مجلة البلاد الإلكترونية

الهيئة الإدارية: " الأمر الذي لا يمكن لأي لبناني شريف أن يقبل به أو يتجاوزه هو الإهانات التي صدرت من السفير السعودي وليد البخاري وهذا تدخّل سافر ووضيع في الشأن العام اللبناني وإهانة لكل الشعب".

العدد رقم 338 التاريخ: 2022-05-27

"النّقب".. الخطر القائم والمواجهة المستمرة

"النّقب".. الخطر القائم والمواجهة المستمرة

هيثم أبو الغزلان

لم تكن المواجهات التي تفجّرت بين أصحاب الأرض الفلسطينيين والأجهزة الأمنية المختلفة للاحتلال الإسرائيلي، والأذرع الاستيطانية في "النقب"، أو قضاء بئر السبع، أو الجنوب الفلسطيني، هي الأولى في تلك المنطقة التي واجه أهلنا فيها كل الجرائم التي ارتكبت بحقهم؛ قتلاً، واغتصاباً للأرض، واقتلاعاً وتهجيراً لعشرات الآلاف منهم..

الصراع مُجدّداً

لقد أعاد مشروع "الصندوق القومي" (كيرن كايمت)، تحت عنوان ما يسمى "تحريش الصحراء"، الصراع إلى الواجهة مجدّداً؛ فهذا المخطط يهدف إلى سلخ وتجريد سكان النقب العرب، وتحديداً القرى غير المعترف بها من دولة الاحتلال، من أراضيهم الزراعية وأراضي المرعى وتحريشها بأشجار حرجية، لمنع الأهالي من دخولها واستعمالها. وهو يأتي في سياق الاستهداف "الإسرائيلي" للمنطقة، أرضاً وإنساناً. ولكونها تُشكّل ما يقرب من نصف مساحة فلسطين. وهي منطقة حيوية تضم أهم القواعد العسكرية الاستراتيجية، والمرافق الأمنية الحسّاسة، وشبكة من الطُّرق يُسلكها الجيش "الإسرائيلي" وآلياته العسكرية.. وبناءً عليه فإن لهذا الاستهداف بُعداً "قومياً شاملاً" يرى القادة "الإسرائيليون" خطره القائم والدّاهم على كيانهم منذ أول رئيس وزراء لكيانهم "ديفيد بن غوريون" الذي اعتبر أنّه من الصّعب قيام "الدولة اليهودية في إسرائيل بدون صحراء النقب". ولذا ما يحصل هو مواصلة لتنفيذ المخططات الرامية إلى تحقيق حلم بن غوريون في الاستيلاء على النقب وتهويده، ولن يتم تنفيذ هذه المخططات إلا عبر استخدام سياسات الاقتلاع والتهجير والترحيل التي يقاومها أهلنا في النقب وفي كل فلسطين. 

