مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

أمريكا تنسحب عسكرياً من العراق أم تتمادى بالتدخل سياسياً؟!

زينب عدنان زراقط

أمريكا تنسحب عسكرياً من العراق أم تتمادى بالتدخل سياسياً؟!

زينب عدنان زراقط

ضربات موجعة طالت القواعد الأمريكية في العراق في ظلِّ عمليات اغتيالٍ طالت قادةِ الحشد الشعبي وتحرُّكٍ لإرهابيي داعش من جديدٍ تزامُناً مع انتخابات برلمانية وحكومية ليست بعيدةً عن التوجيه الأمريكي والعلم والخبر بكلِّ جديد قبل وروده.. 

فهل كان ما قد اُتّفِق عليه من انسحاب للقوات الأمريكية من العراق كان مراوغةً لتخدير الوضع لفترة زمنية معيّنة قُبيل الفورة الكبرى؟.

منذ مطلع العام 2020، كان لدى الولايات المتحدة بضعة آلاف من الأفراد العسكريين في العراق يقدمون مساعدة قتالية مباشرة لمؤسسات الأمن العراقية والقوات الأمريكية في شرق سوريا. وفي أعقاب استهداف الجنرال قاسم سليماني في كانون الثاني 2020، أقرّ البرلمان العراقي إجراءً غيرَ ملزمٍ يدعو إلى إخراج القوات الأجنبية والأمريكية في المقام الأول من العراق. 

بعد انتخاب حكومة عراقية جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي في العام 2020، انطلقت المحادثات الاستراتيجية بين العراق وأمريكا، وفي أواخر العام 2021، تم الإعلان نهاية شهر كانون الأول، أن دور القوات الأمريكية بات غير قتالي، مع التأكيد على الاستمرار في تقديم الدعم الجوي والمساعدات العسكرية الأخرى للقوات العسكرية العراقية. 

لقد أعاد أثار هذا الأمر الجدل حول الغرض من المهمة العسكرية الأمريكية في العراق. فلماذا انخرطت الولايات المتحدة في العراق؟ وما هو الغرض من الحفاظ على موطئ قدم عسكري هناك؟ وماذا سيحدث إذا أخرجت الحكومة العراقية القوات العسكرية الأمريكية، أو إذا انسحبت الأخيرة تلقائياً؟ وإذا ما بقي الجيش الأمريكي في العراق، فماذا يجب أن يشكل هذا الوجود؟.

وفق تجربة الشعوب والدول حيال سياسات واشنطن التي تقوم على المماطلة والتسويف إضافة للمناورة التي تصل إلى حدِّ تغيير الموقف في اللحظات الأخيرة، إضافة للشكوك التي تحوم حول جدية واشنطن بالانسحاب من العراق فعلياً دون محاولة الالتفاف، وفي ظلِّ التهديدات المُباشرة لفصائل المقاومة العراقية في حال عدم الانسحاب بعد انتهاء المدة المتفق عليها. يبدو أن التواجد الأمريكي في قاعدة عين الأسد لم يطرأ عليه أي تغيير حتى الآن والحديث عن بدء الانسحاب الأمريكي من العراق ما هو إلاّ زوبعة إعلامية بعيدة عن الواقع. فالتحليق مستمرٌ للطائرات الأمريكية بحيث أن هناك أكثر من 500 طلعة جوية للطائرات الأمريكية، والإسرائيليون يستغلون هذه الطلعات لتحقيق مصالحهم، إذاً.. ماذا تفعل الطائرات المسيرة في مناطق جنوب العراق؟.

اغتيال "سليماني والمهندس".. خطأ أمريكي فادح

لقد ظنّ – القاتل - الرئيس الأمريكي – السابق - "دونالد ترامب" عندما خرج على العالم ليجاهر بجريمته التي نفّذها الطيران الحربي الأمريكي لاغتيال الشهدين "الجنرال سُليماني" - قائد فيلق القُدس- والقائد أبو مهدي المهندس - نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي -، لدى خروجهما من مطار بغداد الدولي، في انتهاكٍ صارخ للقانون ولسيادة العراق، أنه قد قضى على المقاومة وتخلّص من "قادة النصر" اللذَيْن أفشلا أخطر وأكبر حلقات التآمر الأمريكي على العراق، المتمثلة بـ "داعش". لاعتقاده أن بإمكانه أن يحوّل العراق إلى "دويلة" تلعب وتمرح بها القوات الأمريكية، والموساد الإسرائيلي، كما في باقي الدول الأخرى في المنطقة.

