مجلة البلاد الإلكترونية

معركة خاضتها حركة واحدة ضدّ العدو الصهيوني أوصلت إلى انتصارٍ كبير فكيف لو كانت المعركة بمشاركة كلّ محور المقاومة.. فإن الزوال للكيان الصهيوني سيكون النتيجة الحتمية لها؟!.

العدد رقم 349 التاريخ: 2022-08-12

استدارة إماراتية باتجاه المنطقة.. ماذا عن السعودية؟

زينب عدنان زراقط

استدارة إماراتية باتجاه المنطقة.. ماذا عن السعودية؟

التحركات المتسارعة للإمارات في المنطقة تشير إلى وجود بوادر لاستدارة إماراتية باتجاه المنطقة، وإعادة نيتها في تشبيك علاقاتها مع عدد من الدول وخصوصاً دول الجوار، لأنها تغيرت كثيراً وهي ذاهبة لتغيُّرات أكبر، بدءاً بسوريا مروراً بتركيا وأفغانستان، وصولاً إلى إيران ومحور المقاومة.

في حين أن السعودية التي تسعى جاهدةً لكسب رضى أمريكا في رغبةٍ حثيثة من "ابن سلمان" الذي يسعى لتلميع صورته حالماً باعتلاء عرش المُلك، اعتبرت النشاط الإماراتي يجري بعكس توجهاتها وخصوصاً بعد أن عمدت إلى الانخراط ضمن تحالف أمريكي - إسرائيلي جديد، وأبرمت صفقات تبادل للمياه بالكهرباء مع الأردن وإسرائيل. وما أثار سخط "الرياض" هو اتجاه "أبو ظبي" من جديد نحو "إيران"، حيثُ اعتبرت السعودية هذه المواقف ما هي إلا طعنات في ظهر "المملكة"!!.

مُناورات دبلوماسية إقليمية

المُناورات الإماراتيةِ الإقليمية الدبلوماسيةِ قد تكون خطوات حثيثة تهدف إلى استعادة صورتها ومكانتها في الشرق الأوسط وأمام مرجعيتها العظمى "أمريكا" مُنافسةً بذلك استماتة "ابن سلمان" لكسب رضى "واشنطن".

الرحلة الشرق أوسطية الإماراتية بدأت في السباق من أجل الوصول إلى سوريا بعد مقاطعةٍ دامت لأكثر من عشر سنين، ما يُعتبرُ إقراراً بانتصار سوريا وفشلاً للمشروع الخليجي بإسقاط "نظام الأسد" والتمهيد لعودة سوريا إلى الجامعة "العربية"، ثم تلا ذلك دعم الإمارات للأمن والسلام في أفغانستان ووقوفها إلى جانبها لتكون جزءاً إقليمياً من حلِّ النزاع المشحون فيها، لتُتبِعها بخطوةٍ جريئة بزيارة ولي عهد أبو ظبي "محمد بن زايد" إلى تركيا، - على الرغم من العداوة بينهما والمقاطعة لأكثر من اثنتيّ عشرة سنة – حيثُ جرى توقيع عشرة اتفاقيات ومذكرات تفاهم سياسية واقتصادية واجتماعية وأخرى في مجال الطاقة والبيئة، وكذلك أنشأت الإمارات صندوق استثمارات بقيمة عشرة مليارات دولار، الذي سيسهم في تعزيز الليرة التركية بعد تراجعها مقابل الدولار الأمريكي.

سقوط "تركيا" أو "أفغانستان" وبروز الجماعات المسلّحة وحصول توتّر في المنطقة وخصوصاً عند الحدودِ الإيرانية قد لا يصبُّ في مصلحةِ "أمريكا" التي تجهدُ لإنجاز ملف المفاوضات النووية، ولا تريد عرقلته الآن.

وتستكمل الإمارات بعدها هذه الاستدارة وصولاً إلى قلب محور المقاومة "إيران"!، حيث زار وفد من الإمارات الجمهورية الإسلامية في إيران، وتمَّ الإعلان عن فتح صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين. وليتبيَّنَ بعدها أن هذه ليست الزيارة الأولى التي تقوم بها إلى طهران ولن تكون الأخيرة.

