مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية للتجمع: أمريكا عبر سفيرتها في لبنان تقوم بالتدخل بالقضايا التفصيلية وشؤون القضاء وتعمل على فبركة ملفات واتهامات وهذا خرق للأعراف الديبلوماسية

العدد رقم 303 التاريخ: 2021-09-24

بانتظار الأفعال.. حكومة طالبان الأولى.. لا اعتراف دولي

ابتسام الشامي

بانتظار الأفعال.. حكومة طالبان الأولى.. لا اعتراف دولي

على مسافة أسبوع من انسحاب القوات الأمريكية ومعها قوات حلف الناتو من أفغانستان، كشفت حركة طالبان النقاب عن الحكومة التي اختارتها لإدارة البلاد في المرحلة القادمة..

ولئن جاءت التشكيلة من حيث الانتماء السياسي والعرقي لأعضائها مغايرة لوعود الحركة بحكومة جامعة لا تستثني المكوّنات الأخرى، فإن المواقف الدولية منها تفاوتت بين الإعراب عن القلق إزاءها ومدّ اليد للتعاون معها.

حكومة طالبان: الحرس القديم أولاً

لم تطابق حكومة حركة طالبان المعلنة يوم الثلثاء الماضي مواصفات الحركة نفسها للحكومة الأولى بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، فقد غابت عن حكومة "تصريف الأعمال" ألوان الطيف السياسي والعرقي الذي تتكون منه الفسيفساء الأفغانية، لمصلحة أبناء الحركة سواء الوجوه الجديدة التي تتصدر المشهد ديبلوماسياً وعسكرياً في هذه المرحلة، أو تلك القديمة من جيل المؤسسين، وبينهم شخصيات سبق للأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية أن وضعتها على ما يسمى "القوائم السوداء"، الأمر الذي طرح علامات استفهام حول الرسائل السياسية التي حملتها حكومة التسعة وعشرين وزيراً برئاسة الملا محمد حسن أخوند، المستشار السياسي السابق لمؤسس الحركة الملا محمد عمر، والمتهم على المستوى الدولي بالوقوف خلف عملية تدمير تمثالي بوذا العملاقين في باميان وسط البلاد عام 2001.

على أن أخوند ليس الشخصية الوحيدة المثيرة للتساؤلات في هذه الحكومة، وإنما يشاطره في ذلك وزير الداخلية "سراج الدين حقاني"، وهو نجل مؤسس شبكة حقاني "المصنفة من قبل الولايات المتحدة منظمة إرهابية"، وقد سبق لها أن خصصت جائزة مالية بملايين الدولارات مقابل أي معلومة تقود إلى اعتقاله، وفي حين عهد بوزارة الدفاع إلى الملا يعقوب، نجل مؤسس "طالبان" الملا عمر، حظي الجيل المؤسس أيضاً بمنصب نائب رئيس الحكومة الذي اختير لشغله الملا عبد الغني برادر، الذي سبق لواشنطن أن ضغطت على باكستان للإفراج عنه عام 2014، ليكون شريكاً في المفاوضات التي أجرتها مع الحركة للخروج من أفغانستان.

مواقف دولية حذرة

الوجوه التي اختارتها حركة طالبان لحكومتها الأولى بعد الانسحاب الأمريكي، وغياب تمثيل القوى السياسية الأخرى، كان لها تأثيرها في صياغة المواقف الدولية من الحكومة، وأفق التعامل معها مستقبلاً. وفي هذا السياق، سارعت الولايات المتحدة إلى الإعراب عن قلقها، من عدم التزام طالبان بوعودها بشأن التمثيل السياسي داخل الحكومة من دون أن تعتبر ذلك سبباً لمقاطعتها. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية "نلاحظ أن قائمة الأسماء التي أُعلنت تتكوّن حصراً من أفراد ينتمون إلى طالبان أو شركاء مقرّبين منهم، ولا تضم أي امرأة. نحن نشعر بالقلق أيضاً إزاء انتماءات بعض الأفراد وسوابقهم"، قبل أن يستدرك بالقول "ندرك أن طالبان قدمت هذه التشكيلة على أنها حكومة انتقالية. ومع ذلك، فإننا سنحكم على طالبان من خلال أفعالها وليس من خلال أقوالها".

بدوره انتقد الاتحاد الأوروبي الحكومة التي شكلتها طالبان، معتبراً أنها ليست "شاملة" ولا "تمثيلية" للتنوع الإثني والديني في البلاد.