لقد شعرت القوات الأمريكية في العراق، بعد القضاء على "الجماعات الإرهابية" أنها ستفقد "شرعيتها" المزيفة، التي كانت تبرر بها تواجدها غير القانوني في العراق، وظنّت أنها من خلال التخلص من قادة النصر على "داعش"، ستُحدِث فجوة في امتداد محور المقاومة، عبر فصل العراق عن هذا المحور، وبذلك ستخفف من الضغوط على "إسرائيل"، وهو ما اعترف به رئيس الوزراء السابق للكيان الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، عندما تبجّحَ بالقول إن ترامب عمل بنصيحته بالتخلّص من الشهيد سليماني، وشكره على جريمته!.

اليوم، وبعد مرور عامين على تلك الجريمة النكراء، أدركت أمريكا أنها ارتكبت خطأ فادحاً بقتلها قادة النصر، فلا أمنَ ولا أمانٍ لجنودها في العراق، فأبناء الشهيدين سليماني والمهندس، عقدوا العزم، على الانتقام لدمائهما الطاهرة، وهو انتقام لن ينتهي إلا بطرد القوات الأمريكية من العراق وإلى الأبد، وهذه الحقيقة تكشفت، من خلال الاعتراف الصريح للمجرم ترامب، بأن نتنياهو هو الذي ورطه في هذه الجريمة.

المراقب للحشودِ المليونيةِ في العراق، وهي تحيي ذكرى اغتيال قادة النصر، والشعار الموحد الذي رفع في جميع تلك المراسم، وهو شعار إخراج القوت الأمريكية، من العراق، يدرك جيداً، أن أمريكا التي أرادت التخلص من سليماني والمهندس، نراها اليوم تواجه عشرات الآلاف من العراقيين السائرين على نهج سليماني والمهندس، لا هدف لهم إلا طرد الأمريكيين من العراق، بعد ان انتهكوا سيادته وقتلوا خيرة أبنائه. 

سيدرك الأمريكيون عاجلاً، أن دماء "الشهيد سليماني" و"الشهيد المهندس" ستقضي على تواجدهم في العراق وباقي دول محور المقاومةِ!.

قناة العهد الإخبارية العراقية وجّهت في مُقدمةِ نشرتها رسالةً حادّةً ومُباشرةً إلى رئيس الحكومة العراقية في ذكرى استشهادِ القادة "المهندس وسُليماني"، وهي الآتي: "يُرتجى من رئيس حكومةٍ اتّخذَ من الصمتِ موقفاً في ذكرى استشهادِ المُهندس، المحترمون لا يقبلون الإساءةَ إلى بُلدانهم حتى في أوجّ الخلافات السياسية، فكيف لو كان اعتداءً وجريمةً مثل الذي حدث، - اعتداءً على وفقِ المفوضيةِ الأمميةِ لحقوق الإنسان وليس أحدٌ آخر - حتى لو كان الشهيد مطلوباً للدولة العراقية.. كان على الدولة العراقية لو تحترم نفسها سترفض ما قام به المخبول ترامب - هذا لو كان مطلوباً - كيف إذاً وهو صاحب موقفٍ مُشرّفٍ في الحرب على الإرهاب؟! كيف إذا وصفهُ المرجع الأعلى الذي نتّفق جميعاً على حكمتهِ ورفعتهِ بقائد النصر هو ورفيقهُ "سليماني"، لنفترض أنك يا رئيس الوزراء لم تكن تتوسّل في السابق لأن تكون على علاقة جيدة بالمهندس ولو لم تكن تتودّد من المُقرَّبين منه مثلما يؤكّد كل الذي يعرفك في السابق، لماذا تتعامل مع الأمر على أنه مساس بالكرامة العراقية أو خرق للسيادة هل يُعقل أن يصل بك الأمر إلى هذا الحدّ بأن تتعامل وكأن شيئاً لم يكُن وللعام الثاني على التوالي مع حاثة بهذا الحجم، بماذا تُفكِّرُ مثلاً؟ كسب ودِّ دول الخليج أم تخشى الموقف الأمريكي؟ ما بها من تفسير!! يا مُصطفى لو كُنتَ كاظمياً فعلاً ألم تسمع أنّ "من يهُن سهلُ الهوان عليه"..."، مُقدمةٌ اختصرت في لُبّها صُلب معدِن الكاظمي، الذي ما يزال يرمي بالسمّ وهو مبتسم طاعِناً في ظهر العراق مولّياً قبلته ناحية أمريكا.

القواعد الأمريكية تحت النار

على كُلٍ، إنه لم تكد تمر أيام قليلة على بداية العام 2022، حتى عادت عمليات استهداف القوات الامريكية في العراق، والتي تصاعدت يوماً بعد يوم، وتنوَّعت ما بين قصفٍ بالصواريخ أو بالطائرات بدون طيار. هذه العمليات إن دلّت على شيء، فهو بأنها لم تقتنع بعد بتطبيق انسحابِ القوات الامريكية القتالية من العراق بعد، خلافاً لما تدّعيه البيانات الرسمية الصادرة حول ذلك.

