مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع يطالب مجلس القضاء الأعلى بإحالة القاضي البيطار إلى التفتيش القضائي بشبهة الدخول في مؤامرة لضرب السلم الأهلي بالتعاون مع دول خارجية

العدد رقم 306 التاريخ: 2021-10-15

بمناسبة أربعين الإمام الحسين (ع): سماحة الشيخ الدكتور حسان عبد الله: "نحو إخراجِ الخرافاتِ من الخطابِ الحسينيِّ"

الدكتور الشيخ حسان عبد الله

بمناسبة أربعين الإمام الحسين (ع):

سماحة الشيخ الدكتور حسان عبد الله:

"نحو إخراجِ الخرافاتِ من الخطابِ الحسينيِّ"

تحت عنوان: "أربعين الإمام الحسين عليه السلام ومستجدات العالم الإسلامي" أقامت الحوزة العلمية في قم ندوة علمية افتراضية ألقى فيها رئيس الهيئة الإدارية سماحة الشيخ الدكتور حسان عبد الله محاضرة بعنوان: "الأربعين ووحدة العالم الإسلامي".

في البداية شكر سماحته الإخوة في الحوزة العلمية في قم على إتاحة الفرصة للحديث حول ظاهرة أخذت بُعداً مهماً في السنوات الأخيرة حتى تحولت إلى أن تكون محطة سنوية لاجتماع عشرات الملايين من محبي الإمام الحسين وأهل البيت (عليهم السلام) هي زيارة أربعين الإمام الحسين (عليه السلام).

وكانت هذه المحاضرة القيِّمة نعرضها كما هي لأهميَّتها

ابتدأ سماحته بقول الله سبحانه وتعالى:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ {الحج/32}

أردت من خلال الاستهلال بهذه الآية أن أؤكد على أن إحياء أربعين الإمام الحسين(ع) هو تعظيم لشعيرة من شعائر الله كما الحج بمواقعه المختلفة هو إحياء لشعائر الله فلماذا كان إحياء ذكرى الإمام الحسين(ع) شعيرة؟ بالعودة إلى كل ما ورد عن الإمام في مراحل ثورته نجد انه كان يحاول أن يعيد للدين دوره في الحياة ويصلح ما حاول بنو أمية إفساده فالمتعمقَ في خطابِ الإمامِ الحسينِ (ع) قبلَ وأثناءَ المعركةِ يجدُ أن أهدافَ الإمامِ كانتْ واضحةً لا لُبسَ فيها، فهو أعلنَ منذ البدايةِ فقالَ (ع):"وإني لم أخرجْ أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جديَ (ص) أريدُ أن آمُرَ بالمعروفِ وأنهى عن المنكرِ وأسيرَ بسيرةِ جدي وأبي عليٍّ ابن أبي طالبٍ عليه السلام، فمن قبلني بقَبولِ الحقِّ فالله أولى بالحقِّ ومن ردَّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضيَ الله بيني وبين القومِ بالحقِّ وهو خير الحاكمين".

انطلاقاً من هذا الخطابِ واعتماداً عليه نجد أن الإمامَ عليه السلام عمل من خلال ثورته على إحياء شعيرة  الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ وذلك من خلال إحياء أسلوب من أساليب العمل السياسي في داخل الأمة والكيفية التي يُتعامّلُ فيها مع المجتمعِ الإسلاميِّ والحاكمِ الظالمِ ولم نجدْ في هذا التعبيرِ ولا في غيرِهِ ما يَلفِتُ إلى أنّ المسألةَ مسألةٌ مذهبيةٌ أو أن السعيَ كان من أجلِ الوصولِ إلى الحكمِ باعتبارهِ غايةً في أساسِهِ، بل هو وسيلةٌ لتحقيقِ الغايةِ الأسمى التي هي إعلاءُ شأنِ الدينِ الذي جاءَ به محمدٌ بنُ عبدِ الله (ص)، ومنعُ مَنْ يَعملُ على تحريفِهِ عن مضامينِهِ الأصليةِ.

