مجلة البلاد الإلكترونية

التجمع يطالب مجلس القضاء الأعلى بإحالة القاضي البيطار إلى التفتيش القضائي بشبهة الدخول في مؤامرة لضرب السلم الأهلي بالتعاون مع دول خارجية

العدد رقم 306 التاريخ: 2021-10-15

العَشوائيات ومُدن القَاع العربيّة أين هي خططُ التّنمية المتوازنة وسياسات الحَداثة العقليّة والعمرانيّة؟!

نبيل علي صالح

العَشوائيات ومُدن القَاع العربيّة

أين هي خططُ التّنمية المتوازنة وسياسات الحَداثة العقليّة والعمرانيّة؟!

مَنْ ليسَ له وطن، ليس لديه حياة.. ولا يعيش التوازن الروحي والعملي الحقيقي في كل مفردات وجوده الخاص أو العام.. إنه وطن الطفولة والشباب، وطن الأهل والأصدقاء، وطن الذكريات والعيش المشترك والهوية الإنسانية والتلاقي الحضاري...

والوطن بهذه المعاني الواسعة والكبيرة، لا يستمر من دون محبة وتعاون وتفاعل وتشارك حقيقي خصب وبنّاء، وأيضاً من دون تضحية وفداء وبذل للغالي والرخيص.. فحبّ الوطن (والدفاع عنه وقت الشدة والمحن)، ليست مجرد شعارات للاستهلاك والتضليل، بل هو من أهم أسباب بقاء الإنسان (المواطن) معزّزاً مكرّماً في المكان الذي وُلد فيه ونشأ وعاش بين أهله وناسه وطبيعته وقيمه.. فهو كل شيء.. يرتبط فيه الفرد بماضيه وحاضره، ويرسم وجوده فيه، ومعالم مستقبله التي يؤسس لها في حاضره.

ولكن الوطن ليس فقط معنويات وقيم نظرية وشعارات وأغانٍ للإنشاد واستعادة الأمجاد، بل هو مساحة جغرافية للعيش الآمن المستقر المفترض أن تتوافر فيه مقومات الحياة الإنسانية الحقيقية وعلى رأسها وجود الحيز الجغرافي المكاني، أي السكن الصحي المناسب والملائم للعيش الهانئ والسعيد الذي هو بدوره أساس لإنتاجية الإنسان وفعاليتِه وحضورِه في عصرهِ، وعطائه وتضحيته.

لقد كان من أهم المشكلات الاجتماعية والسياسية التي حدثت في كثير من بلداننا العربية، ومنعت تطور مجتمعاتنا باتجاه مواقع النهضة والتقدم العصري، عدم الاهتمام بالتنمية العمرانية، فكان هذا الانتشار الواسع والمخيف للسكن المخالف أو ما يسمى بالسكن العشوائي، والذي ارتبط للأسف بسياسات اقتصادية ديمغرافية وتنموية فاشلة وعديمة الجدوى اعتمدتها كثير من نظم الحكم العربي.

وتُعرّف العشوائيات (أحياء ومناطق السكن العشوائي)، بأنها المباني السكنية التي أُقيمتْ بشكلٍ غير لائق وغير صحي، وبلا أي تخطيط أو نظام هندسي وقانوني، وخارج نطاق خطط التنمية السكانية للحكومة نفسها، وغالباً ما افتقرت وتفتقر (تلك المناطق) إلى كثير من الخدمات والبنى التحتية الأساسية المفترض تنفيذها بشكل مدروس ومهني وملائم لحياة الإنسان وعيشه المنتج.. وحتى لو تم تأسيس خدمات أساسية فيها فإنها قد لا تكون بالمستوى الفني والهندسي والصحي المطلوب..!!.

وهذه الكتل العشوائية أو الأحياء السكنية العشوائية، انتشرت وتنتشر في كثير من بلداننا العربية وغير العربية، وخصوصاً في بلدان الجنوب، وتشكّل بحجمها ومساحتها النسبة الأكبر من أحياء المدن، (حتى باتت تعرف بمدن العشوائيات أو مدن الصفيح أو مدن القاع).

بطبيعة الحال لم تنتشر مناطق المخالفات العربية هكذا فجأة ومن دون سابق إنذار، بل هي امتدت وتضخمت في مدى زمني غير قصير، على مرأى ومسمع السلطات والنخب السياسية الحاكمة، وتعاظم مدها العشوائي من دون أية محاولات جدية من قبل هؤلاء (ومؤسساتهم وهياكلهم الهندسية والإدارية المعنية) لتنظيمها وإسكان الناس فيها بصورة حديثة وسليمة ومأمونة وصحية، شكلاً ومضموناً.

طبعاً، لا نريد التعمق في فهم الأسباب والدوافع التي منعت أو أعاقت تطوير تلك المناطق العشوائية منذ زمن غير قصير (قبل أن تكبر وتمتد وتتوسع وتتعقد حلولها ومعالجته)، ولكن باختصار، يأتي على رأس تلك الأسباب، الفساد وعدم وجود استراتيجيات تنموية علمية صحية وصحيحة وفعّالة..!!. حيث تُرك الناس – وهم بعشرات الملايين - لأقدارهم البائسة دونما أي تدخل نوعي ملموس من قبل المؤسسات الحكومية المعنية لحل مشكلة البناء المخالف والسكن العشوائي.. مع أنه كان بالإمكان إيقاف تفشي تلك العشوائيات – البعيدة عن أدنى معايير السلامة الفنية والصحية والعمرانية - منذ عقود وعقود، قبل أن تمتدَّ وتتوسّع أفقياً وعمودياً على حساب الأراضي الزراعية، بحيث أصبحت معالجتها صعبة وربما غير ممكنة حتى في المدى القريب. 

