حضاري، بل كخلفية اعتقادية دينية شبه قطعية)، اختلطتْ فيه كما قلنا مواريث وعادات الشعوب وتقاليدها وثقافاتها مع كثير من قيم الدين ذاته في كثير من أحكامه وأسسه، بحيث أنها أسهمت بقوة في خلْق مشكلات فكرية وعملية واجتماعية جديدة، أفضتْ إلى إيقاف عجلة التطور والتقدم المجتمعي لتلك البلدان، ولهذا وجب القول هنا أنه يجب تنقية ذلك التراث مما عَلق أو لحق به من شوائب وتعقيدات وتقاليد بالية متخلفة حلّت محلّ كثير من قيم الدين الإنسانية ذاته، وأثرت وتؤثر سلباً على إنتاجية الفرد المسلم وعلى حضوره النوعي (وليس الشكلي) في عصره، مع ضرورة العمل المعرفي الاجتهادي على تجديد كثير من مباني ذلك التراث، وضخ روح العصر فيه من أجل استمرارية البناء التواصلي الفعال مع قيم العصر..

إن الضرورة تقتضي هنا تقديم نماذج واقعية لمعالجات والحلول الخاصة بتلك الأمراض التي عانى وما زال يعاني منها تراثنا الحضاري الإسلامي، بحيث أنه يجب أن تكون حلول مشكلاتنا وأمراضنا الاجتماعية والسياسية وغيرها - التي باتت مانعة للتغيير المنشود كما سلف القول - من مناخ هذا العصر، ومن تربته وعجينته، وأن تكونَ مواكبة لتطوراته ومستجداته، ومتناسبة مع مقاييسه ومعاييره، بعيداً عن الإقصاء والتمييز والتعصب، وعن التسلط والاستبداد والتحكم برقاب الناس ومنعها من التفكير بحرية ووعي ومسؤولية.. فإيمان الناس وقناعاتها الدينية، وانفتاحها على تراثها، لا يجب أن يكون عائقاً ولا مانعاً من تحقُّق العلاج والإصلاح، خاصة إذا تمّت غربلة هذا التّراث وتنقيته من شوائبه وتعقيداته، وإدماجه بالعصر وتكيّفه معه.

وحتى اليوم لم تنجحْ كثيراً محاولات التعاطي مع قيم التراث الإسلامي، فقد لاحظنا أنّ آليات التعامل (الفكري والسياسي) الإقصائي والاندماجي مع التراث، فشلت فشلاً كبيراً في وعي التراث من داخله، وعجزت عن إدراك معناه وأهميته الحيوية العملية لجهة قوة نفوذه وشدّة حضوره الشعوري والفكري والتاريخي في تركيبة الفرد المسلم وقوة تمسكه به، فتشدد أصحابها في الرفض والإقصاء ومحاولات القطع معه، أو حتى الاستغراق فيه بكليته مثلما رأينا ونراه لدى جماعات الفكر السلفي بأشكاله وأنواعه العديدة.. بينما لاحظنا أنّ الآلية الثالثة للتعامل معه (والتي لم تجرّب كثيراً رغم ما تحقق فيها من تجديد واستنباط وقراءات وتأويلات وشروحات عقلية وتفسيرات عصرية واقعية) هي الطريقة الأسلم والأضمن والأكثر قدرة على استنطاق هذا التراث وإبراز جمالياته وقيمه الإنسانية، واستنباط أعمق ما فيه من معارف قادرة على دفع المسلم للحضور والعمل في ساحات الإنتاج الرمزي والمادي.. ونعني بها آلية الانفتاح وعدم الاستغراق أو الإقصاء.

إننا نعتقدُ أنّ التراثَ الحضاري الإسلامي لا يمكن أن يُستعاد كله، والعقل النكوصي – الذي حاولَ رموزه ويحاولون فرض رؤيتهم الماضوية على الحاضر والمستقبل، وكأن الإنسان ابن ماضيه لا ابن حاضره ومستقبله - لم ولن ينجح في محاولاته تلك، والدليل على ذلك حالة التخلف الشامل التي تلف المجتمعات والبلدان التي حاولت اتباع تلك السياسات والأساليب، فالأفكار تتطور وتتجدد وتتعصرن ضمن معنى القيم ذاتها.

وبالمقابل أيضاً لم تنجح محاولات العقل الإقصائي العدمي العربي والإسلامي، في فرض القطيعة المعرفية والعملية مع ذلك التراث، وفشل كلياً في اعتماد رؤيته الجذرية التي سعت إلى تجفيف منابع ومواقع هذا التراث بدعوى الانفتاح والدخول إلى العصر وتحديث واقع العرب والمسلمين، ونقل تجربة الغرب إليهم بلا تدقيق ولا تمحيص ولا مساءلة فكرية وسياسية وغيرها، يمكن أن يقوم بها العقل النقدي الإبداعي.

