مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع يطالب مجلس القضاء الأعلى بإحالة القاضي البيطار إلى التفتيش القضائي بشبهة الدخول في مؤامرة لضرب السلم الأهلي بالتعاون مع دول خارجية

العدد رقم 306 التاريخ: 2021-10-15

التحديات والفرص للأمن القومي الإسرائيلي

التحديات والفرص للأمن القومي الإسرائيلي

التنافس الاستراتيجي المتعاظم بين إسرائيل وإيران، إلى جانب دخول إدارة أمريكية جديدة، شكلوا التبلورات الرئيسية لنظام الشرق الأوسط خلال العام الماضي.

إلى جانب ذلك، قابلية الساحة الفلسطينية للانفجار في قطاع غزة والضفة الغربية، وتقدم عمليات بناء قوة حزب الله وخصوصاً مشروع "الدقة"، وانتهاء الحرب الأهلية السورية وتمركز الوجود الإيراني والروسي في الدولة، التنافس الإقليمي على موارد الطاقة في الشرق الأوسط، الأزمة الاقتصادية العميقة في لبنان، فيروس الكورونا، الأزمة الاقتصادية الإقليمية المتصاعدة، وعودة تحدي الجهاد العالمي بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان، كل ذلك يوضح مدى التغيير المنهجي في المنطقة، وانعكاساته على الأمن القومي لإسرائيل.

ضمن هذا الإطار، محور المقاومة يستثمر في بناء القوة، وفي تطوير قدرات متطورة (نووي، نيران دقيقة، سايبر وأمور أخرى)، يتجنب في هذه المرحلة من استخدام القوة. مع ذلك، هذا المنطق ليس ثابتاً، فعندما تظهر فرصة إستراتيجية أو مطلوبة لدفع أجندته القومية - الدينية رداً على حدث محدد (القدس، قضية الأسرى، هجوم مستقبلي على لبنان، إلخ)، هذا المحور لا يرتدع عن الرد وحتى التصعيد.

المصممون الاستراتيجيون:

الإدارة الأمريكية الجديدة – تقليص التواجد الاستراتيجي في الشرق الأوسط

إن إعادة تركيز أولوية الأمن القومي الأمريكي، مصحوبة بإحساس متنام بالأزمة في مواجهة التحدي الذي تمثله الصين وروسيا على الهيمنة الأمريكية، زاد حدة في الإدارتين الماضيتين. أدّى احتدام المنافسة على بلورة النظام العالمي إلى تسريع "التوجه إلى شرق آسيا" للإدارة الأمريكية الحالية، وأثّر على سياساتها وأفعالها في الشرق الأوسط.

وضمن هذا الإطار، فإن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والذي حظي بدعم الحزبين في واشنطن، قد عكس أولاً وقبل كل شيء عن رغبة الإدارة في التركيز على التهديدات الاستراتيجية الرئيسية على أمنها القومي. في المقابل، يُنظر إلى الانسحاب في الشرق الأوسط على أنه "انتصار للمقاومة، وصمود حازم" ضد الإمبريالية الأمريكية، وقد يؤدي إلى زيادة ضغط إيران وداعش على القوات الأمريكية في العراق وسوريا من أجل الإسراع في خروجهم من المنطقة. سيُطلب من الإدارة الأمريكية إعادة تقييم الضمانات الأمنية لحلفائها الإقليميين، وبلورة سياسة متوازنة تتنقل بين التركيز على المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا، والاستمرار في الاستثمار في الشرق الأوسط، مع كبح سياسات إيران التخريبية والمقوضة في المنطقة.

في المقابل، وكجزء من السياسات العامة المستمدة من هذه النظرية، تسعى الإدارة الأمريكية إلى العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران الذي تعتبره مصلحة استراتيجية حيوية الذي سيسمح في مفهومها بإعادةِ التوازن بين التزامِ واشنطن باستقرار والأمن الإقليمي، والحاجةِ الى التوجُّه لمعالجةِ المسائلِ الداخليةِ المشتعلةِ (الاقتصاد، كورونا)، والمنافسة المتعاظمةِ مقابل الصين وروسيا.

