مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

هل تحملُ الكلماتُ أفكارَ أصحابِها أم الأفكار تحمِلُهم؟!

غسان عبد الله

هامش ثقافي

هل تحملُ الكلماتُ أفكارَ أصحابِها أم الأفكار تحمِلُهم؟!

ثمة حكمة مفيدة للفيلسوف الصيني القديم "شوانغ تزو" تقول بالحرف: "مهمة الكلمات أن تحمل أفكاراً، وحين يتم استيعاب الفكرة تنسى الكلمات...". 

أقف أمام هذه الحكمة متسائلاً: تُرى كم من الكلمات التي قيلت عبر التاريخ البشري ولم يؤخذ بها، لربما كانت حاضنة لأفكار تستحق أن يؤخذ بها؟!.. كذلك، تُرى كم من الكلمات التي قيلت ولم تكن حاضنةً لأية فكرة ومع هذا أُخِذَ بها لاعتبارات ذاتية على سبيل المثال ولم تعطِ ثمراً طيباً؟.

في التاريخ البشري أكداسٌ من الكلمات، لو أنها كانت قابلةً للنَّخل لتبيّن للقارئِ أن العديدَ منها كان يجب ألا يُنطق بها لعدم فائدتها، ولتبيّن لهُ كذلك أن العديدَ منها لم تلقَ آذاناً صاغية فذهبت عبثاً أدراج الرياح.

يتّضح لنا ذلك من خلالِ قراءةِ ما يُعرف بالأقوالِ المأثورة، وفي مقدِّمة ما يمكنني استعارته في هذا السياق قول الفيلسوف الألماني الشهير غوته: "الرجل العنيد لا يحمل أفكاراً، بل أفكاره هي التي تحمله".

وبعودتنا إلى وقائع القرون والسنوات التي خلت، نلاحظ أن التشبّث بالكلمات، لمجرّد عادة التشبُّث، غالباً ما يؤدي إلى الانحراف عن جادةِ الصواب، وخصوصاً في الحالات التي لا يقيمُ المتحدِّثُ فيها للآخرِ وزناً، كما هو حالُ هذا الآخر أيضاً في حالة ردِّ الفعل.

ومن هنا يكون التشبُّثُ بالكلماتِ رديفَ العناد في التعامل بين الناس، وخصوصاً الذين لا يحترمون حقوق الآخرين في التعبير عن آرائهم حول قضية ما يجري طرحها على بساط المناقشة لسبب أو لآخر.

إن التشبث بالكلمات بفعل العناد يعني عدم تنحّي المتحدث عن موقفه حتى في حال تبيّن له أنه على خطأ أو كان على خطأ. ولهذه الاعتبارات غالباً ما تولد الشرارة بين المتحاورين وصولاً إلى درجة الاشتعال.

في عالمنا اليوم، كما هو في عالم الأمس القريب أو البعيدِ نسبياً، العديدُ من الأمثلة عن الأفكار التي حَمَلَت أصحابها ولم يكونوا قادرين على حَمْلِها. ومن هنا مصدر الكذب حتى على الذات. وليس صحيحاً أن الكلمات التي تحملُ أفكاراً يمكن أن تندرجَ تحت ما يسمّى بِزلّات اللسانِ وتكون حقاً مقنعةً بأنها كذلك، وخصوصاً عندما تصدرُ عن أناسٍ في مستوياتٍ رفيعةٍ في مجتمعاتهم. وفي المقابل أيضاً ليس صحيحاً القول بأن الكلمات حين تُختارُ بدقةٍ وبعنايةٍ لا تحمل أفكاراً وبالتالي يمكن أن تضلَّ طريقَها إلى سمعِ الآخرين.

إن أقوالاً وكلماتٍ وَرَدَت على ألسنةِ المشاهيرِ من رجالِ الفكرِ على مدى التاريخِ الطويلِ، وتركتْ بصمتَها في ذاكرةِ القارئِ أو المستمعِ، ليس عبثاً أن تبقى عالقةً في الذاكرةِ البشريّة إلى قرونٍ وسنواتٍ آتية، لو لم تكن جديرةً بأن تحمل أفكاراً، وإنْ تكن قليلة العدد نسبياً قياساً على عددِ الكلمات التي قيلت في مناسباتٍ استدعتْ خدمةَ المصالح.

في مجالِ خدمةِ المصالح، سواءٌ على مستوى الأفرادِ أو الدُّول، ثمةَ ما لا يُعدُّ ولا يُحصى من الكلماتِ التي عَنَت شيئاً وجاءت ترجمتُها على أرضِ الواقعِ عكس ما عَنَتْه. ولهذا الاعتبار غالباً ما اصطبغت قرونٌ وسنواتٌ طويلةٌ عاشها الإنسانُ يعاني من تَبِعاتِ الكَذِبِ وتشويهِ الحقائقِ بصبغةِ الخداع.

وفي عصرِنا الحالي، البراهينُ لا تُعدُّ عن معاناةِ بلادنا العربيةِ في الشرق الأوسطِ من تَبِعاتِ الكلماتِ المعسولةِ تلك التي كشَفَتِ الأيامُ أنها لم تكن معسولةً بل كانت كالسُّم في الدَّسم، ذلك لأنها لم تكن تحملُ أفكارَ أصحابِها بل الأفكار كانت تحمِلُهم، ولهذا كان سقوطُهم في التجربة.

غسان عبد الله