إن الصراعَ الذي حصلَ وقتَها لم يكن  يتعرّضُ لإقناعِ الناسِ بالدينِ وهم مسلمونَ وإنما لمنعِ تسلُّطِ مَنْ لا يستحقُّ الولايةَ عليهم المؤدي حتماً في نهايةِ المطافِ إلى تحريفِ الدينِ عن مضامينِهِ الأساسيةِ خدمةً لمصالحِ الحاكمِ المستبدِ الظالمِ، ولذلك عندما جاءَ الوليدُ بن عُتْبةٍ إلى الإمامِ الحسين(ع) طالباً منه البيعةَ ليزيدٍ، قالَ له: "أيها الأميرُ إنّا أهلُ بيتِ النبوةِ ومعدنُ الرسالةِ ومختلفُ الملائكةِ، بنا فتحَ الله وبنا يختِمُ، ويزيدُ فاسقٌ شاربُ الخمرِ قاتلُ النفسِ المحترمةِ ومعلنٌ للفسقِ، ومثلي لا يبايعُ مثلَه".

إذاً المسألةُ مسألةُ عدمِ جوازِ تسلُّطِ الظالمِ غير الملتزمِ بالإسلامِ على المسلمينَ وحكمِهم باسمِ الإسلامِ، والصراعُ في هذهِ الحالةِ صراعٌ سياسيٌّ يهدفُ للحفاظِ على الدينِ من خلالِ وسائلَ مشروعةٍ وليس مذهبياً يهدفُ الى تغليبِ مذهبٍ على آخرٍ، فإن قلتُ أليستِ المسألةُ تنطلقُ من الدينِ باعتبارِ أن الحكمَ باسمِ الإسلامِ والاعتراضِ والثورة من أجلِ تحقيقِ مفاهيمهِ؟ قلت عندما أقولَ إن الصراعَ سياسيٌّ لا أريدُ من خلالِ ذلك فصل الديني عن السياسي، فلا يوجد في الإسلام فصل على هذا الأساس. وكما قال - المرحوم آية الله السيد حسن المدرس - وكرّره الإمامُ الخمينيُّ (قُدِّسَ سِرّهُ): (سياستُنا عينُ ديننِا ودينُنا عينُ سياستِنا).

في الخلاصةِ نصلُ إلى أنَّ الإمامَ الحسينِ(ع) عندما ثارَ على يزيدٍ فإن ثورتَهُ كانت إصلاحيةً من داخلِ الأمةِ على مَنْ هُم جزءٌ منها لكنهم قد سيطروا على مقاليدِ الحكمِ بغيرِ وجهِ الحقِّ وعملوا على تحريفِ مبادئِ الإسلامِ عن معانيها الأساسيةِ لمصلحةِ بقائهم في الحكمِ، فقامَ الإمامُ بثورتِهِ ليعيدَ المعالمَ المضيعةَ من الدينِ ويقَّومَ الاعوجاجَ الحاصلَ ومِنْ ضُمنِ وحدةِ الأمةِ لا انطلاقاً من تقسيمِها على أساسٍ مذهبيٍّ أو طائفيٍّ.

ولذلك نجد أنّ ممن كانَ مع الإمامِ الحسين (ع) من هو عثمانيُّ الهوى كزهيرٍ بن القينِ أو مسيحياً كجَونٍ بن حوى مما يعني أن المسألةَ المذهبيةَ أو الطائفيةَ لم تكن موجودةً، بل إن الخلافَ الحاصلَ كان خلافاً سياسياً، وعليه فإن إرجاعَ الموضوعِ إلى عنوانٍ مذهبيٍّ هو خروجٌ عن الأهدافِ الساميةِ لثورةِ الإمامِ الحسينِ (ع) بل هو تحريفٌ لها، مع التأكيدِ أن العنوانَ المذهبيَّ المتداوَلَ اليومَ لم يكن متداولاً وقتها، بل هو أتى بعد عشراتِ السنين.

