مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

الفلسطينيون بين خفض الصراع أو استمرار إشغال الاحتلال

الفلسطينيون بين خفض الصراع أو استمرار إشغال الاحتلال

هيثم أبو الغزلان

.. بين مقولة "لا يوجد شريك" فلسطيني في المفاوضات التي أطلقها رئيس الوزراء الأسبق "إيهود باراك"، وسياسة "التنسيق الأمني المقدس"، انزلقت الأمور وبشكلٍ حادٍّ من مسار سياسي كان يعوّل عليه أصحابه من أجل الحصول على دولة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، إلى منزلق "التنسيق الأمني" والدوران في حلقة مفرغة في الحفاظ على وجود السلطة، ومُتطلّبات ذلك وما يفرضه من التزامات تقيّد السلطة.

لا شريك في المفاوضات

فمنذ نيسان/إبريل 2014، أوقف الكيان "الإسرائيلي" المفاوضات، واتّبع قادته سياسة تعتبر أنه لا يوجد "شريك فلسطيني" للتفاوض معه، وذلك بعد أحد عشر عاماً على توقيع اتفاقية أوسلو في العام 1993، والتي تضمّنت مبادئ عامة لمرحلة انتقالية تمتدُّ لخمس سنوات، بعدها يتم الولوج إلى مرحلة من المفترض أن تُنهي الصراع عبر إقامة دولة فلسطينية على "حدود" 1967. لكن ما حصل وجرى على أرض واقع الضفة والقدس المحتلّتين كان عكس ذلك، حيث ُسارت الوقائع على الأرض بشكل مختلف لما ينبغي عليه أن يكون؛ فسار كل شيء عكس الاتفاقات المُوقّعة التي يصفها "القادة الإسرائيليون" أنّها "غير مقدسة"؛ فقامت الحكومات "الإسرائيلية" المُتعاقبة بتشجيع الاستيطان، وزيادة عدد المستوطنين (145 مستوطنة كبرى، 140 بؤرة استيطانية، وبلغ عدد المستوطنين ما يقارب الـ 600 ألف مستوطن).. وتحوّلت الضفة المحتلة بفعل الاستيطان المتزايد إلى كانتونات مُقطَّعة الأوصال وسيطرة "إسرائيلية" كاملة. ما يعني أنّ المناطق الفلسطينية في الضفة مقطّعة الأوصال جغرافياً، وبالتالي يصعُب إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة عليها.. أما بالنسبة إلى القدس المحتلة، التي تعتبر عاصمة "الدولة الفلسطينية"، فإن التهويد والاستيطان وسياسة هدم المنازل والعزل عن محيطها العربي لا تزال سياسة قائمة ومستمرة، ويعمل الفلسطينيون بكل قوة على مواجهتها والتصدّي لها.

في الموازاة، لا يزال "المجتمع الإسرائيلي" من الناحيتين السياسية والشعبية، ينحو باتجاه اليمين واليمين المتطرّف، وبالتالي، سارت الأمور باتجاه تعزيز خيار "لا يوجد شريك فلسطيني" للمفاوضات، وأنّ الانسحاب من الضفة المحتلة لن يُنهيَ هذا الصراع، بل سيُشكّل تهديداً إضافياً للكيان..

وأخرجت حكومة بينيت - لابيد "المسار الفلسطيني" للمفاوضات من دائرة اهتمامها؛ ولم يعد خيار الدولتين يُشكّل اهتماماً للحكومة أو "للمجتمع الإسرائيلي"، وأصبح خيار إبقاء الوضع الحالي على ما هو عليه يلقى مقبوليّة بشكل متزايد. ويرى "ليهي بن شطريت"، ومحمود جرابعة في مقال بعنوان: "مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في ظل غياب حل الدولتين"، أنّ الوضع الراهن يبدو الحل الأكثر قابلية للتطبيق بالنسبة لليهود الإسرائيليين، فهو الحل الذي يُقدّم أقل مستوى من التكاليف في العلاقات مع منافعها، مقارنة بحل الدولتين. وعلى الرغم من أنه قد لا يكون هذا الحل، هو الترتيب الأمثل، إلا أنه بحسب ـ بن شطريت ـ، هو الأكثر ملائمة أيضاً، ويرتبط بأقل قدر من المخاطرة وعدم اليقين بالنسبة للإسرائيليين". وأكد رئيس وزراء الاحتلال "نفتالي بينيت"، أمام لجنة الشؤون الخارجية و"الدفاع" في الكنيست، أن لقاء أعضاء من الحكومة "الإسرائيلية" مع رئيس السلطة الفلسطينية، "لا يعني أنه يعتزم التقدم سياسياً امام الفلسطينيين في هذا الوقت"، وأوضح بينيت أن "المصلحة الإسرائيلية تقتضي الحفاظ على الاستقرار في يهودا والسامرة وقطاع غزة". 

