مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

الرهان الإماراتي - السعودي على لُبنان... والـ "إعصارٌ يمانيّ"!!

زينب عدنان زراقط

الرهان الإماراتي - السعودي على لُبنان... والـ "إعصارٌ يمانيّ"!!

زينب عدنان زراقط

آن للسعودية والإمارات أن تتعلّما على ألاّ يُدخِلا الشأن اللبناني في خِضمِّ تناحُرِهما على الريادة والتدخُّلات السياسية تبعاً للإملاءات الأمريكية الصهيونية. لأن العواقب وخيمةٌ جداً، وإعصارُ اليمن - الذي انهارت أمامهُ "أبو ظبي" والذي سبق ولم تستحمِلهُ "أرامكو" - خيرُ دليل على وهنهم هم وأسيادهم، ولم تستطع حتى منظوماتهم الدّفاعية التي هي من "ورق أمريكي" ولا انجرارهم وراء التطبيع الإسرائيلي أن توفِّر لهم الأمان والحماية.

فكيف زلّت قدم الإمارات لتعود لساحة المواجهة في اليمن وبماذا أغرتها السعودية؟ وما هي تبعاتُ عملية "إعصار اليمن" التي زوبعة كيان "أبو ظبي" على كُلٍ من الثنائي الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الغاصب الإسرائيلي؟ 

انزلاقٌ مُتعثّر في حرب اليمن من جديد

ظلّت الإمارات آمنةً ولم تُستَهدف طيلةَ الفترة المنصرمة، على عكسِ النظام السعودي الذي كان يتلقى وبشكل شبه يومي صفعاتٍ مؤلمةً ومؤثرةً في الأماكن الحساسة التي تمثّل عصب الاقتصاد السعودي. لكنّ التصعيد الأخير الذي تعمّدَتْهُ الإمارات قد كسر الجرة، ودفع بالقوات المسلحة إلى دكّ العمقِ الإماراتي على وقعِ ضربةٍ وصفتها وكالةُ "بلومبرغ الأمريكيةُ" بأكبرِ الهجماتِ حريقاً على الإمارات وتوجّه رئيس الوفد الوطني المفاوض، للإمارات قائلاً: "دويلة صغيرة في المنطقة تستميت في خدمة أمريكا وإسرائيل، كانت قد زعمت أنها نأت بنفسها عن اليمن لكنها انكشفت في الآونة الأخيرة خلاف ما زعمت، وعلى إثر ذلك فهي بين أن تسارع لكفّ يدها عن العبث في اليمن أو جاءها بقوة الله ما يقطع يدها ويد غيرها".

عملياً دُويلةُ الإمارات بعيدةُ آلافَ الأميالِ عن اليمنِ تاريخاً وجغرافيا وهي ليس باستطاعتها تحمُّلُ ضرَباتٍ من هذا النّوع بطبيعتِها الاستثماريةِ وحجمِها الصغير، لكن إن استمرّت في غيِّها ومغامراتِها، فربما تتحوّلُ بكلِّها أهدافاً مشروعةً للقواتِ اليمنية.

سريعاً ترجمتِ القواتُ المسلحةُ تهديدَها المطروح على الطاولةِ منذُ أيام ٍبعمليةٍ نوعيةٍ كبرى في عمقِ الإماراتِ الصغيرة، على أنَّ ما حصلَ ربما يكون مقدمةً تُنْذرُ بمفاجآتٍ أشدَّ إيلاماً وبعواقبَ أكثرَ سوءاً، وقد اعترفَ العدوُّ سريعاً بجانبٍ من خسائرِه، في مطارِ أبو ظبي ومنطقةٍ صناعيةٍ قريبة، إلى مؤشراتِ الانهيارِ الحادِّ في أسهم البورصة.