من المفيد ذكره أنه عندما تقرر "أبو ظبي" إرسال "طحنون بن زايد" - مُستشار الأمن القومي والذي هو أرفع مستوى إماراتي ورجل المهمات الصعبة - مؤخراً، بموضوع استراتيجي ومهمة صعبة في زيارةٍ دبلوماسية إلى "طهران" وهو المعروف بقدراته الواسعة في الداخل الاماراتي ومهارته في المفاوضات والمناورة، فإن ذلك يوضح التمايز الصريح عن الموقف السعودي تجاه إيران، التي تكنُّ الضغينةَ والعداوةَ تجاهها وتتهمُها بتمويل حركة "أنصار الله" في اليمن، وتدّعي - بصدى الصوت الإسرائيلي - امتلاك إيران لـ "الأسلحة النووية"!.

وفي هذا السياق صرَّحَ "أنور قرقاش" وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، "اتخذتُ خطوات لتهدئة الوضع مع إيران، حيثُ لا مصلحةَ لنا في المواجهةِ". وتأتي زيارة "ابن زايد" كذلك في وقتٍ تستعدُّ فيه إيران والولايات المُتحدة الأمريكية لاستئناف المفاوضات النووية غير المُباشرة، في حين أن "السعودية" تسعى جاهدةً لحشدِ المواقفِ الدوليةِ لتكون ضدَّ "إيران" وتتمادى في عدوانها على اليمنيين كونهم حُلفاء لـ "حرس الثورةِ" في الجمهوريةِ الإسلامية.

تحالف رباعي أمريكي يضمُّ الإمارات

لم يقتصر الأمر على ذلك وحسب، بل لجأت الإمارات للانضمام إلى تحالف رباعي يجمع "الولايات المتحدة وإسرائيل" ومعهما "الهند والإمارات". في لقاءٍ افتراضي جرى مؤخراً على شبكات التواصل اجتمع خلاله كُل من وزير الخارجية الهندي "سوبراهمانيام جايشانكار" ووزير الخارجية الإسرائيلي "يائير لابيد" و"عبد الله بن زايد" وزير الخارجية الإماراتي إلى جانب وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكن"، من أجل مناقشة تعزيز التعاون بين الدول الأربعة في مجالات التنمية الاقتصادية والقضايا العالمية.

الجدير بالذكر، أن هذا الاجتماع الافتراضي عُقد بعد قرابة عام على توقيع ما عُرف بـ "اتفاقيات أبراهام" بين إسرائيل والإمارات والبحرين التي أسست لبدء تطبيع العلاقات بين الدولة العبرية ودول الخليج. وقد أظهر المسؤولون خلال اللقاء الافتراضي رغبة وحماساً للبناء على ما حققته "اتفاقيات أبراهام" من زخم في المنطقة. وقد أكد بلينكن على دعم الولايات المتحدة لجميع فرص التعاون المستقبلية للتعاون في المنطقة والعالم.

وتمت الإشارة إلى هدف الرباعيةِ في توسيع التعاون الاقتصادي والسياسي في الشرق الأوسط وآسيا بما في ذلك مجالات التجارة ومكافحة تغير المناخ والتعاون في مجال الطاقة وتعزيز الأمن البحري. فيما يزال الغموض يطغى على المآرب السياسية التي تكمن خلف هذا التحالف المُفاجئ والجديد، الذي لا يخفى فيه الهدف الأساسي وهو تعزيز الوجود "الإسرائيلي" حيثُ شهدَ التعاون بين إسرائيل والهند تقدماً واضِحاً في السنوات الأخيرة وباعتبار إسرائيل واحدة من أكبر مورِّدي الأسلحة للهند، بحجم يصلُ قُرابة المليار دولار سنوياً. أما فيما يتعلق بالعلاقات بين الهند والإمارات، فقد أُبرِمت العديد من الاتفاقيات لتوسيع العلاقات بينهُما في مجالَي الطاقة والاقتصاد بشكل كبير.