طبعاً، هنا نشير إلى ضرورة أن نميز بين نوعين من التراث، تراث ثابت مقدس هو القرآن الكريم، وتراث متغير نسبي يتمثل في شروحات القرآن وتفسيراته التي قال بها رجال مثلنا، غير مقدسين، لهم ما لهم، وكانت لهم ظروفهم ومكتسباتهم وأوضاعهم، وتحدياتهم المختلفة زماناً ومكاناً عن تحدياتنا وظروفنا وأزمنتنا الراهنة.. كانت لهم آراؤهم واجتهاداتهم التي كانت صحيحة هناك، لكنها اليوم غير ملائمة لتطورات وجودنا وعصرنا وحياتنا.. مع ما كان لها من أهمية في أزمان ماضية، ولكنها قد تشكل اليوم عبئاً ثقيلاً على حياة الفرد المسلم وهو يصارع حياته وبيئته للوصول إلى تحقيق العيش الآمن المستقر والسعيد.

إن التراث قيمة كبرى، فيه المعارف والثقافات والتقاليد والنصوص المعرفية والدينية الكبرى، بما يعني أنه منبع معرفي ضخم جداً، لا بد من إقامة علاقة تفاعلية نقدية معه تكون متحررة من المسبقات الفكرية والحمولات السياسية والانحيازات الأيديولوجية، وبعيدة عن الأحكام القطعية سواء العلمانية منها أم الدينية.. فالتراث يقرأ من داخله بوعي ومسؤولية وعقلانية، وقد لاحظنا من خلال قراءاتنا وجود كثير من مشاريع الفكرية النهضوية التي دلت بدلوها في منابع هذا التراث في محاولة منها لإعادة تناوله ومعالجته من منطلقات عقلية وعلمية، وبعضها كان تناوله من منطلق أيديولوجي سياسي بحت.. والأمر هنا لا ينطبق فقط – كما نشير دوماً - على كثير من مواقع التيار الفكري والسياسي العلماني بل ينسحب إلى التيارات الفكرية والسياسية الإسلامية التي كانت كثير من قراءاتها لهذا التراث ذات نزعة هوياتية انغلاقية، تكرّس رفض الآخر، وتحارب الانفتاح على العصر والحياة.

إننا نتصور أن الخطاب الأساس لقراءة التراث الإسلامي هو خطاب العقل والتأويل العقلي، فالعقل يحكم بما حكم به الشرع، والشرع يحكم بما حكم به العقل.. والله تعالى كرّم الإنسان بالعقل وبكل ما يمكن أن يقوم به من مهام نوعية، من تحليل وتفكيك واستنباط وغيره.. وهذه المهام والعمليات العقلية تتحرك على طريق التأويل وفق حاجات العصر الراهنة، وما فيه من ضرورات العيش البشري.

وهذه الثمار العملية النوعية للعقل الاجتهادي الاستنباطي التأويلي هي التي تحول التراث من كونه إرثاً ماضوياً رجعياً متخلفاً لا يمكن الرهان عليه حاضراً أو مستقبلاً –بحسب قراءة التيار الإقصائي العلماني بمختلف فروعه وجماعاته وانتماءاته - إلى منبع ثري للقيم والروحية الإنسانية.

.. أخيراً نؤكد على أننا عندما ننتقدُ مواقعَ التّراث في الفكر والمعرفة، لا يعني أننا ننتقدُ الاسلامَ كدين ورسالة إنسانية، يجبُ أن نجهدَ في مقاربتها عقلياً وتجديد نصوصها وتأويلها عصرياً وواقعياً لصالح تفعيل وجود الإنسان المسلم في هذا العصر وكل العصور اللاحقة، وتمكين حضوره حضوراً نوعياً منتجاً وفاعلاً.. فنحن نحترمُ ديننا وحضارتنا، وقد كانَ لها أيام وأيام، أغنت وأثرت وأضافت كرأسمال رمزي وكلامي وعقدي وغيره.. لكن اليوم لا نستطيع أنْ نتجّمل وسلوكياتنا قبيحة، ووعينا ارتكاسي، وأمراضنا كثيرة، ومعاناة ناسنا لا تطاق قهراً وتخلفاً وظلماً وعدواناً.. فالنقد والمساءلة العقلية أولى وأهم وأكثر ضرورة وحيوية لبقاء هذا التراث نبعاً فياضاً للقيم الإنسانية الإسلامية النبيلة.

نبيل علي صالح