تصريح الرئيس بايدن أمام رئيس الحكومة الإسرائيلية بينت في البيت الأبيض بأنه لن يكون لإيران سلاحاً نووية خلال فترة ولايته، لا يعّبر عن التزام أمريكي لمنع إيران من تطوير قدرات نووية أو تحوّلها إلى قوّة نووية، بل يركّز على تعبيرٍ محدّد وضيّقٍ يتعلّق بتطوير السلاح النووي. في هذه المرحلة إيران التي تحلل جيداً الاستراتيجية الأمريكية، ليست في عجلة من أمرها للعودة إلى الاتفاق النووي، وتعمل على تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة يمكن أن تكون بمثابة أوراق مساومة في المفاوضات المستقبلية، وجعلها دولة على عتبة نووية.

في هذا السياقِ العام، تحتاج إسرائيل إلى ترسيخِ التزامِ الولايات المتحدة بأمن إسرائيل من خلال تشديد التعاون الاستراتيجي، والحفاظ على التفوق النوعي، وضمان دعم عمليات بناء القوة العسكرية. يجب على إسرائيل أن تحاول التأثير على مفاوضات فيينا وصياغة الاتفاقية من خلال العمل مع الإدارة وليس ضدها، وفهم الأولويات القومية الأمريكية، والأثمان المحتملة للعلاقات بين الدولتين في سيناريو معارضة إسرائيلية علنية لخطوات واشنطن. في الوقت نفسه، تعزِّز الخطوة الأمريكية أصول إسرائيل في دول الخليج، مصر والأردن في المعركة على كبح النفوذ الإقليمي الإيراني، ويشكل إمكانية على تعميق التعاون الإقليمي.

ب. التنافس الاستراتيجي بين إسرائيل وإيران يحتدم

حصل في السنة الأخيرة تصعيداً متدرجاً في الاحتكاك بين إسرائيل وإيران، على خلفية إصرار إيران على مساعيها للتأثير والتمركز في المنطقة (العراق، اليمن، سوريا، لبنان)، شد الحبل الواضح في المنطقة، الساحة البحرية، التصارع العلني في الساحة البحرية، والارتقاء درجة في النووي التي أوصلت طهران إلى عتبة إشكالية للقدس والنظام الدولي. إسرائيل في المقابل، بلورة مع واشنطن هيكلة إقليمية لكبح وردع إيران (الاتفاقيات الابراهيمية)، وعلمت في المعركة بين الحروب في الساحة السورية لتقليص التمركز الإيراني، ووفقاً لمصادر أجنبية، فإن النشاط السري في إيران نفسها أدى إلى تباطؤ التقدم النووي.

 وعلى ضوء الارتقاء درجة في التنافس الاستراتيجي، وبالاحتكاك العسكري بين الدولتين، يجب على إسرائيل تطوير استراتيجية تسمح لها بحد الاحتكاك بالساحات التي تتمتع فيها بتفوق عسكري، وفي المقابل قيادة معركة دبلوماسية لعدم شرعية النشاطات الإيرانية في الشرق الأوسط بهدف جَبْي ثمن سياسي واقتصادي من النظام الإيراني. إن الجمع بين استخدام الأدوات العسكرية في ساحات محددة مع الاستثمار المكثف في بناء قوة عسكرية مخصصة للدائرة الثالثة، إلى جانب اعتماد الدبلوماسية العدوانية على الساحة الدولية، سيعزز فعالية الردع الإسرائيلي، ويعزز القدس أمام حلفائها الإقليميين.

ج. إيران تتقدم في النووي

الولايات المتحدة مصممة على العودة إلى الخطوط العريضة للاتفاق النووي، بدعم من القوى العظمى والمجتمع الدولي، على الرغم من تحركات إيران في المنطقة. إيران، من جانبها، تعمل على توسيع مشروعها النووي بالتوازي مع المفاوضات المتعثرة في فيينا، والاستفادة من التقدم التكنولوجي على الأرض لتحقيق المزيد من الإنجازات. على هذه الخلفية، تقدم برنامج تطوير الأسلحة النووية الإيرانية بخطوات مهمة تقربه من بضعة أشهر من تجميع جهاز متفجر نووي.