في المقابل، أثار توجّه الرياض المتهافت ووتيرة المبادرات السعودية غير المسبوقة نحو انتهاج وتطبيق سياسات الاقتصاد الأخضر والتحوّل نحو الطاقة النظيفة، لا سيما بعد وصول الأمر إلى دعوة وليّ العهد السعودي رؤساء دول وشركات متعددة الجنسيات ومؤسسات مالية وخبراء من جميع أنحاء العالم إلى قمّة مبادرة الشرق الأوسط الأخضر في المملكة، تساؤل مراقبين حول أهداف هذا "السعي المستجد المتسارع". حيثُ أطلق وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مجموعة من مبادرات المناخ تقدَّر قيمتها بنحو 10.4 مليار دولار، وتساهم السعودية بـ 15% منها. وعلى حد وصف الكاتب الإسرائيلي تسفي بار إيل في مقاله المنشور بصحيفة "هآرتس" العبرية، فإنه "إذا كانت البيئة والحدّ من تلوُّث الهواء والقضاء على انبعاثات الغازات السامة من هوايات الرئيس الأمريكي، فعلى بن سلمان اللعب والتفوُّق في نفس الملعب".

وعلى ما يبدو أنّ الدافع الرسمي المعلن هو مواكبة الاتجاه العالمي لمكافحة تغير المناخ العالمي، والحدّ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتطوير مصادر بديلة للطاقة. أمّا ما هو مضمورٌ وما لم يُعلن عنه، يكشف عنه المراقبون الذين أشاروا إلى وجود ملفات عدّة تحول دون قبول الرئيس الأمريكي "جو بايدن" لقاء "بن سلمان". وبذلك فإنّ التحرّك والتوجّه السعودي المغاير يمكن فهمه في إطار محاولة الأمير السعودي الشاب كسب ودّ رجل البيت الأبيض الديمقراطي.

العلاقات السعودية - الأمريكية خلال الأعوام الأخيرة لا يمكن النظر إليها دونَ ملاحظة نمط التوتّرات المتلاحقة بين البلدَين، وظهور التوتّرات جلِيةً في بعض الأحيان بحيث لا يمكن تجاهلها، منذرة بخلاف حادّ بين واشنطن وأحد أهمّ حلفائها الاستراتيجيين بالمنطقة.

إضافةً الى ذلك، لقد حمَّل الرئيس الأمريكي السعودية مسؤولية ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة ولمَّح للمرة الأولى إلى إمكانية أن يكون ولي العهد السعودي وراء عدم زيادة انتاج النفط في محاولةٍ منه لإجباره للحديث معه!.

"ابن زايد" ومبادرة البيئة

المواجهة بين الإمارات المتحدة والمملكة العربية السعودية تبلورت بشكل واضح بعدما قامت الإمارات بعقد صفقة تعاون لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وتحلية المياه، مع إسرائيل والأردن، والتي عبَّرَ عنها المسؤولون السعوديون باستياء وقالوا إن الصفقة قوّضت خطط ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" لقيادة المنطقة في ما يتعلق بالمناخ من خلال مبادرته "الشرق الأوسط الأخضر".

وقد نشر موقع "أكسيوس" الأمريكي أواخر الشهر الماضي أن "الحكومة السعودية ضغطت على الإمارات للتراجع عن صفقة كبيرة لتوليد الطاقة الشمسية مع إسرائيل والأردن"، وقد فوجئت السعودية بتفشي الخبر حسب ما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيليةِ. ليتم التوضيح بعدها بأن الإمارات وإسرائيل تمكنتا من التفاوض على الصفقة بسبب إبرامهما لاتفاقيات إبراهيم العام الماضي، ولأنّ السعوديين ليس لديهم علاقات دبلوماسية علنية مباشرة مع إسرائيل فقد تمّ استبعادهم. وقال مسؤولون إسرائيليون إن توقيع الاتّفاق تأجَّل لعدَّة ساعات، بسبب المحاولات السعودية، لكنه في النهاية تمَّ بعد ظهرِ اليوم ذاته.

وتنصُّ الاتفاقيةُ، التي وقِّعت في دبي، على أن يعملَ الأردن على توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية لصالح إسرائيل، بينما ستعمل هي في المقابل على تحلية المياه لصالح الأردن الذي يعاني من الجفاف. وستشارك الإمارات في تمويل هذا التعاون، بينما رعت الولايات المتحدة توقيع الإعلان من خلال حضور جون كيري.