لم تسلم القواعد الأمريكية لا في "عين الأسد" ولا في قاعدة "فكتوريا"، ولا حتى رتل الدعم اللوجستي للاحتلال قد نفذ على الطريق السريع بين منطقتي اليوسفية والمحمودية شمال بغداد، وأيضاً لم تسلم محافظة القادسية العزيزة والديوانية وبغداد اليوسفية من صواريخ المقاومة "حيدر 1" ومسيراتها "FiX Wing" وعبوات فاطر المزدوجة الرأس.

وقد لاقت المقاطع الموثّقة من عمليات ثأر القادةِ التي استهدفت قاعدة "فكتوريا" التي تتمركز بها قوات الاحتلال الأمريكي بالقرب من مطار بغداد، والتي تبنّتها مجموعة مجهولة تطلق على نفسها "سرايا أبابيل" بطائرات مسيرة، اهتماماً كبيراً من قِبَلِ كبار المؤسسات الإعلامية ومراكز البحوث والدراسات العالمية وجرى التركيز والتداول الواضح حول المواد المستخدمة وجودة الكربون فايبر المستخدمة في الجسم.

البيت الأبيض أعلن بعد سلسلة الهجمات هذه قائلاً، "نأخذ أي تهديد لقواتنا في العراق على محمل الجد.. ونحتفظ بحق الدفاع عن أنفسنا ضد أي تهديد في العراق وسوريا".

وهذا ما قد لفت إليه الإمام "السيد علي الخامنئي" مؤخراً، حينما دعا القوى العراقية إلى مراقبة الانسحاب الأمريكي هذا بيقظة، الذي يعد إحدى مراحل الانتقام على اغتيال الشهداء قادة النصر.  

إرهاب اغتيالات ومواجهات

بالتّزامنِ مع ضربات المقاومة الموجعة للأرتال الأمريكية، نشطت حركة الجماعات الإرهابية التي عملت على استهداف الحشد الشعبي العراقي واغتيال عناصره وقادته. بحيث أن قام أشخاص مجهولين بدخول دار القيادي "أحمد عبد الرزاق" المنسوب إلى هيئة الحشد الشعبي وإطلاق النار عليهم مما أدى إلى إصابته بعدة طلقات نارية في أنحاء الجسم وقتلوا زوجته وأطفاله الثلاثة بعدة طلقات نارية ليُفارقوا الحياة داخل الدار أمام عينيه، واستشهد بعدها، في مستشفى اليرموك التي تم نقله إليها.

كذلك اغتيل منتسب بالحشد الشعبي بحي القادسية في محافظة كركوك يدعى "علاء سيد ياسر رمضان". وفي المقلب الآخر اغتيل القيادي في التيار الصدري "مسلم عيدان" الكعبي بـ 11 طلقه والعثور على جثته مرمية بمزبلة بحي الشيشان في محافظة ميسان. 

وجرت اشتباكات عنيفة بين الجيش العراقي الفوج الرابع لواء 59 وعصابات داعش الإرهابية أدّت إلى مقتل إرهابيين وجرح عناصر من الجيش، علماً أن الاشتباكات ما تزال مستمرة لحد هذه اللحظة في بساتين التفاحة بمنطقة الطارمية شمال بغداد. وصدّ الحشد الشعبي تعرضاً آخر لعصابات داعش الارهابية شمال شرق محافظة ديإلى.

جرّاء هذه التطورات ردّ الحشد الشعبي ببيان رسمي قائلاً فيه: "إنَّ عمليات استهداف قيادات الحشد الشعبي العامة تأتي بالتزامن مع تحريض الإعلام السعودي والتلويح باستهداف قيادات الحشد بعد سلسلة منظمة من عمليات التحريض، كما أن ثقافة استهداف الأطفال هي ثقافة سعودية وهابية واضحة. 

 وفي حادث غادر وجبان تقشعر له الابدان والمشاعر الإنسانية، استهدف مسلحون مجهولون، الخميس 13/1/2022، منزل عائلة المنتسب إلى الحشد الشعبي أحمد عبد المطلب في منطقة المعالف غربي العاصمة بغداد، ما أسفر عن استشهاد خمسة من أفراد العائلة وقد أقدم المسلحون على اطلاق النار على أفراد العائلة الذين كانوا متواجدين داخل المنزل، ما أسفر عن استشهاد خمسة منهم وإصابة المنتسب بجروح بليغة نقل على أثرها إلى إحدى مستشفيات العاصمة بغداد، فيما تم نقل جثامين الشهداء إلى الطب العدلي وقامت القوات الأمنية بتطويق مكان الحادث وفتحت تحقيقاً فيه لمعرفة ملابساته والوقوف على حيثيات هذه الجريمة البشعة النكراء بحق عائلة آمنة بريئة".