تقليص مساحة الصراع

وقد أدّى غياب أيّ أفق لتطبيق "حل الدولتين"، وعدم وجود مشروع سياسي بديل، برز مع أداء رئيس وزراء الاحتلال "نفتالي بينيت"، حديث واضح عن "تقليص مساحة الصراع"، وينص ذلك على حفاظ السلطة على الأمن في مقابل تقديمات اقتصادية وخدماتية.. وهذا يعني من الجانب "الإسرائيلي"، ترسيخ الوضع القائم حالياً. ويرى أستاذ التاريخ "الإسرائيلي" "ميخا غولدمان"، أنّ الهدف من رؤية "تقليص مساحة الصراع"، هو تحكُّم "إسرائيل" بالأمن، فيما يقوم الفلسطينيون بإدارة شؤونهم اليومية بعيداً عن "الإسرائيليين". وفي ظل الواقع الموجود يلاحظ غياب أي بدائل يمكن أن تلجأ إليها قيادة السلطة التي لا يوجد عندها إرادة "التمرد" على واقع تتحكم فيه "إسرائيل" بشكل كامل، ولكن في حقيقة الأمر لم يعد أمامها سوى حل السلطة، أو اللجوء إلى المنظمات الدولية للضغط على دولة الاحتلال، أو التحلل من اتفاق أوسلو وتبعاته واللجوء إلى خيار المقاومة الذي يلقى تأييداً شعبياً، وأثبت نجاعته. ومن غير المُرجّح أن تلجأ السلطة إلى اختيار خيار المقاومة في ظل استمرار تبنّيها سياسة "لا بديل عن المفاوضات الا المفاوضات".

وفي مقابل ما يُعلن عنه وينفذه الاحتلال من سياسات استيطانية و"خفض مستوى الصراع"، نجد أن الفلسطينيين لم يركنوا إلى ذلك، بل يواجهون، وعلى مدار الوقت كل تلك السياسات وتبعاتها على الأرض والإنسان الفلسطينيين. ويؤكد قادة في المقاومة الفلسطينية على ضرورة انتهاج سياسة "إشغال الاحتلال"، والاستمرار في ذلك عبر عمليات فردية ومنظمة، وتهيئة الظروف الذاتية والموضوعية، من أجل تفجير انتفاضة جديدة، أو جولة صراع جديدة، كما حصل في معركة "سيف القدس" في أيار/مايو2021، أو عبر ما يحصل في معتقلات وسجون الاحتلال من صراع يومي يخوضه الأسرى هناك كان من أبرز تجلّياته توجيه ضربة لأمن سجن "جلبوع" من خلال نفق الحرية وما تبع ذلك يُعزّز هذا الخيار اعتداءات واقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك، والسرقة والسيطرة على أراضي المواطنين الفلسطينيين في منطقة النقب، حيث يواجه المواطنون ذلك بصدورهم العارية. ويعتبر تقرير سنوي صادر عن "معهد السياسات والاستراتيجيا" برئاسة الجنرال "عاموس جلعاد" أن إحدى التحديات الأمنية الاستراتيجية التي تواجه "إسرائيل"، تتمثّل بتفجّر الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة. بالإضافة إلى ما تُشكّله إيران من "تحدٍّ أمني أهم"، ويُقرُّ التقرير بعدم وجود سياسة ثابتة تجاه الفلسطينيين، ويرى أن النجاح يتمثّل في تقوية السلطة ضمن المساحة "المشتركة في الحفاظ على الأمن والاستقرار"، مقابل تسهيلات اقتصادية وخدماتية.

إنّ الرّهان على المفاوضات مع الكيان "الإسرائيلي" في الحصول على دولة فلسطينية عاصمتها "القدس الشرقية"، هو رهان خاطئ وثبت أنّه غير واقعي، وأنّ الخيار الواقعي الذي ثبُت نجاحه ونجاعته مع الكيان "الإسرائيلي"، هو خيار المقاومة، وإشغال الجيش والمستوطنين ومراكمة خسائرهم حتى لا يستطيعوا تحمُّل كلفة البقاء على الأرض الفلسطينية.

إخترنا لكم من العدد