مجلة البلاد الإلكترونية

الذي يحاصر لبنان ويمنع عنه المعونات هو أمريكا وكل المسرحيات التي تحاول سفيرتها أن تقوم بها لن تؤثر في إخفاء هذه الحقيقة التي باتت واضحة لدى غالبية الشعب اللبناني.

العدد رقم 320 التاريخ: 2022-01-22

لماذَا بَقيتْ بلدانُنا العَربيّة عَصيّة عَلى التّحوّلِ الدّيمُقراطي المَدَني؟!

نبيل علي صالح

لماذَا بَقيتْ بلدانُنا العَربيّة عَصيّة عَلى التّحوّلِ الدّيمُقراطي المَدَني؟!

 

نبيل علي صالح

كاتب وباحث سوري

 

أثبتتْ تجاربُ الشّعوبِ والأممِ في كلّ حركةِ التّاريخ الحديث، أنّ أفضلَ الأنظمةِ السّياسيّةِ والحكوماتِ التّنفيذيّة القادرة على بناءِ مجتمعاتٍ متقدمة ومُزدهرةٍ (وبالتّالي خَلْق أفرادٍ منتجين سعيدين) هي أنظمةُ الحُكم الدّيمقراطيّة المدنيّة القائمة على الحُرّيّات والتّعدّديّة والمُشاركة وقيم المواطنة الصّالحة.

هذه الأنظمة التعددية الحرة نجحت هناك في الغرب، وبنت فيه مجتمعات قوية وقادرة، عاشت وتعيش حياة متطورة، تحققت فيها حقوقها وكرامات أبنائها في كل مواقع حياتهم الخاصة والعامة بصرف النظر عن إيمانهم الخاص وقناعاتهم الذاتية وسلوكياتهم وعاداتهم، كشأن داخلي.

وقد لاحظنا سابقاً (في بحوث ودراسات سابقة) أن التحولات السياسية الديمقراطية المطلوبة عربياً (وإسلامياً) لا تعني نقل ونسخ تجارب الآخرين، على ما فيها من تشوهات وعلل) بقدر ما تعني ابتكار نماذج ملائمة، تستقي معاييرها ومتانتها من النسيج الحضاري للأمة، بما يحقق القيم الحقوقية الكبرى، من حرية وعدل وكرامة إنسانية.. وهنا نسأل:

لماذا نجحتْ في الغرب - وفي كثير من البلدان التي باتت تدور في فلكه - تجاربُ العلاجِ بالديمقراطية، بينما فشلت في منطقتنا العربية؟!! ولماذا لم يتمكن العربُ من بناءِ دول مدنية مستقرة وآمنة وعصية على الصّراعات والتغيرات السلبية العنفية المكلفة، في وقتٍ هُمْ بأمَسّ الحاجة إليها، حيث تراهم ما زالوا يئنون ويألمون تحت سطوة كثيرٍ من أمراض السياسة والاقتصاد والاجتماع البشري، والتي يلمسونها ويعاينونها واقعياً في حياتهم ومعيشتهم، ويمكننا نحن كمراقبين متابعتها وتدقيقها في كثير من البيانات والأرقام والتحليلات الواردة عبر منصات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، وهي تعطي وتصف بعمق وعلم وواقعية حصيفة، حالةَ التّردي والاهتراء والتخلف والانكسار الحضاري العربي، وواقع البؤس والانحطاط و"المقت" الذي نعيش في كافة جوانب حياتنا رغم كثير من مظاهر وشكليات الحداثة وزخارفها الملونة المبهرة؟!.

فهلْ ستتحقّقُ ومتى ستتحقّقُ آليات التداول السلمي للسلطة كجوهر للعملية الديمقراطية في بلدانٍ عربيّة هدّها الجّوع والحِرمان، وأنهكها القَسر والضّغط والفَساد والإقْصاء وعدم المشاركة في صنع القرار والمصير؟!.

وإذا لم تتحقق، فهل هذا يعني أن الخلل فينا، وأننا نحن العرب مختلفون جوهرياً عن باقي شعوب الأرض (التي أنجزت ديمقراطيتها فتحضرت وتقدمت)، في عقولها ووعيها ومسؤولياتها؟! هل لدينا تراكيب دماغية عضوية مختلفة ومغايرة (لجهة السلب والنقص) عن تراكيب أدمغتهم؟!.. أين يكمن الخلل، في الذات أم في الموضوع أم في الاثنين معاً؟! هل الثقافة والتراث أمراض مانعة، أم هي السياسة وألاعيبها ودهاليزها ومصالح نخبها؟!.

