مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

الأصولية تهمة سياسية أم واقع ثقافي معياري.. هل الإسلام دينٌ أصولي؟!..

نبيل علي صالح

الأصولية تهمة سياسية أم واقع ثقافي معياري..

هل الإسلام دينٌ أصولي؟!..

 

نبيل علي صالح

كاتب وباحث سوري

 

ما نزال في كثير من مناخاتنا ومواقعنا السياسية والثقافية نسمع ونقرأ عن اتهامات تطال الحركات الإسلامية بل الدين الإسلامي ذاته بأنه دين الأصولية، وتربط بين فكرة الأصولية وصفة التطرف والعنف... بل باتَ الكثيرون اليوم من أهل السياسة والثقافة – سواء عندنا أم هناك في الغرب - يصرخون عالياً ويستغيثون كثيراً من هيمنة أجواءِ الغلوِّ السياسيّ و"التطرّف" الديني وهيمنة التيارات الدينية "المتشددة"، ويشتكون من ماردِ ما يسمى بوحشِ "الأصولية الإسلامية"، أو من غول الأصوليين ووحش السلفيين والتكفيريين. 

فهل هناك مبررات عملية حالية لهذه الشكوى والاستغاثة التي بلغت حد المرض و"الفوبيا" النفسية لدى هؤلاء الذين كانوا في يوم من الأيام من أبرز داعمي تلك التيارات خصوصاً منها السلفية الجهادية؟!! أم أن هناك دوافعَ وجذوراً سياسية نفعية وراء صيحات التخويف من هذه الظاهرة التي تفجّرت وامتدت وتجذّرت كحالة سياسية على نحو عميق في تربة مجتمعاتنا العربية والإسلامية لعدة عقود؟!.

بطبيعة الحال نحن نميز هنا في مصطلح الأصولية بين معنَيَيْن، المعنى الأول العودة إلى الأصول والانتفاع بها وإعادة تكييفها مع العصر والحياة بما يفيد مسيرة الفرد المسلم في حياته ويحسِّن من حركته وسلوكه ويغني وجوده حضوراً ومعرفة وانفتاحاً وإنسانية، وهذا أمر من صلب الإسلام نفسه، وبهذا المعنى الحضاري الإنساني المنفتح نقولُ بأن الإسلام دين أصولي، وأما المعنى الثاني الانغلاق على الذات وادّعاء امتلاك الحقيقة واحتكارها ورفض الآخر (فرداً أم مجتمعات) ومحاولة تغييره بالعنف والقوة، بما يشعل ويفجّر أجواء التعصب والتطرف، ويفضي لاحقاً إلى شيوع الإرهاب الدموي، مثلما حصل في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبعض مجتمعات الغرب.. وهذا معنى مرفوض وغير معترف به في صميم الفكر الإسلامي.

نستطرد هنا قليلاً لنؤكد على نقطتين:

  1. أن الأصولية بالمعنى الثاني قائمة في الغرب السياسي والثقافي، وبالأساس هي ككلمة أو كمصطلح كانت موجودة هناك قبل وجودها في عالم العرب والمسلمين.. وكل الأفكار والثقافات والأديان تختزن في داخلها أفكاراً ودعوات فكرية "أصولية" بالمعاني السابقة طبعاً.
  1. أن التكفير والتطرف - كمعنى عملي - هو حالة ومناخ رفضي إلغائي عام قد يتورط فيه فرد أو جماعة أو حزب أو تيار، وليس حكراً على قاموس وسلوكيات جماعة سياسية أو فكرية بحد ذاتها، كالجماعات الدينية مثلاً، وإن يكن المصطلح دينياً، فقد استعملته واستخدمته ومارست أساليبه وأفعاله جماعات أخرى ادّعت (العلمانية)، وكانت مناوئة لحركات الإسلام السياسي نفسها..!!. يعني مثلاً تعبير أو لفظ "خائن" أو تعبير "عميل" بماذا يختلف عن لفظ أو تعبير "كافر" أو "زنديق"، بالمضمون العملي وليس اللفظي أو التاريخي أو الاصطلاحي؟!!. 

ومشكلة الأصولية لم تظهر أو تبرز في ساحاتنا إلا نتيجة لظروف ومناخات سياسية وثقافية سائدة، أي نتيجة وجود هذا الخلل البنيوي السياسي والاجتماعي البائن الذي لم تتم معالجته من قبل نخب الحكم وأصحاب القرار، والذي أدى إلى نشوء بذور التعصب الديني والأصولية، وتحوُّلها إلى حالة وظاهرة واقعية حية وقوية ومتجذرة في واقعنا لاحقاً، الأمر الذي كشف عن وجود توافقات إقليمية ودولية لإبراز تلك الحركات السلفية والتكفيرية، واستثمارها وتجييرها لصالح سياسات ومخططات معروفة. 