الإمارات آخر أوراق السعودية

من يراقبُ مسارَ اعتداءاتِ تحالفِ العدوان المتصاعدة منذ شهر ونصف، من قصف صنعاء تحت عنوان "تحييد التهديد" إلى مزاعم استهداف "مخازن السلاح النوعي" ومعسكرات "الحرس الثوري الإيراني" المزعومة، وما كُشِفَ عبر تركي المالكي عن دورٍ لـ "حزب الله" في إدارةِ المعاركِ وضربِ العمقِ السعوديِّ عبرَ مشاهد مفبركةٍ ومركّبة، إلى هجوم شبوة على تماس مع البيضاء ومأرب، إلى حبكِ روايةِ ممرِّ الصواريخِ ومقاتلين أجانب عبر ميناء الحُديدة، وبثِّ فيلم صواريخ باليستية مفبرك، إضافة للماكينة الإعلامية الواسعة المجنّدة سعودياً - إماراتياً لإخراج انتصارات تحت مسميات استراتيجية، من يراقب كل هذا المشهد يصل إلى خلاصة مفادها أن تخبطاً على مستوى الإقليم تعيشه مملكة بني سعود، وتحديداً ولي عهدها محمد بن سلمان وفريقه العسكري والدبلوماسي لتلعب آخر مُحاولاتها بالنجاةِ مُتشبّثةً بمجذافٍ إماراتيّ مُهترئٍ لينكسرَ بها وتجرّها خلفها إلى قعر مستنقع اليمن.

فلقد شكَّل التّدخل الإماراتي الأخير في اليمن ضربةً قصمت ظهرها، على الرغم من تهديدِ السيّد عبد الملك الحوثي مُسبقاً لها وللسعودية عام 2017 أنه "على كلِّ الشركات في الإمارات ألا تنظرَ للإمارات أنها بلدٌ آمنٌ بعد اليوم.. إن المنشآتِ النفطيةَ السعوديةَ والاماراتيةَ من اليوم باتت في مرمى صواريخنا"، ولقد شهِدَ العالمُ على الضّرباتِ اليمنية الحسّاسة التي وصلت إلى قلبِ جدّة وطالتْ خزاناتِ النّفطِ والقواعدَ الجويةَ السعوديةَ فهي قد كانت بمنأى عن ذلك كلِّه بعد إبرامِها هدنةً عام 2019 وأعلنتِ الانسحاب من اليمن إلى أنْ ورّطَتها السعودية - عسى أن تنتشلها من مُستنقع اليمن - بظهرٍ أمريكي إسرائيلي مُغريةً إيّاها بالتّنحّي لها وتسليمها الساحة اللبنانية - كصيدٍ وفيرٍ خلال مرحلتهِ الانتخابية النيابية - فجاءت النتائج على عكس التقديرات السوداء وتهاوت الإمارة نساور زجاجٍ منثورة وتعلّمت أن "من بيته من زجاج عليه ألا يرمي الناس بالحجارة". 

في حين أن المراقبين يرون أن ولي عهد أبو ظبي وحاكمها الفعلي، "محمد بن زايد"، قد اتّخذ الاحتياطات اللازمة لتأمين أبو ظبي وحقولها النفطية، من أي ضربات يمنية، قبل أن يُقْدِم على التصعيد الأخير في اليمن، مستفيداً من الموقِف الحرج الذي تعاني منه السعودية، نتيجة الضربات المتلاحقة من اليمن، خصوصاً أن بُنية أبو ظبي الهشة ومساحتها الصغيرة المقدرة بـ 67 ألف كم، لا تحتمل أي نوع من ضربات الصواريخ الباليستية أو هجمات الطيران المسير. 

إعصار اليمن

هذا وأعلنت القوات المسلحة اليمنية الاثنين الماضي، عن تنفيذ عملية "إعصار اليمن" العسكرية في عمق العدوّ الإماراتي، ردّاً على تصعيد العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي المُتمثّلِ بإعادة تموضع الجيش الإماراتي في الحديدة منذ شهرين، ونقلهم إلى شبوة على تماس مع محافظتي مأرب والبيضاء، ثم فتح معركة هناك تركزت في مديريتي بيجان وعسيلان. بدء العملية العدوانية كان بداية للتنصل من التفاهمات السابقة وعودة أبو ظبي إلى لعب دورها في العدوان كما كان عليه عام 2015 إلى جانب السعودية.

فقد صرّحَ المتحدث الرسمي للقوات المسلحة العميد يحيى سريع في بيان، أن العملية قد استهدفت مطارَيْ دبي وأبو ظبي ومصفاة النفط في المصفح في أبو ظبي وعدداً من المواقع والمنشآت الإماراتية المهمة والحساسة. موضحاً أن العملية تمت بخمسة صواريخ باليستية وصاروخ ذو الفقار ومجنحة نوع قدس٢ وعدد كبير من الطائرات المسيرة.. مُهدّداً بأنه "لن نتردد في توسيع بنك الأهداف ليشمل مواقع ومنشآت أكثر أهمية خلال الفترة المقبلة"..  ومحذراً الشركات الأجنبية والمواطنين والمقيمين في دولة الإمارات بالابتعاد عن المواقع والمنشآت الحيوية حفاظاً على سلامتهم.، مؤكداً أن القوات المسلحة تعلن بأن "الإمارات دويلة غير آمنة" طالما استمر تصعيدها العدواني ضد اليمن.

