مجلة البلاد الإلكترونية

الذي يحاصر لبنان ويمنع عنه المعونات هو أمريكا وكل المسرحيات التي تحاول سفيرتها أن تقوم بها لن تؤثر في إخفاء هذه الحقيقة التي باتت واضحة لدى غالبية الشعب اللبناني.

العدد رقم 320 التاريخ: 2022-01-22

تفجر الصراع الإثني في أثيوبيا

توفيق المديني

تفجر الصراع الإثني في أثيوبيا

إثيوبيا دولة تتسم بتعدد الجماعات الإثنية، فموسوعة العالم الثالث ترى بأن إثيوبيا تُعَدُّ متحفاً للجماعات الإثنية، فهي تحتوي على 80 جماعة إثنية من أصول وديانات ولغات مختلفة ومتباينة..

وتختلف الجماعات الإثيوبية في حجمها وثقافتها ولغتها ولهجاتها وانتشارها الجغرافي، وتختلف أيضاً في مكانتها التاريخية، ومن ثم علاقتها بالجماعات الأخرى ووزنها السياسي في الدولة.

التكوين الإثني ومخططات الاستعمار الأوروبي

يمكن تناول هذه الجماعات الإثنية من حيث أهميتها ونسبتها إلى السكان على النحو التالي:

الأرومو (الجالا): وهي أكبر إثنية أثيوبية وتشكل حوالي40% من نسبة السكان في أثيوبيا، تليها الأمهرة بنسبة35%، والتجرين6% والسيدامو6% والشانكيلا 6% والصوماليون 6% والعفر 4% والكوراج بنسبة 2%. علاوة على وجود أقليات ضئيلة من حيث العدد مثل: القبائل النيلية على امتداد الحدود مع السودان والبجة في المنطقة الشمالية، ولاجو في وسط الهضبة واليهود الفلاشا.

والجدير بالذِّكر بأنّ القومية الحاكمة هي الإثنية التجرينية وهي أقلية، حيث سيطرت على السلطة بعد سقوط النظام العسكري في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، علماً بأن الأمهرا كانت المسيطرة على السلطة خلال فترات سابقة.

وتُعَدُّ إثيوبيا دولة مهمة من دول القرن الأفريقي التي تتميز تركيبتها الإثنية بالعابرة للحدود في منطقة القرن الإفريقي. وهي ظاهرة موجودة في العديد من الدول الإفريقية .فكما هو معروف كانت مخططات الاستعمار الأوروبي لهذه المنطقة تتمثل في تقسيم المستعمرات من دون مراعاة لأوضاع الجماعات الإثنية، حيث تداخلت الإثنيات وتعددت بين الدول وداخلها. فعندما وضع الاستعمار الغربي وخطط للحدود السياسية في المنطقة، عمل وحرص على تشتيت وتوزيع الجماعات الإثنية المختلفة في المنطقة بين دولتين وأكثر خدمه لمصالحه المختلفة، فتوزعت الجماعات الإثنية والقبائل المختلفة وعزلت عن مراعيها وأسواقها وأقاربها وأماكن عبادتها، وهو ما أوجد بيئة مناسبة لتوتر العلاقات وتفجر النزاعات بين دول القرن الأفريقي.

وعند خروج الاستعمار من المنطقة، فشلت الدول المستقلة في التعامل مع الظاهرة الإثنية، وعدم قدرتها على السيطرة عليها داخل أنظمتها السياسية، وزاد من الظاهرة أن تبنت هذه الدول سياسات فاشلة للاندماج الوطني الواحد، ارتكزت على قيام النظم الحاكمة التي تنتمي في أغلبها إلى جماعات قومية وإثنية، واستبعاد الإثنيات الأخرى في سياساتها المبنية على منطق التعصب المركزي المستند إلى توجيه الاستثمارات الحكومية والإنفاق الحكومي نحو خدمة هذه الجماعات الإثنية دون غيرها من الجماعات الأخرى.