علاوةً على ما سبق، أعلن وزير الطاقة الإماراتي "سهيل المزروعي" أن بلاده بدأت ببناء أول محطة هيدروجين صديقة للبيئة بالشرق الأوسط والتي يجري اختبارها حالياً، في وقتٍ تمّ الكشف فيه عن أن الإمارات تهدف إلى الاستحواذ على 25% من سوق وقود الهيدروجين العالمية بحلول 2030، وأنها تنفّذ أكثر من سبعة مشروعات طَموحة لإنتاج الهيدروجين، وتستهدف أسواق التصدير الرئيسية، من بينها اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا والهند.

الإمارات تدخل الساحة اللبنانية

الأزمة التي افتعلتها السعودية مع لبنان والتي نتج عنها خروجها من الساحة اللبنانية، سُرعان ما استغلّت الإمارات هذا الموقف لتكون حاضرةً مكانها وبقوَّةٍ عبر سفيرها "حمد الشامسي"، وكذلك عبر رجل الأعمال "خلف الحبتور"، الذي يدعم بشكل صريح شخصيات لبنانية في الشمال.

ومن هنا نجد أن دولة الإمارات مهتمة بشدة بلبنان، ولن يكون من المستغرب أن تساهم في دعم الليرة اللبنانية عبر ودائع في المصرف المركزي، أو بمشاريع في صندوق استثمار على غرار ما قامت به بدعم الليرة التركية، في حين أن الإملاءات الأمريكية تُنص على عدم جرِّ المنطقةِ إلى حربٍ أو نزاعٍ لأنها تُدرك تماماً خسارتها للمنطقةِ وتسليم زمام الأمور لـ "حزب الله" - الشريحة الأكبر والحزب الأقوى - في قيادة لبنان سياسياً وعسكرياً - وهو عليه هيّنٌ - بمُساندة "حرس الثورة الإيراني"!!.

كذلك تدرك الإمارات أن بوابتها لإعادة الإعمار في سوريا ستكون حتماً من لبنان، لذا ستعمل جاهدةً على تحسين العلاقة مع لبنان، ولو أدّى هذا إلى تمايزها عن الموقف السّعودي الذي كسرته في الساحات الثلاث التي ذكرناها سابقاً من تركيا، سوريا، وإيران، فهي فضَّلت فضَّ شراكةِ الأمس بعدما غرق هذا الحليف بمستنقعٍ من الخلافات والسخط الأمريكي خصوصاً، لتحلّ مكانهُ.

أمريكا التي رمت بحُلفائها الأفغان من بعد سنين طِوال من الاحتلال ها هي تتخلى عن السعودية بعد فشلِها الذريع في تحقيق أطماعها في اليمن، وها هي الإمارات التي دخلت معها الحرب انسحبت تدريجياً مُبقيةً على بعض مستعمراتها في جزيرة سقطرى وما حولها، فهل ستكون بمأمنٍ من ضربات الحوثيين لها؟ أم هل من المُستبعد أن يضربها "فيلق القدس"؟ فالإمارات ليست سوى امتداد اسرائيلي في مرأى المقاومةِ لما أقدمت عليه من تحالف مع العدو الصهيوني وللتطبيع معه!.

إنَّ ما يمتاز به محور المقاومة عن عدوه، هو "تحالف القضية لا شراكة المصلحة" ووجوب مدّ يد العون للصديق وبالأخصّ في أحلكِ ظروفه. أيّ على الإمارات أخذ الحذر، لأن طبعها الغدَّار لا حاجة لإثباته، بل تحكيه فصولها عبر الزمن، فهل ستجرؤ على التّكشير عن أنيابها وهي تعلم أنها ماثِلةٌ في الملعب الإيراني وتحت عين "حرس الثورة" وليست بمنأى من السّخط الإيراني في حال إقدامها على أي خطوة ضد محور المقاومةِ؟!!

زينب عدنان زراقط

إخترنا لكم من العدد