انتخابات عراقية بمُباركة أمريكية

بعد العديد من التأجيلات، عقدت الجلسة الأولى للمجلس النيابي العراقي يوم الأحد الماضي، والتي افتتحها رئيس البرلمان الأكبر سناً "محمود المشهداني" ولكن الحادثة الأخطر التي شهدها البرلمان هو اعتداء نواب الكتلة الصدرية على الرئيس المشهداني، بعد أن اعترضوا على تقديم نواب الإطار التنسيقي، طلباً باعتمادهم الكتلة الأكبر والمؤلفة من 88 نائباً. وبعد احتدام الجدل وتعالي الصياح بين التكتلين، قرّر المشهداني تأجيل الجلسة. لكن سرعان ما استؤنفت الجلسة، بعد تولّي النائب خالد الدراجي مسؤولية رئاسة السن، ما أثار الاعتراض حول قانونية هذه الخطوة.

والأمر الأشدّ ريبةً هو قيام قناة العراقية الرسمية بقطع البث المباشر أثناء بدء العد والفرز وبشكل مفاجئ لم يحدث مسبقاً؛ انطفأ التيار الكهربائي في مبنى مجلس النواب العراقي بالتزامن مع العدّ والفرزِ اليدويّ! - والمُضحك المُبكي في الموضوع أن عدد المصوتين بلغ 228 نائباً زاد واحد بعد قطعة الكهرباء -!! وأُعلن فوز "محمد الحلبوسي" على نظيره "محمود المشهداني"، مُعلناً "ما نحن الا نتاج شهداء ثورة تشرين".

ونقلاً عن المشهداني قال إنه تعرّض لاعتداء وضغط نفسي من بعض النواب ما أدى إلى مُغادرته قاعة مجلس النواب بعد أن أعلن طلب المداولة لسؤال المستشار القانوني عن الطّعن المقدم على ترشيح "الحلبوسي" وذهب إلى مُستشفىً قريب من قاعة المجلس لإجراء فحوصات بعد شعوره بالجهد والتعب نتيجة الاعتداء!.

ليخرج الرئيس العراقي مُباركاً بفوز رئيس مجلس النواب ونائبيه قائلاً أنه "يوم كبير في تاريخنا ومناسبه للمِّ الشَّملِ وجمعِ العراقيين على وحدةِ الإصلاح وتمكينِ الدولةِ والوحدةِ الوطنية" ولكنّ الغريبَ في الأمر أنه كيف استطاع الكاظمي من معرفة فوز النائب الثاني قبل إعلان النتائج بـ 10 دقائق؟!.

والذي يثيرُ الريبةِ هو تقديم السفارة الأمريكية في بغداد أحرّ التهاني للتيار الصدري بفوز "حاكم الزاملي" بمنصب النائب الأول ورئيس المجلس "محمد الحلبوسي" والنائب الثاني للرئيس "شاخوان عبد الله"...! وهل ترضى أمريكا عمّن لا يُشاركها مصالحها أو تُبقي على من لا يعمل بأمرتها وكذيلٍ لها؟!!

"عزت الشابندر" السياسي العراقي والنائب السابق في البرلمان تحدّث عن الذي جرى في الانتخابات "إنه يومٌ أسودٌ في تاريخ العراق، أن يفقدَ القرار العراقي وطينته، السيادة لا تتحقق حين نرفض شرقية القرار لتكون الغربية بديلةً عنه! السيادة عراقية (لا شرقية ولا غربية)".

في الختام، التواجدُ الأمريكيّ في العراق هو على العكس مما أدلى به منذ قيامِهِ بالانسحاب بل كُلما يعمدُ للتغلغلِ أكثر في كيانه السياسي حتى يُحكِم قبضته عليه، وهذا التعنّت لا يُمكن مُقابلته سوى بالمواجهة والقوة الذين "أتوا عمودياً ولكن يجب أن يعرفوا أنهم سيرحلون أفقياً" كما قال الأمين العام لحزب الله "السيد حسن نصر الله". فما الذي تحمله الأيام القليلة المقبلة من مصير للعراق الذي يتقلّب على صفيح تنّورٍ ساخن يُحضّره لانتخابات برلمانية وجمهورية وحكومية جديدة في ظل التدخلات الأمريكية الجائرة؟!.

إخترنا لكم من العدد