يعتمد التقدم في هذه المرحلة على قرار المرشد الأعلى وليس على التقدم التكنولوجي الذي تم تحقيقه بالفعل في معظم المسائل المطلوبة. القضية التي لم تنته بعد على ما يبدو هي تغليف العبوة الناسفة بوسائل الإطلاق العسكرية.

من المحتمل أنه حتى لو أثمرت الإجراءات الدبلوماسية، أي المناقشات حول تجديد الاتّفاقية بين القوى وإيران (خطة العمل الشاملة المشتركة)، فلن تعود إيران إلى الوضع الذي كان قائماً في عام 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاقية. ستحتفظ طهران بجميع التقنيات والمعرفة المطلوبة لمواصلة المشروع، إذا تم اتخاذ القرار للقيام بذلك. ذا وافقت إيران على تفكيك مخزونات اليورانيوم المخصب بدرجات متفاوتة، فستكون قادرة على استكمال هذا التراكم، بمساعدة أنظمة التخصيب المتقدمة التي طورتها، في وقت قصير.

يجب أن تتخلى إيران عن مجالين مهمين لكي تقلل أنشطة القوى العظمى من إنجازات إيران: الإشراف الدقيق على جميع القضايا الحساسة للتطوير النووي وخصوصاً مسار تطوير الأجهزة المتفجرة النووية، والجداول الزمنية في الاتفاقية الحالية التي تتطلب تمديداً كبيراً حتى لا يتمكن الإيرانيون، تحت رعاية الاتفاقية، من الاستمرار في تطوير مشروع الأسلحة النووية.

إيران كدولة نووية، أو حتى دولة حافة نووية، تشكل تهديدا من الدرجة الأولى للأمن القومي الإسرائيلي. الوضع الوحيد الذي يمكن فيه تجنب أزمة عسكرية مع إيران هو إذا وافقت على التخلي عن التطوير النووي العسكري، تحت إشراف شامل لفترة طويلة، ومعقولية هذا الأمر منخفضة.

بناء على ذلك، يجب على إسرائيل تطوير تهديد عسكري موثوق به لتعزيز الردع ضد إيران، والضغط لكي يحدد في الجولة المقبلة من المحادثات في فيينا هدف الوقف الكامل لتطوير التكنولوجيا النووية، مع توضيح أن "جميع الخيارات بالنسبة للقدس مطروحة على الطاولة". يجب أن تعمل إسرائيل أيضاً على تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وتقوية التعاون الأمني العسكري، وهو أمر ضروري للحفاظ على القدرات العملياتية لإسرائيل وتعزيزها. في الوقت نفسه، يجب على القدس أن تؤكد في واشنطن وعواصم أوروبا أن إيران النووية تشكل تهديداً استراتيجياً له تداعيات بعيدة المدى على الأمن والاستقرار العالميين. على سبيل المثال، من المرجح أن يؤدي التقدم النووي الإيراني إلى سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، وإلى تقويض الوضع الراهن الدولي بشأن انتشار القدرات النووية العسكرية.

د. الساحة الفلسطينية: الضفة الغربية كفرصة استراتيجية الى جانب التحدي المتزايد من غزة

اتّسم العام الماضي باستمرارية الواقع الاستراتيجي في الضفة الغربية مقابل تغيير سلبي وتفاقم التهديدات في ساحة قطاع غزة. وهكذا، بينما في الضفة الغربية فإن الصيغة الأساسية التي مكنت إسرائيل من الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي لأكثر من عقد – أي الحفاظ على الواقع المدني وتحسينه كأساس للتهدئة الأمنية، بطريقة تمنع تعبئة جماهيرية واسعة للنضال ضد إسرائيل - بعد كل شيء، هناك جهود مستمرة من قبل حماس في قطاع غزة لتغيير قواعد المعادلة واللعبة ضد إسرائيل والحفاظ على اضطرابات دائمة بوسائل عنيفة تزيد من احتمالية تطور التصعيد في هذه الساحة.