وبالخلاصة فإن التعامل مع ثورة الإمام الحسين (ع) باعتبارها شعيرة من شعائر الإسلام يخرجها من الإطار المذهبي إلى رحاب الإسلام بكل معانيه وتكون طريقا لوحدة العالم الإسلامي من خلال لقاء المسلمين جميعاً بل الأحرار جميعاً على صعيد كربلاء في الأربعين لإحياء معالم الدين الإسلامي بنصرة الحق ومقارعة الباطل لتكون فعلا كل ارض كربلاء وكل يوم عاشوراء كما إن هذا الأمر سيحول هذه الواقعة إلى حشد اسلامي عالمي كما الحج ليعلن مرة أخرى البراءة من الحكام الظالمين كما نعلن في الحج البراءة من المشركين وليكون ما أعلنه رسول الله (ص) واجمع المسلمون على وروده "حسين مني وأنا من حسين " يتجسد واقعا عملياً على ارض الواقع.

بين المذهبية والسياسة

لعلّ السببَ لهذا البحثِ اليومَ هو قيامُ طواغيتِ العالمِ الذينَ يريدونَ السيطرةَ على أمتِنا الإسلاميةِ بمحاولةِ تحويلِ الصراعِ الحاصلِ من صراعٍ سياسيٍّ إلى صراعٍ مذهبي، والهدفُ من وراءِ ذلكَ أن تستثارَ الغرائزُ والعواطفُ وتعمقَ الخلافاتُ، وإعطاءَ بُعدٍ دينيٍّ لهذهِ الخلافاتِ كي تكونَ المسألةُ مرتبطةً بالعقيدةِ ويكونَ القتالُ مع هذه الجهةِ موصلاً للجنةِ، فلا يعودُ المنتمي يبحثُ في أحقيةِ جماعتِهِ بل يتعصبُ لها طمعاً في الوصولِ إلى الجنةِ، أو تحقيقِ مكسبٍ لها حتى لو لم تكن تستحقُهُ أو كانت ظالمةً فيه، في حين أنه في واقعِ الأمرِ أداةٌ في مشروعٍ سياسيٍّ كبيرٍ استغلَ انتماءَهُ المذهبيَّ لاستقطابِهِ لأنهُ لو أرادَ استخدامَ عباراتٍ سياسيةٍ وإبرازَ أنه يريدُ استغلالهُ للوصولِ  إلى السلطةِ لما أستطاعَ أن يستقطِبَهُ ويستغلَّ نفسَهُ وحالَهُ وولدَهُ ومالَهُ في صراعِهِ للوصولِ إلى السلطةِ.

بل إذا رجعنا إلى خطابِ بني أميةَ وقتذاك نجدُهم أنهم استغلوا عناوينَ دينيةً ومذهبيةً للتغطيةِ على الصراعِ السياسيِّ من خلالِ إدخالِ عقيدةِ الجبرِ واعتبارِ أن كلَّ من يخرجُ عليهم إنما يخرجُ على إرادةِ الله الذي مكّنهم من الوصولِ إلى السلطةِ فيصبحَ الخروجُ ليس اعتراضاً على ظلمهِم أو تسلّطِهِم إنما هو خروجٌ في وجهِ إرادةِ الله واعتراضٌ عليها.

لذلك يجب أن يعتمدَ الخطابُ الحسينيُّ المبادئَ التاليةَ:

أولاً: أدعو إلى أن ينطلقَ الخطيبُ من خلالِ توضيحِ أن الثورةَ هي ثورةُ حقٍّ في وجهِ باطلٍ، وعدلٍ في وجهِ ظلمٍ، وليست ثورةَ مذهبٍ في وجهِ آخرَ، أو حتى حزبٍ في وجهِ حزبٍ آخر.