إننا نعتقد أن حجر الزاوية في الموضوع كله هو أن معالجة التطرف والإرهاب (وبالتالي إيجاد حل عملي وواقعي جذري ونهائي لمشكلة التيارات التكفيرية والسلفية التي باتت ذريعة للقمع والاستبداد وإلغاء الحريِّات وتكبيل إرادات الناس ومنعها من تحقيق طموحاتها في الحرية والكرامة والعدالة من قبل كثير من رموز الحكم "العلماني" العربي المستبد والفاسد) لن تكون ذات قيمة ومعنى وجدوى، ولا تنجح ولن تنجح إلا بمعالجة أسباب التطرف بعد تشخيص حقيقي لدوافعه وعلله "البدائية" الأولى، وليس فقط معالجة نتائجه ومآلاته النهائية المعروفة للجميع والتي باتت خطوطاً وعناوين عريضة تتكرّس أمام أعيننا يومياً على الشاشات وفي المنتديات والمجالس والمؤتمرات وغيرها.. فبذور التعصب والتطرف الفكري والعقائدي والتشدد بالرأي والقناعات لا تنمو ولا تنشأ ولا تقوم وتتقوى إلا في أرضية القمع والتسلط السياسي ومنع الناس من المشاركة في صنع حياتها وتمثل خياراتها، ولا تتضخم إلا في تربة الفساد والظلم والتفاوت الاقتصادي والاجتماعي وشعور الناس بأن حقوقهم مهدورة ومضيعة.

ولهذا لو عولج هذا الجانب بصورة صحيحة وعلمية مدروسة من قبل أصحاب القرار أنفسهم بالتعاون مع مؤسسات وهيئات المجتمع المدني، ومراكز التنوير الدينية والعقلية (في حال لو كانوا عملوا على إيجادها بالطبع!!)، فمن أين سيأتي التطرف وينمو الإرهاب؟، وكيف كانت ستنمو بذور السلفية والتكفيرية؟! خصوصاً مع وجود تجارب واضحة في هذا الاتجاه.. حيث رأينا كيف نجحت مجتمعات ونُظُم سياسية إسلامية "متديّنة" في تحقيقِ تنميةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ، مع وجودِ جماعاتٍ ورموز وتيارات دينية وقوى راديكالية وتنظيمات إسلامية متشدّدة جداً فيها، حيث تمكّنت تلك النظم السياسية المنفتحة والمفتوحة على شعوبها (والتي لا تورث السلطة والحكم والعروش والثروات والموارد، ولا تركز السلطات والقرارات بيد شخص أو نخبة متفردة واحدة) من السيطرة على (أو على الأقل الحد من خطورة) بؤر التطرف الديني عندها؟!. فماذا فعلت؟ قامت بتمكين مجتمعاتها سياسياً بنشر ثقافة التعددية والانفتاح والديمقراطية إلى حد ما، ولو بحدودها الدنيا، وانفتحت على التداول السلمي للسلطة، وقامت بتنمية مجتمعاتها اقتصادياً، حيث راكمت تجارب إنتاجية كبيرة، رفعت من خلالها من معدلات نموها الاقتصادي، كما حدت من الفساد، وضيقت مواقع الظلم إلى أدنى حدوده الممكنة، وزادت من دخل الفرد سنوياً. 

ولكن عندما يرى "الفرد - المواطن" على أرض الواقع في بلاده أن سلطاته الحاكمة انفتحت عليه، وشاركَتْهُ في السلطةِ والثروةِ والقرار، ووفّرت له مناخات العمل الاقتصادي ليستثمر طاقته ومواهبه وخبراته، ليعمل ويشتغل ويقدم في بلاده وليس في بلاد الهجر والاغتراب.. وأن عمله وإنتاجيته لا تذهب هباء منثوراً، بل يراها أمام ناظريه صناعة وتجارة واستثمارات ومتنوعة وخدمات فعال راقية ورفيعة، وتنعكس على جيبه واقتصاده اليومي إيجاباً، وأن بلده توفر له خدمات وترفع من معدلات الناتج القومي.. عند ذلك كله، وفي ظل نمو اقتصاد الرفاه، واقتصاد الخدمات والاستثمار، وتطبيق القانون والنظام العام على الجميع، وتحقيق نسبة مهمة من العدالة الاجتماعية، مع رفع مستوى معيشة ودخول مواطنيها، ومشاركتهم بالثروة والمورد كما قلنا.. فمن أين سيأتي التطرف والتعصب؟ وكيف ستنمو السلفية والتكفيرية؟. 

حقيقةً، الناس في مجتمعاتنا ملّت من تلك الاسطوانة المشروخة المسماة بــ "الأصولية" ، أو "الجهادية" أو "السلفية" أ غيرها، مع وجودها بالطبع، وباتت تضحك في سرها وعلانيّتها من إصرار الحكام والنظم الطغيانية (وسادتهم من الغرب والشرق)، على التنغيم والعزف الدائم إعلامياً وسياسياً على تلك النغمة النشاز.. كما أن الناس ملت وربما كفرت بتلك السياسات الفوقية القسرية، وبالثورات والربيع وغيره. 

