مجلة البلاد الإلكترونية

الذي يحاصر لبنان ويمنع عنه المعونات هو أمريكا وكل المسرحيات التي تحاول سفيرتها أن تقوم بها لن تؤثر في إخفاء هذه الحقيقة التي باتت واضحة لدى غالبية الشعب اللبناني.

العدد رقم 320 التاريخ: 2022-01-22

عقوبات على بيلاروسيا.. الخلفيات السياسية لأزمة الهجرة

ابتسام الشامي

عقوبات على بيلاروسيا.. الخلفيات السياسية لأزمة الهجرة

اتخذت أزمة الهجرة إلى أوروبا منحى تصعيدياً بعد إعلان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فرضَ عقوبات على شخصياتٍ وكيانات من بيلاروسيا تتّهمها بتسهيل عبور لاجئين من الشرق الأوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر حدودها المشتركة مع بولندا وليتوانيا..

يأتي ذلك على مسافة قصيرة من تلميح حلف الناتو بإمكانية نشر أسلحة نووية شرق أوروبا، الأمر الذي ردّت عليه مينسك سريعاً بقرار إفساح المجال لروسيا لنشر أسلحة نووية على أراضيها.

خلفيات التصعيد

شهدت العلاقات الغربية مع بيلاروسيا ارتفاعاً ملحوظاً في مستوى التأزُّم بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة في آب من العام الماضي، حيث أُعيد انتخاب الرئيس ألكسندر لوكاشينكو لولاية رئاسية جديدة، رفضت واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي الاعتراف بشرعيتها، واتّهمت مينسك بتزوير الانتخابات والتلاعب بأصوات الناخبين وإقصاء المعارضة. وعلى خلفية نتائج الانتخابات هذه، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 166 شخصية وكياناً بينهم لوكاشينكو واثنان من أبنائه بتهمة قمع احتجاجات نظمتها المعارضة رفضاً لنتائج الانتخابات، قبل أن يتخذ الاتّحاد خطوة تصعيدية أخرى ضد بيلاروسيا بفرضه في حزيران الماضي عقوبات اقتصادية على قطاعات أساسية للاقتصاد البيلاروسي، وبموجبها منعت خطوط الطيران البيلاروسية من التحليق في مجاله الجوي، وهو ما رأت فيه الجمهورية السوفياتية السابقة تدخلاً سافراً في شؤونها وتهديداً لأمنها القومي ومحاولةً لزعزعة استقراراها السياسي وعلاقاتها الخارجية لاسيما مع روسيا، التي تبدو مستهدفة تماماً في التصعيد المتعمّد ضد حليفتها.

على أن الأزمة السياسية المتفاقمة بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي ومن خلفه الولايات المتحدة الأمريكية، لن تبقى أسيرة المواقف الحادة فحسب وإنما ستترجم عملياً بتوترات باتت تهدّد أمن القارة الأوروبية التي وجدت نفسها في تحدٍّ مع أزمة انسانية بأبعاد سياسية وربما عسكرية أيضاً. فإلى تزوير الانتخابات، وقمع المعارضة، ضمت لائحة الاتهام الأوروبية لمينسك عنواناً جديداً هو، تسهيل عبور آلاف اللاجئين من الشرق الأوسط إلى دول الاتحاد الأوروبي، كإجراء انتقامي من قبلها على مواقف بروكسل من الانتخابات، ورفضها الاعتراف بشرعية الرئيس.

عقوبات جديدة على خلفية الهجرة

الاتهام الأوروبي لبيلاروسيا بافتعال أزمة الهجرة، ترتّب عليه إجراء عقابي جديد ضدها تمثّل بفرض المزيد من العقوبات عليها. وفي هذا السياق، وافق ممثلو الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في الأول من الشهر الجاري على إدراج 28 فرداً وكياناً في قائمة العقوبات المفروضة على بيلاروسيا رداً على تسهيلها، بحسب بروكسل، تدفُّق المهاجرين إلى حدود التكتل، ومن بين المستهدفين الجدد 17 مسؤولاً و11 شركة أو هيئة رسمية.