لا يمكن في واقع الأمر نسبة الخلل والتخلف العربي لدافع أو سبب واحد.. فكثيرة هي الأسباب المانعة لحدوث (وانبثاق) التحول الديمقراطي في عالمنا العربي، والتي سجلتها ووثقتها أفكار ودراسات كثير من النخب العلمية والثقافية والسياسية العربية، ويأتي في مقدمتها أهم سبب وهو هيمنة الاستبداد المعيق لبناء المجتمع المدني بمختلف هيئاته ومنظماته وآلياته العملية، وعدم السماح للمرأة وجيل الشباب من الحضور الفاعل والمنتج في بلدانهم ومجتمعاتهم.

طبعاً الاستبداد ليس العامل المانع الوحيد بل هناك إلى جانبه تقف البني التقليدية وموروثات العصبيات (الفكرية والاجتماعية) التاريخية المهيمنة التي لم تتمكن مبادئ العقلانية والإنسانية والقيم الحقوقية والتعليم الحديث والاطلاع على تجارب الغرب وغيرها، من التأثير فيها أو تطويعها لصالحها أو تكييفها مع تحولات البناء الديمقراطي العربي المأمول.

لقد تحوّلت العصبياتُ التاريخية عندنا إلى قوة كبرى ما زالت تصول وتجول في كافة مواقع الأمة ومختلف أوصالها بلا منافسة أو إعاقة أو مواجهة واضحة وصريحة من منافس حقيقي معياري لا في السياسة ولا في غيرها.. وحتى على صعيد العلم والمعرفة العلمية والنتاجات الإبداعية العلمية، فإنك تجد أن كثيراً من العاملين فيه مصابون بمرض العصبيات العمياء التي تحركهم وتوجه مساراتهم وتحدد غاياتهم.

من هنا اعتقادنا أنَّ جذرَ العطالة الأكبر المانع للتحولات السياسية التعددية كآلية لتنظيم حياة العرب السياسية، والكامن في فكر وعقلية وسلوكية الاستبداد، يستمد ماءه ونسغ حياته من هذا الموروث العصبي الغائر في اللا شعور والحاضر في الوعي والسلوكيات والأفعال.. الأمر الذي يمنع كل الجماعات الأهلية والمكونات الاجتماعية التاريخية التي تتألف منها المجتمعات العربية من التعبير الجدي عن ذاتها في فضاء الوعي والمسؤولية والحضور الفاعل في ساحة الحياة.. وهو ما ينعكس سلباً على سلوكياتها وعلاقاتها حيث تعود - نتيجة سياسات الاستبداد والمنع والكبت والإقصاء - إلى داخل هويتها المغلقة وكهوفها التاريخية المظلمة لتجد فيها ملاذها الآمن، لتتجذر فيها وتحتقن وتتمنّع..!!.

وإذا ما تعمّقنا أكثر في هذا المقام، يمكن القول بأن مجتمعاتنا وبلداننا العربية باتت محكومة حالياً بثلاثية الاستبداد والعصبيات والفساد.. فمن ناحية هناك السلطات الرسمية الحاكمة التي تعيق التطور والتحول، وتعمل على تطويع وقسر الفرد واعتقال فكره وعقله لصالح مقولاتها القبلية بمختلف الوسائل الترغيبية والترهيبية (معنوياً ومادياً)، ومحاربته بلقمة الخبز أو بالعزل والاتهام والسجن أو بالنفي والاستبعاد من خلال اتباع سياسة "القمع البوليسي الأمني والفكري الأيديولوجي".. ومن ناحية ثانية هناك سلطة العادات والتقاليد الاجتماعية التي أضحت مع مرور الزمن ديناً قائماً لوحده. أصبح له دعاته ومناصروه في كل حدب وصوب.. ومن ناحية ثالثة هناك السلطة الدينية المزيفة (وعاظ السلاطين) المتحالفة مع مراكز السلطة السياسية والأمنية من أجل الوصول إلى المصالح الذاتية المشتركة التي لا يمكن أن تتسع دوائرها إلا من خلال الإبقاء على حالة التخلف الفكري والنفسي، وتكريس واقع التبعية والاستلحاق التي يرزح تحته أبناء المجتمع كلهم.