فالناس باتوا في موقع الضحية والمتلقي للهزائم والانكسارات، وأضحت هكذا عارية من كل شيء إلا من ورقة التوت، إنها تريد حلولاً واقعية مادية، ونتائج حقيقية عملية لا نظرية لأزماتها ومشاكلها المعيشية الضاغطة والخطيرة للغاية.. الناس تريد حلاً لمشكلة الفشل في إدارة الثروات والموارد، ومشكلة إدارة الفقر الاجتماعي التي أوصلتنا إليها نظمنا الوطنية التحديثية الشعاراتية "العظيمة" التي فشلت حتى في تحقيق بند واحد أو هدف واحد من أهدافها وشعاراتها المعروفة.. بل راكمت على آماد زمنية طويلة من سني حكمها العقيم، تجارب فاشلة مكلفة ومدمرة، كرست نقيض تلك الشعارات تماماً.

وللأسف لا تزال بلداننا ومجتمعاتنا (وناسنا) هي التي تدفع أثمان كل مناخات وأجواء التعصب والأصولية واحتقانات التغيير والصراعات السياسية وغير السياسية، أولاً من حاضرها وطاقاتها الطبيعية (مواردها وثرواتها)، وثانياً من طاقاتها البشرية الهائلة، وثالثاً من مستقبل أجيالها اللاحقة التي ستواجه أزمات كبيرة في تأمين سبل ومنافذ عيشها "الآدمي" الحقيقي البسيط... أما من أشعل الصراعات وفجر بؤر التطرف والأصولية، وأشعل الحروب الدموية العنيفة فهو غالباً المستفيد الرئيسي على كل المستويات والأصعدة.. لأنه يتاجر بدماء وأموال وثروات وموارد الناس حتى في مثل هذه الظروف السيئة والمعقدة. 

هذا الواقع جعلنا - نحن العرب والمسلمين - للأسف الشديد في موقع المتأثر والمنفعل والمفعول فيه في معظم المواقع والمستويات والامتدادات.. وكل أعمال الخراب والدمار والعنف والقتل والدم والسحق والضرب واستباحة الحرمات، كلها تجري للأسف على أراضينا، وبأيدينا ومشاركتنا، ومساهمتنا الفاعلة بوعي أو بلا وعي منا، وبأثمان باهظة ندفعها دماً ودموعاً وفشلاً تنموياً مقيماً.

فمن جهة هناك نظم عقيمة فاشلة لم تحقق شيئاً يذكر لمجتمعاتها، ولم تحصد إلا الرياح هي وشعوبها التي حكمتها.. بقوة الحديد والنار والقهر والغصب.

ومن جهة أخرى هناك التهديد بالأصولية السلفية الدينية الجهادية المتطرفة التي أخرجوها من القمقم السياسي والتاريخي والثقافي وأطلقوها في الميادين والساحات لتحل محل الاعتدال الإسلامي، والعقلانية، والتنوير المعرفي الإسلامي. 

وهناك من جهة ثالثة الغرب الاستعماري الحاقد المطبِّل والمزمِّر والعازف دوماً على أوتار حقوق الإنسان والديمقراطية وضرورة التغيير و..و.. إلخ، والذي لم يخرج بعد من عصبيّته وأصوليته وعقليته وثقافته السياسية المركزية ضدنا منذ قرون وقرون. فويل لهذه البلدان، وألف ويل لهذه الأمة من: الاستبداد والظلم، ومن الإرهاب والتطرف، ومن الاستعمار والتدخل. 

نعم، إن التعصب والتطرف شيء سيء ومقيت ومقرف ومرفوض ومدان ومستنكر ولابد من استئصال شأفته كلياً (وقد قال إمامنا زين العابدين عليه السلام في الحديث المعروف: ".... إنّ العصبية التي يأثم عليها صاحبها هي أن يرى الرجل شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين").. ولكن العلاج يجب أن يكون ليس فقط أمنياً وعسكرياً بل فكرياً وثقافياً وتربوياً، وقبل ذلك تنموياً واقتصادياً.. أي بعلاج أسبابه ودوافعه وتربته وعلته الأولى التي هي مناخات القهر والفساد وانعدام المساواة والطبقية والبطالة والعطالة وسياسات التمييز والفئوية والطائفية.. ووالخ.. 

لهذا نقول: 

- حققوا العدالة والمساواة في مجتمعاتكم المريضة.. 

- قوموا بإعداد المواطن السليم المعافى إعداداً ثقافياً ونفسياً ومادياً بشكل تنويري عقلاني وعلمي صحيح.. 

- أعطوه حقوقه كاملة وعلى رأسها حق الحرية والكرامة والتعبير عن الرأي والمشاركة الفاعلة بالحكم.. 

وبعد ذلك تحدّوا به ومن خلاله الأمم كلها.. وحاسبوه على كل صغيرة وكبيرة.. العدالة جوهر وأس السياسة والاجتماع السياسي والبشري. 

وهذه الحقوق المنشودة هي جوهر كرامة المواطن، حيث أنه لا كرامة لوطنٍ يشعرُ بعضُ أبنائه بانتقاصِ كرامتهم، ولا أمنَ لوطنٍ يشعرُ بعضُ أبنائه باختلالِ أمنهم، ولا استقرارَ لوطنٍ يعاني بعضُ أبنائهِ من انتقاصِ حقوقهم.

إخترنا لكم من العدد