وأسهم عدم الاندماج الوطني في خلق داخل الدولة الواحدة تناقضاً وتصارعاً بين الانتماءات الفرعية، ترتب عليها ولاءات ضيقة ومحدودة لا تعترف بالولاء الوطني أو للجماعة الوطنية الشاملة، فالأغلبية المسيطرة عمدت إلى اضطهاد الأقلية أو الأقليات الإثنية الأخرى، وهو ما دفع تلك الأقليات عندما سمحت الفرصة لها إلى استخدام العنف والتمرد على النظام السياسي، الذي واجه الأمر باستخدام القوة المسلحة، الأمر الذي أدَّى إلى تفجر الصراعات  والحروب الأهلية في معظم دول القرن الإفريقي، من السودان، إلى الصومال، مروراً بإثيوبيا.

أزمة النظام السياسي الإثيوبي والميراث السلطوي

على الرغم من أنَّ إثيوبيا تُعَدُّ جمهورية فيدرالية، لكنَّ الأحزاب الكبرى التي تتحكم  في حياتها السياسية ظلت قائمة على أسس إثنية، وهو الأمر الذي ينطبق على العديد من بلدان القارة الإفريقية، سيما أن أغلب الأحزاب السياسية في أفريقيا لم تتشكّل حول برامج سياسية واضحة، لكنها قامت على أساسٍ مما يطلق عليه علاقة "السيد - التابع"، أو الصلات الشخصية بين القادة والمواطنين، وعلاقات مثل الانتماء العشائري والجماعة الإثنية - القبلية، والأرض، والدين والمبادئ المشابهة. وعلى الرغم من أن "تنظيم تسجيل الأحزاب للعام 2008 لم يعترف إلا بالأحزاب السياسية القائمة على مستويات قومية أو إقليمية، فإنَّ 70% من الأحزاب المسجّلة بالفعل (حتى العام 2014 على الأقل) كانت بمسميّات إثنية، وتشير إلى انتمائها لجماعة لغوية معينة تقيم في إحدى ولايات إثيوبيا. علاوة على ذلك، فإنَّ أحزاباً كثيرةً مسجلةً على أساس قومي لم تخف انتمائها لجماعة إثنية معينة، واستخدامها ذلك الانتماء لحشد السكان وراء أجنداتها السياسية. 

أما إثنية التغراي، فهي جزء من 80 مجموعة عرقية في إثيوبيا، وقد أعادت (جبهة تحرير شعب التيغراي) تنظيمها في تسع مناطق عندما كانت حاكمة. وتتمركز قومية التيغراي في إقليم تيغراي الذي تبلغ مساحته حوالي 102.000 كلم من جملة مساحة إثيوبيا. ويحدَّ إقليم تيغراي من الشمال والشمال الشرقي إريتريا، ومن ناحية الغرب السودان بولايتي كسلا والقضارف، كما يحده في داخل إثيوبيا من ناحية الجنوب والجنوب الشرقي والجنوب الغربي مناطق ولَّو الأمهرية وإقليم العفر الذي تسكنه القومية العفرية، ومنطقة قُندَر الأمهرية. ويبلغ إجمالي قومية التغراي بحسب  وكالة الإحصاء المركزية الإثيوبية، حوالى ستة ملايين نسمة، ويشكّلون ستة في المئة فقط من سكان إثيوبيا، ولكنهم سيطروا عليها لما يقارب ثلاثة عقود.

ذكر جلال الدين صالح في كتابه "الحبشة والبجة: الماضي الحضاري، الصراع السياسي، الأثر الأمني 2012"، أن التيغراي من أوائل الشعوب الإثيوبية ذات الأصل السامي، وهم مجموعة إثنية تتمدد فوق المرتفعات من وسط إثيوبيا وغربها، حتى شمال إريتريا، ويُعرفون بالـ "تغرينية" في البلدين نسبةً للغة التي يتحدثونها، وهي لغة سامية تتداخل مع اللغة العربية وتعود أصولها إلى اليمن. وارتبط تاريخ التيغراي بتأسيس مملكة أكسوم، العاصمة الأولى للحبشة التي استقرت فيها الهجرات اليمنية القديمة، واستمرت المملكة لقرونٍ طويلة منذ نحو عام 80 قبل الميلاد إلى عام 825 ميلادية. وبعد فقدانهم الحكم، أصبحوا مضطهدين ودخلوا في نزاعٍ مباشرٍ مع قومية الأمهرا نسبةً للتداخل الجغرافي والتاريخي.