ويرى الكاتب الفلسطيني عبد المجيد سويلم في مقال له بعنوان: هبّة "النقب" وتطورات سياسية دراماتيكية قادمة أنّ المشروع الصهيوني، القديم والجديد (وهما بالمناسبة متّصلان ومتواصلان) يهدف إلى حشر الفلسطينيين في "تجمعات" يمكن السيطرة عليها بحيث لا تصل المساحة المتاحة لهم في النهاية إلى أكثر من 1% من كامل مساحة قضاء بئر السبع والذي تبلغ مساحته حوالي 52% من فلسطين التاريخية حسب الدكتور منصور النصاصرة في كتابه (بدو النقب وبئر السبع، مئة عام من السياسة والنضال 2019). ونتيجة للأعمال المتواصلة للاحتلال فإنه لم يبق للقبائل العربية في "النقب" سوى أقل من (3%)، ويقيمون في عدد من القرى والمدن في مناطق قضاء بئر السبع، كمدينة رهط وتل السبع وشكيب واللقية وحورة وكسيفة وعرعرة وقرى أخرى. وفي مقال نشرته وكالة القدس لنداء بسومي يورد أنّه خلال العقود الماضية، شهد النقب احتجاجات على واقع معيشة 35 قرية عربية لا تعترف بها حكومة الاحتلال، يقطنها 150 ألف نسمة من أصل 300 ألف عربي في النقب، محرومون من الخدمات الأساسية من المياه والكهرباء والبنية التحتية، ويواجهون مشاريع استيطانية أطلق على آخرها "الاستيطان الأخضر"، بهدف إقامة 12 مستوطنة جديدة وعشرات المزارع الفردية لليهود على أراضي بدو النقب. ولهذا فإن "الإسرائيليين" يعتبرون أن مواجهة أصحاب الأرض في "النقب" لها خلفيّتان وطنية وقومية، وهي تأتي ضمن منهج يتنامى منذ معركة "سيف القدس" في أيار/مايو 2021، حين انتفض الفلسطينيون في كل الأرض الفلسطينية، ولهذا فإنّ ما يحصل من هبّة في "النقب" إنما هو دفاع عن وجود أصحاب الأرض على أرضهم، وتأكيداً على مواجهتهم للاستيطان والمستوطنين وجنود الاحتلال. وبناء على تلك المعطيات التي يفهمها الاحتلال وقادته ومستوطنوه جيداً، ويتحسّب لها قادة الاحتلال الذين يعتقدون أنّ أهالينا في الأرض المحتلة منذ العام 1948، إذا استمرّت تحركاتهم ومواجهاتهم للمشاريع "الإسرائيلية" متصاعدة فإنهم يُشكّلون تهديداً استراتيجيّاً على الكيان. عزّز من تلك التحذيرات ما قالته أوساط "إسرائيلية" عمّا أسمته ضرورة مواجهة "مرحلة الفلسطنة والأسلمة"، التي يمر بها الأهالي في منطقة "النقب"، قبل أن تتحوّل إلى خطر حقيقي على الكيان. وقد انعكست هذه المخاوف من خلال التصريحات المُعبّرة عن تلك المخاوف والتداعيات جراء المواجهات التي حصلت وتحصل في "النقب"، فاعتبرها البعض أنّها تعيد إلى الأذهان الأحداث المشابهة التي حصلت خلال انتفاضة العام 1987. وأنّها الأقوى منذ سنوات، وتتصاعد بشكل يومي، حتى أنّ وزيرة الداخلية "الإسرائيلية"، أيليت شاكيد، قد اعتبرت خلال المؤتمر السنوي لصحيفة "غلوبس"، أنّ ما يحصل في "النقب" يؤكّد أنّ حلم بن غوريون لم يتحقّق بعد، وأنّ هذا الحلم لن يتوقّف حتى تحقيقه في النقب والجليل، حسب زعم شاكيد.

المواجهة المستمرة

لقد مارست سلطات الاحتلال سياسات الخنق الممنهجة ضد أهلنا الفلسطينيين في "النقب"، لكن أهلنا لم يستسلموا لكل سياسات التمييز ومحاولات الترحيل والتهجير، وأفشلوا مخطّط "برافر" في العام 2014، الذي ينصُّ على ترحيل أهلنا عن أرضهم وحشرهم في عدد محدود من البلدات المُسيطر عليها بشكل كامل، وعلى مساحة ضيّقة، يُمارس فيها المزيد من القيود عليهم. وتشكّل بلدة "العراقيب" نموذجاً في الصمود والمواجهة رغم قيام الاحتلال بهدمها خلال العقد الأخير نحو مائتي مرة.. ويقول الناشط العربي في النقب حسين الرفايعة، في مقابلة مع صحيفة "العربي الجديد"، إنّ الهجوم "الإسرائيلي" "ليس معزولاً عن باقي المخططات ومواصلة تحقيق حلم بن غوريون في الاستيلاء على النقب وتهويده، وهي سياسات لم تتوقف يوما". ولفت الرفايعة إلى أنّ خطورة ما يحدث في أراضي النقب اليوم هو "البداية لاستكمال مخططات التهجير، لنحو 130 قرية عربية في النقب لا تعترف بها حكومة الاحتلال الإسرائيلي، على الرغم من أنّها قائمة قبل قيام إسرائيل، ويسكنها اليوم نحو 130 ألف نسمة". 

إنّ ما حصل ويحصل من مواجهات وتصدٍّ للمشاريع "الإسرائيلية" التهويدية يُثبت أن الصراع هو صراع على الأرض وهو قائم على نفي الآخر الذي يعمل على نفي وجود الشعب الفلسطيني، ولذلك نرى هذه الهبّة التي يلتفُّ حولها أهلنا في كافة مناطق فلسطين المحتلة منذ العام 1948 وخارج فلسطين، هي امتداد طبيعي لما حصل من وحدة فلسطينية خلال معركة "سيف القدس"، ما يعني التأكيد من جديد على الدفاع عن الأرض والمقدسات في مواجهة المشروع الصهيوني الهادف لاقتلاع الإنسان الفلسطيني وابتلاع الأرض.

إخترنا لكم من العدد