برز أمر خاص خلال عملية "حارس الاسوار"، حيث للمرة الأولى اتخذت حماس المبادرة الهجومية، وذلك على خلفية الاحتكاك وفي القدس ومن دون مواجهة مسبقة في القطاع.  وهذا يدعو إلى التشكيك في عقيدة الترتيبات التي تحاول إسرائيل الدفع نحوها في السنوات الأخيرة تجاه حماس، ويوضح أن السنوار محق في تعزيز أهدافه الأيديولوجية، منتهكاً الترتيبات (بأسلوب "التجربة والخطأ")، وافتراضه أنه يمكن العودة إلى واقع ما قبل العمليات للحصول على تنازلات كبيرة، وخصوصاً فيما يتعلق بقضية الأسرى والمفقودين.

في نظرة الى المستقبل - يتطلب الواقع المعقد من إسرائيل أن تواصل بل وتعزز سياستها الحالية تجاه الضفة الغربية، والتي ثبت أنها فعالة في مواجهة العديد من الأزمات (بما في ذلك "حارس الاسوار ") وقد تستمر فعاليتها حتى في "اليوم التالي" لأبو مازن. في هذا السياق، من الضروري الاستمرار في تحسين النسيج المدني للحياة في الضفة وتعزيز التنسيق السياسي والأمني مع السلطة الفلسطينية، وكل هذا حتى لو لم يحدث اختراق على المستوى السياسي. كل هذه الأمور قد تسمح بالاستقرار الاستراتيجي في الضفة الغربية على المدى القريب والمتوسط، لكنها ليست بديلاً عن الاتفاق الدائم في الضفة الغربية، بشكل خاص الاتفاق الذي يرتكز على الفصل بين إسرائيل والفلسطينيين، سيناريو عملياً يبتعد على ضوء الاندماج الديمغرافي والجغرافي في الضفة الأمر الذي يقرب الطرفين إلى واقع الدولة الواحدة.

بالنسبة لقطاع غزة تُنصح إسرائيل من التحرر من النموذج الذي تم تأسيسه في السنوات الأخيرة من الترتيبات بالظروف الحالية. لا يبدو أن هذا ينتج سلاماً طويل الأمد، وبدلاً من ذلك يتسم بجهود حماس المستمرة للحفاظ على الاحتكاك عند عتبة أقل من عملية واسعة من خلال تقدير أنه بهذه الطريقة سيكون من الممكن انتزاع إنجازات مدنية كبيرة من إسرائيل. لا يتوقع أن يتغير هذا النمط بسلوك السنوار، الأمر الذي يتطلب من إسرائيل الاستعداد لسيناريو عملية ضد حماس، ربما في المستقبل القريب. في هذا السياق، يوصى بتصحيح الثغرات التي نشأت خلال عملية "حراس الاسوار"، بما في ذلك اتخاذ إسرائيل مبادرة هجومية وإلحاق أضرار جسيمة بقيادة حماس والتمسك بالمواقف المتشددة في بلورة الترتيبات المستقبلية التي لا يجب أن تتلاشى، كما حدث بعد عملية "حارس الاسوار" بشكل يضر بصورة الردع الإسرائيلي.

ه. تغييرات دراماتيكية في المجتمع العربي في إسرائيل

جسّد العام الماضي تغييرات جذرية في المجتمع العربي في إسرائيل فيما يتعلق بالأمن القومي لإسرائيل. انعكس هذا في أحداث أيار (في ظل عملية حراس الاسوار) التي عكست احتكاكاً عنيفاً غير مسبوق بين اليهود والعرب في البلاد (خاصة من قبل العناصر العربية) وإلهاماً غير مسبوق من الأحداث في المعركة الفلسطينية حول ما يحدث في المجتمع العربي في اسرائيل. وذلك إلى جانب التفاقم المستمر في الجريمة والعنف في المجتمع العربي الذي يعكس فقدان الحكم المتزايد للدولة في جزء بارز من المجتمع العربي (بشكل خاص في الجنوب)، الى جانب تهديد انزلاق العنف على خلفية جنائية في المجتمع العربي الى عنف على خلفية أمنية تتجاوز الجمهور العربي (براعم ذلك ظهرت في أحداث أيار). في السياق الداخلي، تعكس ظاهرة العنف مشاكل أساسية تتعلق بانفصال جيل الشباب العربي في إسرائيل وفقدان عميق لتأثير القيادة السياسية والشعبية العربية.

