مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

كازاخستان تستعيد هدوءها.. هذا ما حملته الأحداث وما قالته الرسائل

ابتسام الشامي

كازاخستان تستعيد هدوءها.. هذا ما حملته الأحداث وما قالته الرسائل

ابتسام الشامي

نجحت كازاخستان بالتعاون مع حلفائها في صدِّ ما وصفته بالانقلاب، وانطلقت في عملية تطهير البلاد من المتورطين به.. 

وبينما كانت القوات العسكرية التابعة لمنظمة الأمن الجماعي تنسحب من المدن التي انتشرت فيها بعد عودة الهدوء اليها، كشفت المواقف والتعليقات الدولية على الحدث انه يتجاوز حدود الدولة المترامية الاطراف، ليشكل محاولة لاستهداف موازين القوى القائمة في منطقة آسيا الوسطى.

كازاخستان تستعيد هدوءها

لم تمض ايام قليلة على انتشار القوات العسكرية التابعة لمنظمة الأمن الجماعي بقيادة روسيا في المدن التي اجتاحتها عاصفة الاحتجاجات في كازاخستان، حتى انهت مهمتها في فرض الأمن ووضع حد لما بدا أنه انقلاب في دولة حساسة سواء في موقعها الجغرافي أو علاقاتها السياسية الخارجية. وفي مؤشر على استعادة السلطات الرسمية الإمساك بزمام الأمور، زار الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف "ألماتي"، العاصمة الاقتصادية للبلاد، واعداً بإصلاح الأضرار التي لحقت بها. وقال خلال اجتماع لحكومته "إن المهمة الآن هي إعادة بناء المدينة في أقل وقت ممكن".

وفي كلمة ألقاها أثناء اجتماع افتراضي مع "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" بقيادة روسيا، أوضح توكاييف خطورة الوضع الذي مرت به البلاد خلال فترة الاحتجاجات الأمر الذي دفعه إلى طلب المساعدة العسكرية الخارجية العاجلة، إذ أن "الهدف الرئيسي للإرهابيين كان تقويض النظام الدستوري، والاستيلاء على السلطة، والقيام بمحاولة الانقلاب"، مشيراً إلى أن جماعات عدة، وصفها بالميليشيات المسلحة "كانت تنتظر الفرصة المناسبة للتحرك والقيام بهذا الانقلاب"، كاشفاً عن وجود مقاتلين أجانب شاركوا في ما سماه العدوان على كازاخستان، الذي كان من نتائجه الخطيرة، "وضع الإرهابيين يدهم على ألماتي، و9 مراكز إقليمية أخرى".

الموقف الروسي من الأحداث

وصف أحداث كازاخستان بالانقلاب الإرهابي، تبنّته روسيا أيضاً التي استشعرت مخاطره على أمنها القومي، ولم تتردّد في اتّهام الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف خلفه، في إطار محاولتها التأثير في البيئة الاستراتيجية الروسية واللعب في حدائقها الخلفية، تماما كما هي الحال في أوكرانيا وبيلاروسيا. 

مضافاً إلى ذلك التوقيت السياسي للأحداث التي جاءت على مسافة أيام قليلة من الاجتماعات الروسية الغربية في جنيف حول الوضع في اوكرانيا على ضوء اتهامات واشنطن وكييف لموسكو بالتحضير لهجوم عسكري ضد أوكرانيا، وبهذا المعنى استشعر الروس أن الأمريكيين دفعوا، أو بالحد الأدنى استثمروا بأحداث كازاخستان لإضعاف الموقف الروسي على طاولة التفاوض. 

هذه الخلفية في قراءة الاحتجاجات الكازاخية بأبعادها السياسية والأمنية، كانت بمثابة القوة الدافعة للتدخل العسكري الروسي السريع عبر منظمة الأمن الجماعي لإخماد الثورة الملونة كما وصفها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي توجّه برسائل حازمة إلى من يعنيهم الأمر "لن ندع أي شخص يعمل على إرباك الوضع في أوطاننا، ولن نسمح بسيناريوهات ما تسمى بالثورات الملونة". 

وأضاف في كلمة له خلال اجتماع افتراضي للمنظمة المذكورة "نفهم بالطبع أن الأحداث في كازاخستان ليست الأولى، وستكون بعيدة كل البعد عن المحاولة الأخيرة للتدخل في الشؤون الداخلية لبلادنا".