وقال ناطق باسم الاتحاد الأوروبي في بيان "لا يبدو أن التشكيلة الحكومية شاملة وتمثيلية للتنوع الإثني والديني الغني في أفغانستان الذي كنا نأمل بأن نراه ووعدت به طالبان خلال الأسابيع الأخيرة".

وكذلك أعرب وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، عن قلقه من الحكومة المؤقتة التي شكلتها حركة طالبان في أفغانستان. مؤكداً أن "إعلان حكومة مؤقتة لا تشارك فيها جماعات أخرى، والعنف الذي وقع ضد المتظاهرين والصحفيين في كابول، ليست من الإشارات التي تبعث على التفاؤل". لكنه أضاف أن بلاده على "استعداد لمواصلة الاتصالات مع طالبان، بهدف ضمان السماح لمزيد من الأشخاص بمغادرة البلاد".

الموقف نفسه كرّرته فرنسا حيث أعربت وزارة خارجيتها عن الأسف لكون "الأفعال غير متطابقة مع الأقوال" وذلك تعليقاً على تشكيل الحكومة الأفغانية المؤقتة التي تضم حرس طالبان القديم وتغيب عنها النساء خلافاً لتعهد النظام بالانفتاح. ورأت باريس أن الحكومة لم "تلبِ متطلبات المجتمع الدولي".

وفي سياقٍ متصل جاء الموقف الروسي حكومة طالبان على لسان المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، الذي صرَّح بأن" روسيا لم تضع بعد أي خطط لإجراء محادثات مع الحكومة الأفغانية الجديدة لكنها ستراقب عن كثب الوضع في البلاد. مؤكداً أن موسكو تحافظ على الاتصالات هناك من خلال السفارة في كابول، "الأمر الضروري لضمان سلامة دبلوماسيينا وحلّ المشكلات الفنية الأخرى". وأضاف: "مثل معظم الدول الأخرى، ستراقب روسيا عن كثب الخطوات التي ستتخذها الحكومة الجديدة".

.. وأخرى مرحبة

وبخلاف المواقف الغربية الحذرة، رحبت الصين بالحكومة الجديدة في أفغانستان، ورأى المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية "وانغ ون بين" في مؤتمر صحفي بأن "الإعلان - عن الحكومة - أنهى أكثر من ثلاثة أسابيع من الفوضى في أفغانستان ويعد خطوة ضرورية نحو استعادة النظام في البلاد وإعادة الإعمار بعد الحرب". وقال وانغ إن موقف الصين بشأن القضية الأفغانية ثابت وواضح، مضيفاً أن بلاده "تتمسك بسياسة عدم التدخل، وتحترم استقلال سيادة أفغانستان ووحدة وسلامة أراضيها، وتدعم الشعب الأفغاني في اختيار مسار التنمية الذي يناسب ظروفه الوطنية". وأعرب المسؤول الصيني عن أمل "بكين" في أن "تبني أفغانستان إطاراً سياسياً عريضاً وشاملاً، وأن تتبنى سياسات داخلية وخارجية معتدلة وحكيمة، وأن تحارب الإرهاب بجميع أنواعه بكل حزم، وأن تقيم علاقات ودية مع جميع الدول، لا سيما دول الجوار". معلنا استعداد بلاده للحفاظ على "التواصل مع الحكومة الأفغانية الجديدة وقادتها"، وأمل في "استيعاب الحكومة الجديدة لآراء المجموعات العرقية والأطراف على نطاق واسع وتلبية تطلعات الشعب الأفغاني، والمجتمع الدولي أيضاً".

ورحّبت أوزبكستان، خلال اجتماع افتراضي ضمَّ نظراءها من الدّول التي لديها حدود مشتركة مع أفغانستان بإعلان حكومة تصريف الأعمال، وأعربت عن أملها في أن "يكون هذا القرار بداية للتوصل إلى توافق وطني واسع، وإحلال سلام واستقرار دائمَين في البلاد".

خاتمة

لم تَحُلْ صفة المؤقتة التي وصمت بها طالبان حكومتها الأولى، دون الانتقادات الدولية الواسعة لها، الأمر الذي حرمها من الاعتراف بها، فغالبية الدول الكبرى آثرت الانتظار حتى تحدد موقفها من التعامل معها، ما يضع طالبان أمام تحدّي ترجمة خطابها "البراغماتي" الذي خاطبت به الخارج مع بداية بسط سيطرتها على البلاد، إلى أفعال في التواصل مع الدّاخل أو الخارج.

ابتسام الشامي