ما يحدث في المجتمع العربي تحول بهذه الطريقة الى تحدي استراتيجي من الدرجة الأولى – والذي كما ذكرنا لم يكن موجودا في السابق بالحجم الحالي – يستوجب رداً متعدد الأبعاد. من جانب مطلوب من الدولة تبني مسعى واسع النطاق في مجال فرض القانون والنظام، بشكل خاص في محاربة العصابات الاجرامية والوسائل القتالية في المجتمع العربي، ومن جانب آخر، معالجة الضائقة الأهلية العميقة التي تشكل "بيضة" يتطور على أساسها جزء كبير من المشاكل الحادة لدى الجمهور العربي.  ضمن هذا الاطار المطلوب الى جانب توسيع الموازنة لصالح الجمهور العربي، من الضروري أيضاً تعزيز المشاريع التي تهدف إلى تحسين أوضاع جيل الشباب (بما في ذلك مشاريع الخدمة المدنية التي يشارك فيها جزء كبير من الجمهور العربي)، تحسين ظروف الائتمان في الجمهور العربي (الذي يشكل مصدر أساسي لنشاطات "السوق الرمادي" وسطه اليوم)، الى جانب مسعى مستمر لتحسين العلاقة المشحونة بين الجمهور العربي والشرطة وبل توسيع اندماج العرب فيها.

و. سنة على "الاتفاقيات الابراهيمية" – تحالف صعب لكنه متين

لا يزال التهديد الإيراني هو العامل المُوحِّد في "اتفاقات إبراهيم" الموقعة في آب 2020 بين إسرائيل والإمارات والبحرين والسودان والمغرب. كجزء من هذا، في العام الماضي، كانت هناك قفزة تاريخية في العلاقات الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، تم التعبير عنها في تعاون اقتصادي - مدني - ثقافي غير مسبوق، واستعداد لمواصلة تعميق العلاقات الثنائية بين الدول. المملكة العربية السعودية من جانبها، وعلى الرغم من التعاون الاستراتيجي الوثيق الذي يجري مع إسرائيل والولايات المتحدة، ليست مستعدة في هذه المرحلة لدفع العلاقات إلى المرحلة التالية.

تخشى دول الخليج من أن فعالية الردع مقابل إيران تضررت على ضوء الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، التي تضع علامة استفهام على التزام واشنطن بأمنهم. وبالتالي، فإن الانسحاب العسكري الأمريكي المتسرع من أفغانستان، والخوف من حدوث سيناريو مماثل في العراق وسوريا، يؤدي أيضاً إلى صياغة استراتيجية براغماتية من قبل دول الخليج تجاه إيران.

ضمن هذا الإطار، قمة بغداد في شهر آب الماضي بهدف تخفيف التوترات الإقليمية وتعزيز التعاون أظهرت حركة دول الخليج للحوار مع إيران، على الرغم من التنافس العميق وانعدام الثقة الكامن الذي لا يزال سائداً بين الطرفين. وهكذا اجتمع في القمة قادة العراق ومصر والأردن وقطر وفرنسا ورؤساء وزراء الإمارات العربية المتحدة والكويت ووزراء خارجية تركيا وإيران والسعودية لأول مرة وبحثوا قضايا الأمن الإقليمي، الطاقة والمناخ.  هذا الاتجاه، في حال تسارع، يمكن أن يصدع العلاقات الأمنية والثنائية التي أقيمت بين إسرائيل ودول الخليج، وقدرة القدس على إنشاء محور إقليمي فعال لبث القوة وكبح إيران وردعها.