‏ لبنان.. والاتفاقية الإماراتية - السعودية 

في الكواليس الخفية التي لا يجرؤ أحد بالإفصاح عنها، ثمة لعبة واهية أرادتها الإمارات بالاتفاق مع السعودية بتبادلٍ للمصالح، في حين أن السعودية ساومت على الساحة اللبنانية بتسليمها للإمارات مقابل دعمها عسكرياً في "شبوة" - اليمن. لبنان الذي يتحضر لموعد الانتخاباتٍ النيابية، على الرغم من أنه في مثل هذا الوقت كان لا بُد على المرشحين أن يكونوا في مرحلة الإعلان عن أهدافهم الانتخابية والتّرويج لها - إلا أنه لا صوت ولا صورة ولا إعلان لأحد حتى الآن...- فنجد بالتوازي ما بين التطورات الميدانية في اليمن والأحداث الانتخابية في لبنان، بدايةً، سُحِق ما يُسمّى بجيش "العمالقةِ" -الإسرائيلي التدريب - بقيادة الإماراتِيين في هجمته المُباغتةِ إلى جانب الجيش السعودي في "شبوة" ما شكّل صدمةً لم تكن في الحسبان وخيبت كل الآمال التي عُقدت لقضمِ لبنان، وفي المقابل نجد أنه رئيس الحكومة السابق "سعد الحريري" - القاطن في الإمارات والذي أرادوه أن يكون يدها في لبنان - سرعان ما أقدم على سحب ترشّحه والاعتذار... لا بل وبكل وقاحةٍ يتّهم مُجاهدي أنصار الله بالتمادي واصفاً إيّاهم بـ "الميليشيات"  التابعة لـ "إيران" داعياً لتوقيف "التمدد الإيراني"...!! إضافةً للاستنكار "الحريري"، كذلك إسرائيل أدانت الهجوم اليمني على "أبو ظبي" وتداولات وسائل الخبر بخوفٍ وريبة من أن تطالها المسيرات "الحوثية" وتفعل بها مثلما تفعله بالسعودية والامارات. 

وفي هذا السياق، لعلّه علينا تذكير "الحريري" في زيارته لإيران عام 2010 ولقائه المرشد الأعلى السيد "الخامنئي" الذي استبق نيّته بطرح موضوع سلاح حزب الله ليسأله السيد "القائد" عمّا إن كان قد قرأ رواية "أحدب نوتردام" ليُردف "في هذه الرواية سيدة جميلة جداً، وبطبيعة الحال كلّ الذين لديهم القدرة قاموا بالتنافس عليها"، ثم سأله إن كان يعرف اسمها.. فأجاب وزير الثقافة - الذي كان برفقة "سعد" - "اسمها إزميرالدا"، ليخلص الإمام إلى قوله "سيدي رئيس الوزراء، لبنان مثل هذه السيدة الجميلة، لبنان عروس البحر المتوسط، كلّ الدول تريده، إسرائيل خطرها عليكم كبير، وسلاح المقاومة هو خنجر إزميرالدا "... والرسالة اليوم تتكرر، ولكن بمقاومةٍ لم تعد تحدّها الجغرافيا بل امتدت لتكون محوراً إقليمياً - ترسانةً - في وجه العدو الإسرائيلي وكل من ينجرّ خلفها.

ما أقدمت عليه الإمارات وضع صنعاء في حِلٍّ من تلك التفاهمات، وهو ما دفع إلى اتّخاذ القرار بتوجيه ضربة في العمق الإماراتي، عسى أن تُعيد القيّمين في أبو ظبي إلى رشدهم وإعادة ترتيب حساباتهم وتقديرهم للموقف وفق أسس جديدة.