أما المُعتقد الديني، بحسب المصادر الإحصائية فإن الغالبية العظمى من إثنية التيغراي حوالي 95% هم من المسيحيين الأرثوذكس، وما يقارب 1% من الطوائف المسيحية الأخرى (البروتستانتية والكاثوليكية)، ونحو 4% من المسلمين يُطلق عليهم "الجبرتة"، ويوجد جزء منهم في إريتريا. واسم "الجبرتة" ذاته يطلق أيضاً على المسلمين الأمهرا، وهم مزيج من الأعراق والأجناس من خلفيات عدة، اعتبروا أنفسهم "أمة" واعترضوا على تصنيفهم تيغراي من جانب الحكومة الإريترية.

ما يجدر ذكره هنا هو أن انقسام البلاد يرجع في معظمه لتبايناتٍ إثنية على الرغم من المُشتركات الأخرى، إذ إن قومية التيغراي التي تعيش في الشمال الغربي من الهضبة الإثيوبية، وتنقسم بين دولتي إثيوبيا وإريتريا، تتشارك مع بقية القوميات تاريخياً وثقافياً ومع إريتريا لغوياً. وهذه المُشتركات لم تحصّن التيغراي من التأثر بمستجدات تغيُّر الخريطة الجيوسياسية أكثر من المجموعات الأخرى، بل أمدتها بقدرة على إحداث تغييراتٍ جذريةٍ في النظام السياسي وإثارة الفوضى بعد نزولها من السلطة.

لماذا تفجرت الحرب في إقليم التيغراي

عقب وصول رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق ميليس زيناوي إلى السلطة عام 1991 بعد الحرب مع إريتريا في الفترة بين (1998-2000)، عمل على ترسيخ سلطته بإضفاء الطابع المؤسسي على حكم الحزب الواحد لجبهة تحرير شعب التيغراي ودائرته المقربة منهم، بمشاركة النخب الإثنية الأخرى التي تم ضمها إلى التحالف الحاكم في ظل "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي".

وإزاء هذه الخلفية، قال يوهانس ولد مريام أستاذ العلاقات الدولية في مقاله "ما وراء تمرد الأرومو في إثيوبيا" المنشور في "هافينغتون بوست"، إنه بتكوين "جبهة تحرير التيغراي" التي تأسست عام 1975 بعد عامٍ من انقلاب منغستو هيلا مريام، تمكنوا عبر إنشاء جبهة عريضة من مقاومي نظام منغستو، من تشكيل "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية"، التي تكونت من "المنظمة الديمقراطية لشعوب أرومو"، و"حركة الأمهرا الديمقراطية الوطنية"، و"الجبهة الديمقراطية الشعبية لجنوب إثيوبيا"، و"جبهة تحرير شعب التيغراي". يتزعم تيغراي إثيوبيا هذا التحالف بقيادة مليس زيناوي، والجبهة الشعبية لتيغراي إريتريا بقيادة أسياس أفورقي. وأضاف ولد مريام أن هذا التحالف أسقطَ عبر الزحف العسكري من الأطراف، وحكم منغستو هيلا ماريام عام 1991. في تلك الأثناء قررت "جبهة تحرير أرومو" الانسحاب من "ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي" في عام 1992، فتم طردها بعد محاولتها الفاشلة لتأكيد استقلالها عن "جبهة تحرير مورو" داخل التحالف. وعقب الاستيلاء على السلطة في أديس أبابا، أصبح التيغراي على الرغم من قلة عددهم، القومية المسيطرة على مفاصل السلطة والثروة في إثيوبيا لمدة عقدين من الزمن حتى مجيء آبي أحمد.

تفجرت الحرب بين جبهة التيغراي والسلطة المركزية في إثيوبيا، بعد إدراكها مخاطر تحالف رئيس الحكومة الإثيوبية، أبي أحمد، مع رئيس جمهورية إريتريا، أسياس أفورقي. فبوصول آبي أحمد إلى السلطة، شعر التيغراي بزوال مجدهم، وبدأوا في التمرد بعد أن أقال أغلب قادتهم في الجيش الذين كانوا يهيمنون عليه بشدة، بينما كانت الرُتب الصغيرة للأرومو، كما سُجن بعض قياداتهم بتهم الفساد، وفرَّ على إثر هذه الملاحقات قيادات من القوات الجوية وغيرها من الفروع العسكرية الأخرى.