في نظرة إلى الأمام، يجب أن تعمل إسرائيل على ترسيخ التزام إدارة بايدن بالاتفاقات الإبراهيمية، والاستفادة من علاقتها الخاصة مع واشنطن لتعزيز دعم البيت الأبيض لدول الخليج، مصر والأردن على المستوى الأمني والسياسي. في الوقت نفسه، تحتاج إسرائيل إلى تعميق تعاونها الاستراتيجي مع دول الخليج، وخاصة مع السعودية والإمارات، من أجل إقامة نظام إقليمي لكبح النفوذ الإيراني. ما تملكه (الأصول) اسرائيل تجاه واشنطن، إلى جانب إقامة تعاون أمني واقتصادي فاعل، ستمكن من الحفاظ على الإنجاز السياسي الذي يظهر في توقيع الاتفاقيات، وكذلك تطويرها وتوسيعها مع وضع ثقل مضاد للاستراتيجية الإيرانية. في الدائرة الأولى، يجب على إسرائيل العمل على تعميق العلاقات الاستراتيجية مع مصر والأردن على ضوء التحديات المشتركة المتزايدة. استقرار مصر والأردن يشكل مصلحة استراتيجية لإسرائيل، ويلزم تعزيز الجوانب "الضعيفة" للتعاون (مياه وتكنولوجية تحلية المياه، الزراعة، الطاقة وأمور أخرى)، وليس فقط الجوانب الأمنية – العسكرية، على الرغم من حقيقة أن التقدم نحو التطبيع منخفض.

ز. الانهيار في لبنان وتعاظم قوة حزب الله

تعمل الأزمة السياسية والاقتصادية متعددة الأبعاد في لبنان على تسريع عمليات تفكك الدولة، وإبراز الخلل الوظيفي للوزارات الحكومية، وفقدان الحوكمة، والأضرار الجسيمة التي تلحق بنوعية حياة المواطنين (الكهرباء، ونقص المنتجات الأساسية والأدوية، وتزايد الفقر وأمور أخرى). في ظل هذه الظروف القاسية، يعمل حزب الله المدعوم من إيران على ترسيخ وتوسيع قبضته على البلاد، من خلال تدفق المساعدات الإنسانية وإمدادات الطاقة (النفط).

التدهور الشامل لم يمنع إيران وحزب الله من المواصلة والإسراع في خطوات بناء القوة العسكرية، وبشكل خاص مشروع الصواريخ الدقيقة من أجل التأسيس لمعادلة ردع مقابل إسرائيل، وتعزيز الجاهزية للمعركة المقبلة.

بناءً على ذلك، يجب على إسرائيل كبح عملية تعاظم القوة في لبنان، حتى لو بثمن تحمل مخاطر المعركة بين الحروب في سوريا. عملية حازمة من شأنها أن توضح لنظام الأسد ثمن دعم حزب الله ودق إسفيناً بين المصلحة السورية (إعادة إعمار الدولة) والمصلحة الإيرانية (بناء القوة ونقل القدرات)، صحيح أنها سترفع عتبة التوتر وخطر التصعيد، لكن يمكن أن يغير سلوك اللاعب السوري بما يتماشى مع المصلحة الإسرائيلية. في هذا السياق، يشكل التنسيق الاستراتيجي الأمني والسياسي مع روسيا مصلحة حيوية تحتاج إلى تعزيز من أجل الحفاظ على حرية عمل الجيش الإسرائيلي في الميدان.

وبما يتعلق بلبنان، على ضوء الأزمة العميقة وتفكك الدولة، يجب على إسرائيل تحريك المنظومة الإقليمية والدولية لتعزيز القوات المعارضة للنفوذ الإيراني، الأمر الذي يمكن ان يوازن ويقلص من نفوذ طهران المتزايد في الدولة. وبذلك "حزمة مساعدات" تشمل: نقل الغاز والنفط من مصر والأردن، منح وقروض من دول الخليج، مساعدات اقتصادية وعسكرية من الولايات المتحدة وأوروبا، والتي ستكون مشروطة بكبح النفوذ الإيراني في الدولة ووضع قيود على تعاظم قوة حزب الله.

كتب على يد طاقم معهد السياسات والاستراتيجية – هرتسيليا

ترجمة وإعداد: حسن سليمان

إخترنا لكم من العدد