ثانياً: إن الذي دعا إليه الإمامُ الحسينُ هو الإصلاحُ الدينيُّ على أساسِ الإسلامِ وليس الدعوةَ لنصرةِ مذهبٍ على آخر.

ثالثاً: إن الحسينَ (ع) إمامٌ لكلِّ المسلمينَ بلْ لكلِّ الأحرارِ وليس لمذهبٍ أو دينٍ أو جماعةٍ أو حزبٍ ضدَّ آخر.

رابعاً: توضيحُ معالمِ الحقِّ في ثورتِهِ أولاً من خلالِ الأحاديثِ وثانياً من خلالِ الاتفاقِ السياسيِّ الحاصلِ وقتَها أيامَ صلحِ الإمامِ الحسن (ع).

خامساً: عدمُ جوازِ استخدامِ منبرِ الإمامِ الحسينِ(ع) للنيلِ من شخصياتِ ومقدساتِ الآخرينَ سواءَ كانوا أتباعَ المذاهبِ الأخرى أو الأديانِ الأخرى، فليس هذا هو نهجُ ائمتنا، وليس من أجلِ ذلك ثارَ الإمامُ الحسينُ(ع).

سادساً: يجب أن تكون القضية الفلسطينية كعنوان جامع للأمة متواجدة في زيارة الأربعين لكونها عنونا جامعا للأمة وحسنا فعلت الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين هذا العام من تنظيم مشاركة في الزيارة تضم ألوانا متعددة من الطيف الموجود في الأمة تحت عنوان " لبيك يا حسين لبيك يا أقصى".

سابعاً: يجب توضيح أن النهج التكفيري لا علاقة له بالإسلام وإنما هو صنيعة أدوات استخبارية وهو مشابه تماما لما أراد بنو أمة استغلاله من الدين للتسلط على رقاب المسلمين فواجههم محور المقاومة كما واجه الإمام الحسين بنو أمية.

ثامناً: لا مانعَ عندي من وجود ِكراماتٍ داخلَ أحداثِ الثورةِ لكنّ الإعلانَ عنها والتركيزَ عليها قد يؤدي دوراً سلبياً لا حاجة لنا به.

تاسعاً: البعدُ عن مسألةِ "ولسانُ حالِهِ يقول"، خاصةً مع استعمالِ لسانِ الحالِ هذا لإثباتِ قناعةٍ لدى القارئ قد لا يكونُ مجمَعاً عليها، بل قد لا تكونُ مقبولةً عندَ الإمامِ الحسين (ع)، لذلك أنصحُ بالاقتصارِ على القولِ لا على لسانِ الحالِ، وإذا ما أرادَ أن يحلّلَ فليقلْ أنا أرى، لا أن ينسبَ التحليلَ للإمامِ من خلالِ لسانِ حاله.

عاشراً: التركيزُ على العناوينِ الأخلاقيةِ والوجدانيةِ والعرفانيةِ الإيمانيةِ والبعدُ عن الأمورِ الخلافيةِ والمثيرةِ للنزاعات.

حادي عشر: عدمُ إدخالِ الإمامِ الحسينِ(ع) وثورتِهِ في خلافاتنِا الداخليةِ، حتى في الأوساطِ الشيعيةِ، فإنَّ في ذلك تقزيماً لمفاهيمِهِ، وإن كان اعتمادُنا في ثورتِنا على هذهِ المفاهيمِ ضرورةً.

ثاني عشر: إخراجُ الخرافاتِ من الخطابِ الحسينيِّ وإبعادُها عنه فإن لذلك أثاراً عكسيةً خاصةً عند المتلّقي حديثِ العهدِ بالإسلامِ، أو متبعاً لمذهبٍ آخر أو دينٍ آخر والإمامُ الحسينُ(ع) ليس بحاجةٍ إلى هذهِ الأمورِ لإقناعِ الآخرِ بأحقيةِ ثورتِه.

 

إخترنا لكم من العدد