 ولذلك رفضت جبهة التيغراي في 2019 الالتحاق بحزب الازدهار، بديلاً عن الجبهة الثورية، كما قاطعت الانتخابات التشريعية، وعقدت انتخابات مستقلة محلية وتشريعية في إقليم التيغراي، وبعدها بدأت الجبهة الحرب لطرد الجيش الفيدرالي الإثيوبي من الإقليم، في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020.

أدّت هذه التداعيات إلى سعي الحكومة الفيدرالية لإخضاع الإقليم ومكافحة الجبهة وتدميرها، وبدأت حربها في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 تحت مظلة تسليم سلطة الإقليم لمجموعة موالية لحزب الازدهار، واعتبر البرلمان الفيدرالي في السابع من الشهر نفسه حكومة التيغراي غير شرعية ومنظمة إرهابية. ومع تداعيات الحرب، اتّبعت الحكومة سياسة إبعاد التيغراي من المواقع الرسمية. وعلى وجه مقابل، حاولت الحكومة تكوين تنظيم معارض لجبهة التيغراي. تبدو هذه السياسة غير متكاملة وتقليدية، انحرفت نتائجها عن الغرض من تدشينها، فقد أحيت الوعي الجمعي لدى التيغراي بالاضطهاد من الحكومة المركزية، ما أعاد الاعتبار لجبهة التيغراي مركزاً للعاملين، السياسي والعسكري.

في خضم الحرب التي تشنها ضد السلطة المركزية، قامت جبهة التيغراي في 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، بتشكيل تحالف من الحركات المعارضة تحت اسم: "الجبهة المتحدة للقوى الإثيوبية الفيدرالية والكونفدرالية"، ويضم تسع حركات شملت، جبهة التيغراي، جيش تحرير الأورومو، حركة أجاو الديمقراطية، الجبهة الموحدة الثورية الديمقراطية العفرية، الحركة الشعبية لتحرير بني شنجول، الجيش الشعبي لتحرير جامبيلا، حزب كيمات الديمقراطي، الجبهة القومية لتحرير السيداما، مقاومة الإقليم الصومالي، بحيث يغطي كل أقاليم إثيوبيا باستثناء قومية الأمهرا.

خاتمة

يرى المحللون المتابعون لشؤون الصراعات الإثنية والإقليمية في منطقة القرن الإفريقي، أنَّ تشكل هذا التحالف في واشنطن له مغزى كبير، لا سيما في ضوء فشل المحادثات التي أجراها المبعوث الأمريكي جيفري فيلتمان الشهر الماضي في أديس أبابا، حيث التقى نائب رئيس الوزراء ووزيري الدفاع والمالية. ولم تشارك قومية الأمهرا في تحالف الجبهة المتحدة من جرَّاء تنامي العداء بين الجماعتين، بسبب تحالف الأمهرا وحكومة أبي أحمد، الأمر الذي يفرض نوعاً من الصراع الإثني من المرجّح استمراره لفترة طويلة في إثيوبيا.

لقد نشأ تحالف "الجبهة المتحدة للقوى الإثيوبية الفيدرالية والكونفدرالية" كاستجابة للأزمة التي ضربت القوميات المختلفة، ولطبيعة نظام حكم أبي أحمد الفردي والرافض للتعاون مع الحركات المعارضة، ما جعل هذا التحالف يطالب بإسقاط الحكومة الفيدرالية بزعامة أبي أحمد عبر وسيلتين، التفاوض أو القوة العسكرية وتشكيل حكومة انتقالية. وإذا كانت الحرب الجارية في إثيوبيا أسهمت في توحيد جبهة التيغراي، وصارت أقرب إلى استعادة علاقاتها التقليدية مع القوميات الإثيوبية، وذلك باستثناء تصنيفها جماعة الأمهرا أعداءً، فإنَّ هذا التحالف الجديد على الرغم من تلقّيه الدعم الأمريكي، لا يملك برنامجاً سياسياً واضحاً للعودة إلى حكم إثيوبيا وتشكيل الوضع السياسي، في ضوء غياب تمثيل قومية الأمهرا في تحالف الجبهة المتحدة، ما يجعل استعادة الفيدرالية الإثنية أو بناء النظام الجديد، بمنزلة التحدّي الأكبر، الذي سيواجهه.

توفيق المديني

إخترنا لكم من العدد