إنّ غياب أسس التنمية الصحيحة المتوازنة، وتغييب مقومات التخطيط العلمي الرصين، وتفشي الاقتصاد غير المنضبط لتلك البلدان، هي جملة عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية متداخلة أسهمت بكليتها في خلْق بؤر ومباني وثقافة وواقع التهميش التنموي والعمراني..

والسكنُ العشوائي كسكن رخيص وبديل عن السكن الحضري (الذي هو سكن ملائم للصحة والسلامة والأمان)، لا يلجأ إليه الأفراد من ذوي الدخل المحدود، لو توافرت (أو تتوافر) بين أيديهم ظروف العمل المناسب ومآلات التنمية الصحيحة، المفترض أن تتهيأ لهم من قبل الحكومات المسؤولة عن تلك القضية الحيوية..

إنَّ الفقر المادي وانعدام القدرة والكفاية الاقتصادية على حيازة رأس المال الكافي للحصول على السكن الصحي المناسب، هو الذي يدفع الإنسان (الفقير أو المفقّر) للبناء العشوائي أو البحث عن سكن له ضمن تلك الأحياء العشوائيات التي نمت وكبرت وتضخمت حتى باتت مشكلة تنموية وعمرانية واقتصادية مكلفة للغاية.. حيث جاء نموها وتضخمها في غفلة (مقصودة بلا شك) من المسؤولين المعنيين المستلمين لزمام الأمور.

وبطبيعة الحال لا يمكن توجيه اللوم أو تحميل المسؤوليات – عن نمو تلك المناطق - للناس أنفسهم، للفقراء والمهمشين.. وأي تفسير يحاول لوم الفقراء عن ظهور مشكلة السكن العشوائي وما يرافقها من أمراض اجتماعية أخرى، هو تفسير مرضي يتجاهل وينكر الأسباب الجوهرية الأخرى الكامنة في تلك السياسات الاقتصادية والخطط التنموية التي اتُبعت في تلك البلدان، والتي كانت بمجملها عقيمة غير منتجة.

إن القدرات والطاقات والخبرات وضرورة خلق فرص العمل وتطوير الخبرات ونوعيتها كلها عوامل مهمة في تحسين شروط الإسكان والعمران المادي والعقلي..

طبعاً للأسف، لم تبالِ كثير من الحكومات المعنية بأمر تنظيم عمران بلدانها، بالعكس فقد أسهمت - نتيجة فساد نخبها ومؤسساتها المنخورة حتى العظم بالمحسوبيات والاستزلام والزبائنية الاقتصادية والسياسية - في امتداد واستشراء تلك العشوائيات لغايات تتصل بالوظيفة "الاجتماعية - السياسية" لتلك العشوائيات كأنساق معقدة داخلة ضمن النظام الوظيفي العام الذي تعتمده تلك السلطات الحاكمة، بحيث أنه يمكن القول أن ذلك الامتداد العشوائي كان عبارة عن سياسات مقصودة من قبل نخب الحكم العربي لإبقاء المجتمعات رهن حاجاتها الأولى، حيث يسهل جداً إخضاعها ومن ثم استغلالها (واستخدامها وتجييرها) في أغراضهم التسلطية الأخرى.

طبعاً، العشوائيات المكانية هي جزء من عشوائيات أكبر وأكثر خطورة، ولو لم تكن قائمة وموجودة ما وصلنا إلى الأحياء العشوائية، ونعني بها، عشوائية الفكر والعقل والتفكير، والامتناع على التصرف بمسؤولية وعلمية وعقلانية من قبل القائمين بأمر تلك المجتمعات.. فاستشراء الفساد، وسياسة شراء الذمم والولاءات، وتمكين الأزلام، وإنفاق الأموال الطائلة على عسكرة المجتمعات، وتسليح الجيوش وبناء الأجهزة الوصائية التي تحبس أنفاس الناس، وتمنعها بالقوة والعنف من حرياتها وحقوقها.. كله أسهم وبقوة في تلك الأزمات وعلى رأسها أزمة بقاء مجتمعات العرب مرهونةً لتخلّفها وإعاقتها التنموية والحضارية، بما منعها من البناء والاستنهاض والتقدم الحقيقي المدني والعمراني والحضاري.

وما لم تتغير بنية وماهية تلك الدول القائمة، لن تتحسن شؤون مجتمعاتها وأفرادها على أي صعيد من الأصعدة، حيث أن طبيعة الدول الحديثة اليوم باتت دولَ خدمات لا دول فكر وأيديولوجيات وهويات مغلقة.. دول تُشرف وتخطط ولا تهيمن ولا تسيطر على المجال العام.. دول تُتيح وتُفْسح وتُهَيئ الأجواء والبنى، دول لا تتسلط ولا تنحاز ولا تتملّك.. فمقتل الدولة – أية دولة - يأتي عندما تتحول إلى مجرّد مضارب مثل أي مضارب سياسي أو اقتصادي آخر..!!.

لقد ضاعتْ كثير من خطط التنمية الاقتصادية والعمرانية في تلك البلدان - التي ضربتها واجتاحتها العشوائيات (التفكيرية والعمرانية)، والمفترض أن تبني (أي تلك الخطط) مواقع قوية للازدهار والتطور الحقيقي - عندما ضاعت أو تم تضييع حقوق الناس.. وما لم تعد وتتفعّل (وتُنتزع) تلك الحقوق لن تُستعاد نهضة المجتمعات العمرانية والتنموية.

 

إخترنا لكم من العدد