وباعتقادي حتى نتمكن في داخل مجتمعاتنا المأزومة بهيمنة العصائب الثلاث المذكورة، من تفكيك عراها وتحطيم مكوناتها، وضخ الأمل في نفوس الناس بحدوث تقدم سياسي وبالتالي علمي وصناعي مستقبلي لاحق، فإن الأمر مرهون – ليس فقط بمدى قدرتنا الفكرية والعملية على الاستجابة الفاعلة لتطورات الحياة والزمن - وإنما مرهون أيضاً (وبشكل أساسي) إلى ضرورة إحداث تغييرات هائلة على صعيد الحكم والسلطة والمشاركة والحرية، أي بناء أسس التحول الديمقراطي المدني، لأننا لن نستفيد من أي تطور عملي يمكن أن توفره الحضارة الحديثة إلا إذا ساهمنا وشاركنا في إنتاجه وإبداعه، ومن باب أولى فهمه ووعيه.

ونحن لا يمكن أن نطور العلم وننتج منجزاته الحديثة مع وجود الاستبداد وهيمنة الطغاة وأيديولوجيات القمع، واتساع قاعدة ورقعة عقلية القبيلة المتحكمة بوجودنا، والتي يعمل أصحابها على تدمير أي فرصة لربط –مجرد ربط- البلاد العربية بتيارات التقدم العلمي والتقني.

وعندما تفشل الدولة في كسب ثقة (ورضا وود) أفرادها ومواطنيها، ومد جسور التعاون معهم، والعمل المستمر على تحقيق مصالحهم وطموحاتهم وتطلعاتهم من خلال اعتماد مشروع استنهاض سياسي واجتماعي يعبر عن آمالهم وعن نسيجهم الحضاري، بما يحفزهم للمشاركة الشاملة في عملية التنمية الفردية والجماعية.. أقولُ: إنّ عدمَ تحقيق كلّ تلك الآمال التي تتناقض مع مصالح النخب السياسية العربية الحاكمة العاملة على أهداف ذاتية معاكسة تماماً لأهداف الجماهير سيحول الدولة (وقد تحولت فعلياً) – عندما تعمل على ترسيخ شعاراتها ووجودها – إلى مجموعة إقطاعات ومزارع خاصة لها أفرادها وأزلامها الدائرين في فلكها.

إنَّ بلداننا ما زالت مرتهنة للأمراض السابقة، ولا معالجة جدية لها إلى بسلوك طريق التحول السياسي الجدي والحقيقي، والرهانات قائمة وموجودة، تحتاج فقط للإرادات الواعية والجدية.. على الرغم من أننا ما زلنا أمة ليس لها التغني بأمجادها وتاريخها وهويتها.. أمّة لا تحترم الإنسان ولا تقدر مواهبه وطاقاته الكامنة ولا تسعى لتنميته وتأهيله التأهيل العلمي والعقلي المعياري الصحيح.. بينما هناك أمم أخرى تعتبره قدس الأقداس، ومن أجله ولأجله خلق الله الكون والوجود والحياة.. فهو السيد.. وهو "الفرد - المواطن" قيمة القيم.

نعم، بالحرية والحق يعيش الإنسان ويبني ويطور ويصنع ويقدم ويعطي ويبدع، وليس بالكذب والنفاق والدجل وصناعة الخوف والرعب، وتحويله إلى مجرد إمّعة تابع ومستلب ومذلول العيش ومسحوق الكرامة الإنسانية التي هي أثمن شيء أعطاه له الخالق عز وجل في قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾(الإسراء/70). وهو تكريم الكرامة والعقل والتفكير والبناء الحضاري.

وللأسف نحن لم ننجح في الاستجابة الفاعلة لهذا النداء الإلهي العظيم.. لقد فعلها غيرنا.. فعلى المستوى الفكري كان العقل هو محك الفكر والعمل، وكانت التجربة هي مقياس الصدق والنجاح في المستوى العملي، وأما على المستوى السياسي فقد كانت الفكرة الديمقراطية إحدى أهم الأفكار التي أنتجتها مخيلة الإنسان كآلية سياسية لإدارة الشأن العام، وتسيير مختلف شؤون المجتمع بصورة سلمية بعيدة عن العنف المادي والرمزي، وإقامة نظم سياسية على أساس تداول السلطة وليس تأبيدها لصالح هذا أو ذاك.. وأما على المستوى العملي فقد تم التركيز على إطلاق حريات الناس بصورة كاملة في التعبير عن الرأي وعلى مستوى حقهم في التنظيم السياسي وعلى مستوى إفساح المجال للحافز الفردي لكي ينطلق في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية.

أين نحن اليوم؟!!.. للأسف الإجابة صعبة وخطيرة للغاية؟!!.

إخترنا لكم من العدد