بدورها لم تنأ الولايات المتحدة الأمريكية بنفسها عن القضية، بل سارعت إلى الإعلان عن رزمة عقوبات خاصة فرضتها على بيلاروسيا تشمل 12 كياناً و20 شخصاً بينهم نجل الرئيس البيلاروسي، إضافة إلى تحديد طائرتَين على أنها ممتلكات محظورة، وذلك على خلفية "أزمة المهاجرين" و"الانتخابات المزورة". وادّعى مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية (OFAC) قيامه بهذه الإجراءات بذريعة ما سماه "التجاهل الصارخ من نظام لوكاشينكو للمعايير الدولية ورفاهية مواطنيه". وأوردت الخزانة، في بيانها، أنها فرضت العقوبات على نجل الرئيس، دميتري "لكونه مسؤولاً رفيع المستوى، أو فرداً من أسرة هذا المسؤول، أو شخصاً مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمثل هذا المسؤول عن الفساد العام المتعلق ببيلاروسيا أو شارك فيه".

توتر أمني

ولم تقف تداعيات أزمة المهاجرين بين بيلاروسيا وبروكسل عند حدود العقوبات وإنما تعدتها إلى تصعيد عسكري أمني، من شأنه أن يرفع من سخونة المشهد السياسي في أوروبا وأن يغير الستاتيكو القائم فيها منذ الأزمة الأوكرانية عام 2014، وعلى خلفية التصعيد القائم بين روسيا وأوكرانيا، أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبيرغ أنه "في حال رفض ألمانيا وضع أسلحة نووية على أراضيها، فقد يتم نشرها في دول أوروبية أخرى بما في ذلك شرقي ألمانيا"، في إشارة إلى بولندا التي سبق لرئيسها أندريه دودا، أن دعا أمين عام حلف "الناتو" إلى رفع جاهزية القوات الأطلسية على الجانب الشرقي. تصريح سرعان ما رد عليه لوكاشينكو بالإعلان أن بلاده ستعرض على روسيا نشر أسلحة نووية على أراضيها في حال نشر أسلحة نووية للناتو في بولندا، محذراً الأخيرة من تنفيذ تهديداتها بإغلاق الحدود مع بلاده، وقال إنه مستعد لوقف ترانزيت الغاز الروسي عبر بيلاروسيا إلى أوروبا كردٍّ على هذه الخطوة.

ورداً على العرض البيلاروسي أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، أن موسكو سمعت ما قاله لوكاشينكو، وأخذت في الاعتبار إشارته بشأن احتمال نشر أسلحة نووية روسية على أراضيها. وأضاف ريابكوف "نحن مسؤولون للغاية عن التزاماتنا بموجب جميع الاتفاقات التي تكون روسيا طرفاً فيها، ولا شك لدينا أن بيلاروسيا تفعل نفس الشيء". وبحسب المسؤول الروسي فإنه: "لا يزال يتعين على الزملاء الغربيين التوقف والتفكير فيما يفعلونه. لماذا يقوّضون النظام القائم للأمن الدولي من خلال أفعالهم العملية، وبياناتهم، وجهلهم بأشياء واضحة، بما في ذلك التعدِّي على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية؟".

خاتمة

يؤشر التصعيد السياسي المترافق مع استنفار عسكري، أن العلاقات الروسية الأوروبية مقبلة على المزيد من التوتر، الذي قد يأخذ اشكالاً متعددة، سياسية وربما غير سياسية، ولعل طلب بيلاروسيا من حليفتها روسيا تزويدها بمنظومات الدفاع الجوي S-400، S-500، لتدافع عن نفسها بشكل فعّال من أي هجوم صاروخي، يدخل في إطار الاستعدادات لمواجهة التحديات الامنية التي نتجت عن الاشتباكات السياسية. ولعل قول رئيس الوزراء البولندي، ماتوش مورافيتسكي، بإنه "لا يستبعد انجرار التصعيد على الحدود مع بيلاروسيا إلى حرب"، يوضح اتّجاهات التّصعيد ما لم تنجح الوساطات القائمة في لجمه.

ابتسام الشامي

إخترنا لكم من العدد