في ظلّ الدور الريادي الذي كانت تلعبه الإمارات في المنطقة انطلاقاً من موقعها الجديد في الشرق الأوسط بعد تطبيع علاقاتها مع العدو الإسرائيلي، ثم فتح قنوات اتصال عالية المستوى مع إيران، وكذلك أخذ مبادرة اتجاه سوريا، كما فتح صفحة جديدة من العلاقات مع أنقرة، بحيث أنها تطمح إلى لعب دور جامع للتناقضات وقادر على نقل الرسائل ولو كان ضمن سقوف أمريكية، أخفقت كثيراً وخسرت كل مُحاولاتها السابقة في تدوير زوايا بعض الملفات، بالخطوة العمياء التي اقترفتها. 

بناءً على ما سبق، فإنّ الصواريخ والمسيّرات اليمانية التي هزّت كيان آل نهيان وآل راشد.. وأرعبت إسرائيل حيث اعتبر الإعلام الصهيوني عملية إعصار اليمن رسالة لكيان الاحتلال الذي ظنّ بأن التطبيع مع الإمارات ومع عدة أنظمة عربية قد يوفر له شيئاً من الأمان فخابت ظنونه، كما تحدّثت وسائل إعلام عبرية عن قلقٍ متزايد من تعرّض "الكيان الغاصب" لهجمات جوية مماثلة لتلك التي دكت "أبو ظبي" في حين أكد رئيس حكومة العدو الصهيوني بينيت، وقوف بلاده إلى جانب الإمارات وإلى جانب "محمد بن زايد".

الكيان المُحتلّ يوازي تقريباً في البُعد الجُغرافي للإمارات عن اليمن ولأنها المُحرّك الرئيسي الذي يوجّه مُرتزقة السعودية وما يُسمى بِقوى التحالف أضف إلى تواجده المُباشر في جزيرة سُقطرى اليمنية.. فأنّى لها بعد ذلك بأن ترقد بسلام وقد رأت ما رأت مما حلّ بالإمارات وما يجري على السعودية؟.

وفي المحصّلة فإنها رسالة مباشرة إلى واشنطن التي تُدير كل أفرقائها بالمنطقة ولا يخفى دورها المباشر إلى جانب الموساد الإسرائيلي ولقاءاتهم الخفية في "نيوم" مع "ابن سلمان" وما زعمت به من تزويد سلاح الجو السعودي ببنك أهداف داخل اليمن عملوا على ضربها، فهل رأت أمريكا أداء أنظمة الدفاع "رايثيون" الأمريكية في ما تعرضت له الإمارات؟ صدق السيد بدر الدين الحوثي عندما خاطب الولايات المتحدة قائلاً إنه "لو تجرؤ أمريكا على النزول إلى ساحة الميدان بنفسها.. لكنها لا تستطيعُ ذلك...!"

علاوةً على ذلك كله، إنها رسالة لكُلٍ من السعودية والإمارات بأن كُل محاولات الدبلوماسية مع دول الجوار ولا حتى التوطيد من إيران نفسها أو المشاطرة على الحصة اللبنانية لها بأن تُحرّك شعرةً ساكنة صوبهما في حربهما على اليمن، بل عليهما بالرضوخ أمام شروط صنعاء والتحاور مع قوى "أنصار الله". 

"رعد2 وذو الفقار" نحو "ديمونة"

في الختام، إن الإنجازات النوعية والمذهلة لقوات أنصار الله وتقدّمهم اللافت عسكرياً وميدانياً ولوجستياً ومواجهتهم لمن يُعتبرون بأقوى الجيوش في حين أنه شتّان ما بين نقاط الاستهداف التي يرصدها اليمنيون من منشآت حيوية ومصافٍ للنفط وما بين الإجرام وانعدام الدين والإنسانية بإحلال المجازر بالأطفال والنساء والمدنيين. لقد بات بالإمكان اعتبار القوات المسلحة اليمينة واحدة من أقوى الجيوش الإقليمية والتي تُشكّل خطراً جسيماً على "إسرائيل"، والأيام المُقبلةِ لا بُدّ لها بأن تشهد زلّةِ قدمٍ قريبة أو حركةٍ صهيونية مُريبة تمسّ بسيادة اليمن، فهل صواريخ رعد 2 أو مُسيرات ذو الفقار اليمنية ببعيدةٍ عن موعد الانطلاق لتدكّ مُفاعل ديمونة وتنسف "إسرائيل" من الوجود؟!.

إخترنا لكم من العدد