الموقف الأمريكي

الولايات المتحدة الأمريكية التي بدت متفاجئة من سرعة التدخل الروسي، انشغلت في الأيام الأولى للاحتجاجات بتحذير السلطات الرسمية من المسِّ بالمتظاهرين، ودعتها إلى احترام حريتهم في التعبير والتظاهر، قبل أن تنشغل في "تسخيف" الاتهامات الروسية لها بالوقوف خلف ما يجري. لكن أمريكا حاضرة بالفعل في كازاخستان ليس من خلال الشركات النفطية الكبيرة كشيفرون واكسون موبيل فحسب، وإنّما من خلال ما يسمى منظمات المجتمع المدني، ذراع واشنطن في استراتيجية التغيير الناعم، وفي هذا السياق، نشرت صحيفة الأخبار اللبنانية، وثائق توضح حجم الاستثمار الأمريكي بتلك المنظمات في آسيا الوسطى لاسيما في كازاخستان، حيث "تظهر بيانات أذرع الخارجية الأمريكية للتأثير الناعم أن واشنطن ضاعفت من استثماراتها في دول آسيا الوسطى عامة، وفي كازاخستان خصوصاً، ولا سيما عام 2020، أي قبل عام من إجراء الانتخابات البرلمانية الكازاخية مطلع العام المنصرم". وأوضحت الصحيفة بحسب الوثائق التي حصلت عليها، أن "الصندوق الوطني لدعم الديموقراطية الأمريكي - NED ضخ حوالي 1,082,991 دولاراً، فيما سجل عام 2019 تمويلاً بقيمة 519,627 دولاراً". مشيرة إلى أمر لافت في البرامج الأمريكية المخصصة لبلاد وهو "محاولة التأثير في الرواية التاريخية للحقبة السوفياتية في كازاخستان، من خلال تمويل إنتاج أفلام وثائقية باللغة المحلية لإحياء الذاكرة الكازاخية حيال القمع السوفياتي ضمن برامج عنوانها تعزيز الذاكرة التاريخية". وهذه الجزئية بحسب الصحيفة ذاتها "أشارت إليها إحدى الفقرات في استراتيجية الأمن القومي الروسي الصادرة في تموز 2021، حيث ورد فيها أن واشنطن وحلف الناتو يحاولان ضرب القيم الروحية والأخلاقية والثقافية والتاريخية التقليدية الروسية".

هذه الوثائق تعكس أهمية كازاخستان في الاستراتيجية الأمريكية حيال منطقة آسيا الوسطى، وهذا يعني من وجهة أخرى أن إحباط "الثورة الملونة" وجَّهَ صفعةً قويةً للولايات المتحدة، التي بدت مصدومة من سرعة التّدخل الروسي، وهو ما عكسته تصريحات المسؤولين الأمريكيين وعلى رأسهم وزير الخارجية أنتوني بلينكن، الذي قال إن بلاده "تسعى للحصول على إيضاحات من المسؤولين في كازاخستان عن سبب حاجتهم إلى استدعاء قوات أمن بقيادة روسيا للتعامل مع اضطرابات داخلية".

تركيا تشعر أنها مستهدفة

وكما في واشنطن السؤال عن استنجاد "نور سلطان" بموسكو، طرح علامات استفهام في أنقرة، التي تتزعم رابطة الدول الناطقة بالتركية ومنها كازاخستان، وقادت الشكوك المحللين الأتراك إلى اعتبار ما جرى استهدافاً لدور بلادهم الحيوي في آسيا الوسطى. وفي هذا الإطار وصفت صحيفة "يني شفق" المحسوبة على حزب العدالة والتنمية الاضطرابات بالأمر المخيف، متسائلة لماذا اتصلت كازاخستان بروسيا طلباً للمساعدة، قبل أن تقدّم مقاربتها لما جرى على الشّكلِ التالي: "الظاهر أن الاحتجاجات هي على رفع أسعار الوقود، لكن الحقيقة أن روسيا وضعتِ الأسسَ للتّدخل الخارجيِّ وغزو البلاد من جديد، ومن ثم تطلب إدارة كازاخستان النجدة، ليبدو الروس أنهم هم المنقذون للبلاد من الفوضى التي وقعت فيها". وذهبت الصحيفة بعيداً في توضيح ما اعتبرته مؤامرة روسية، زاعمة أن موسكو وضعت أربعة شروط لمساعدة كازاخستان، تؤكد الشكوك بأنها هي التي تقف وراء الأحداث على حد تعبيرها. وهي التالية:

- اعتراف كازاخستان بضم شبه جزيرة القرم.

- إعادة الاعتراف باللغة الروسية كَلُغةٍ رسمية ثانية.

- السماح لروسيا بإنشاء قواعد عسكرية جديدة في البلاد.

- منح الحكم الذاتي للأقليّة الروسية.

ورأت الصحيفة أن روسيا تلعب لعبتها في آسيا الوسطى لمنع تركيا من إعادة لمِّ شمل دول العالم التركي، لتخلص إلى أن ما شهدته كازاخستان ما هو إلا "انقلاب ضد تركيا". على الاستهداف لتركيا لم يأت من روسيا وحدها بحسب "يني شفق" وإنما من الولايات المتحدة التي اتّهمتها "بمحاولة كسر تركيا من خلال كازاخستان" والسبب أن "تعاظم القوة التركية يشعر الغرب بالذعر، وتأسيس منظمة الدول التركية، أخيراً، يعتبر أحد أهم المشاريع الحيوية والاستراتيجية في آخر ربع قرن، ولا سيما أن تركيا هي العقل والدماغ والقلب وراء هذا التأسيس".

خاتمة

لم تطل مهمة قوات حفظ السلام من منظمة الأمن الجماعي في كازاخستان، سريعاً أعادت الهدوء إلى البلاد، وبدأت بالانسحاب، لكن أبعاد ما جرى ستبقى حاضرة بقوة مع احتدام الصراع الروسي الصيني الغربي في منطقة أوراسيا التي سبق لمستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنو بريجنسكي أن وصفها في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" بأنها قلب الصراع في القرن الحادي والعشرين.

 

إخترنا لكم من العدد